صحوة دادائية متأخرة 000 في معرض هاشم تايه

شاكر حمد خلف
2012 / 11 / 14

صحوة دادائية متأخرة 000 في معرض هاشم تايه
شاكر حمد

قدم هاشم تايه معرضه الاخير - 3- 11 - 2012- قاعة جمعية التشكيليين العراقيين فرع البصرة – وهو خلاصة تجارب في التقنيات المشتغلة بالمواد المهملة وعناصر البيئة ومخلفاتها 0 أي ما وقع على الارض وداسته الاقدام وسحقته العجلات وتغيرت معالمه الاصلية ومن ثم وظائفه 0 يشكل ورق التغليف – الكارتون – المادة الاولية والأساسية في المعرض ويشغل الخلفيات وحتى الاطر الخارجية 0 يضيف الفنان ما – يجده – على الارض ، علب بلاستك مدعوكة ؛ صفائح صدئة ؛ خيوط وأسلاك معدنية مع اضافات مقتصدة من الفنان كالقصاصات الورقية او اللمسات اللونية في بعضها 0 ومن هذه المواد تتشكل اللوحة وقد تكون رسما برزا – ريليف – او مجسما مدورا منها عمله النحتي المشغول بقناني البلاستك الفارغة والموضوع على الارض والأخر على شكل ماكيت مدرج من كارتون التعليب وتوحي المجسمات برغبة الفنان دخول عالم المشاريع كالنصب التذكارية والنافورات 0 وأضاف الفنان لبعض اللوحات رؤوسا بشرية صغيرة من عجائن ورقية او ما يشبه ذلك 0 وفي كولاجات دائرية نستدل على ملامح وجوه تجريدية 0 وأخيرا ثمة احاسيس يستفز بها الفنان مشاعر المتلقي ويستدعيه لمحاورتها او قبولها والتجربة هنا تتلخص في الافتراضات التالية : ان العمل الفني – التشكيلي – تخطى المواد المعروفة في التقنيات الاكاديمية واحلّ بدلا عنها مواد البيئة او مخلفاتها ، وهو افتراض قديم كما سنبيّن، الرسم ليس بالضرورة ان يكون ملونا ويمكن ادخال النحت في الرسم والعكس ممكن أيضا الا فتراض الاخر هنا ان فقر الالوان قد يكون اساسا روحيا ونفسيا لإحاطة مجمل ما تنطوي علية تجربة الفنان، ويتخطى الفنان اعتقادات المتلقى حول قدسية العمل الفني المتمثلة في خصائص محددة بالأناقة والصبغات والعناصر الاكاديمية والواقعية 0 ان اعتماد الفنان على مواد قابلة للتلف واستهلاكية ومبتذلة يؤكد هذا الاعتقاد فالبعد العبثي والميول الطفولية تتوغل في اعماق المضمون 0 والمضمون في الفن التجريدي هو مضمون الشكل ويكمن في جدل الاحاسيس والمشاعر وتصادمها مع المزاج العام السائد 0 والعمل المنجز هنا يؤكد الافتراض الاخير وهو ان اللوحة – الحياة الهشة – انما هي الواقع في صورته الغائبة عن توقعاتنا لشدة واقعيتها الى درجة الوهم والخيال ، الواقع اليومي 0
لايمكن اغفال الآراء المساندة لهذه التجارب ، والأثارات الجدلية المصاحبة لفعاليتها ، وتأويلها الموسمية ، أي تجنيسها في خانة ثورات العصر وصرعات الحداثة وما بعد الحداثة ، وان موجات الحداثة ما زالت متواصلة بموازاة التكنولوجيا الالكترونية فعلا، انه عصر التناقضات والتشظي ورثاثة المحيط الانساني وفقر البيئة 0
يقدم هاشم تايه واحدة من تجارب العزلة ، ومنذ عشر سنوات ، بحساب مشاركاته في المعارض السابقة في البصرة يمكن القول ان هذا المعرض هو التجميع والتحصيل النهائي الاخير لخبرة التعايش مع البيئة وتحديدا البيئة المهملة ومخلفاتها الفائضة عن الحاجة وقد بطلت قيمتها الاستعمالية واكتسبت قيما جديدة في مشغل الفنان ، ونعتقد ان طغيان البيئة الرثة ، حد الافراط ، قد تجاوز خطوط القناعات و اوصلها الى منطقة الابتذال ، حتى خيل للجمهور الواعي، انها محاولات حرفية وفطرية، ولا تختلف هذه الاعمال عن الحرف الفطرية التي يشتغل بها السجناء في زنزاناتهم الانفرادية المظلمة قتلا للزمن الطويل 0 ولهذا الاعتقاد حجته فالفنان انشغل بمادة واحدة – اولية – اساسية ، اغلفة الكارتون والمواد التي اشرناها ، وتسّيد التكرار وأحيطت الاعمال بالمكابرة النظرية ( عمق المضمون ، وما بعد الواقع ) فضلا عن تسمية المعرض ( حياة هشة ) ما عدا ذلك فاللوحات التي تميزت بالتعبير التشكيلي - الجمالي - كانت بفعل الاضافات اللونية المقتصدة والتغييرات في طبيعة المواد ان افتراضات الفنان وطروحاته لا تبتعد كثيرا عما يجري الان في صالات الفن الحديث منذ انفجار هذا الفن نحو التجريد مطلع القرن الماضي وما زالت التجارب العالمية تسير على خطى الرواد الأوائل التجريديون والدادائيون والمستقبليون وهي حركات ومذاهب وخطوات في التمرد على القيم والمقدسات الزائفة في الفن والثقافة و للدادائيين فضائلهم الجنونية وعبثهم في التمرد لا على الاساليب ومواد الرسم فحسب ، بل شمل تمردهم على اماكن العرض التقليديه فأقاموا معارضهم في المزابل والمرافق الصحية ولهم الريادة في ادخال مواد البيئة ومخلفات الصناعة والمجسمات وتغيير ابعاد اللوحة والاكتفاء بالفراغات احيانا وكانت محاولاتهم ترمي الى نسف القيم الزائفة والتقاليد التي لم تعد تنسجم مع روح العصر ، فالعالم تطحنه الحروب ويسوده الفقر وتشله البطالة والتمييز العنصري ، فيما تتبجح الاوساط البرجوازية بصالاتها الانيقة ومقتنياتها من التحف واللوحات الفنية وكانت هذه الحركات متفاعلة مع التيارات الثقافية في اوربا ، الادبية والشعرية وفي المسرح والموسيقى والسينما وللجانب الادبي اثره التاريخي في تزكيتها في مدونات النقد والتحليل وإصدار البيانات ، وبالتالي احتلالها صالات العرض الحديثة والمتاحف 0
ومن اشهر الاسماء ، في توظيف المواد المختلفة في الرسم ، ماكس جاكوب الذى استخدم الاشكال المجسمة كالحبال والسلاسل والماكيتات الملونة للبيوت والدمى واغصان الاشجار 0 وماكس ارنست في كولاجات مقتطعة من الصحف والكتب والإعلانات مع تحويرات تخطيطية اعادت انتاجها بأسلوب سريالي، اما بيكاسو فقد تماهى ، في تركيباته التكعيبية ، باستخدام كل ما يجده مناسبا ، او غير مناسب ، لتوظيفه او جعله عملا بذاته وبلا اضافات ، فأستخدم الاقنعة الافريقية ومخلفات العجلات ، وتماثيله الشهيرة ( الراقصات ) عبارة عن اطارات خشب فارغة منصوبة على الارض ، اما تمثاله ( راس ثور ) فهو مكون من سرج دراجة هوائية معلق للأسفل ويعلوه مقودها 0 وكثر استخدام ورق اللصق في اعمال المدرستين التجريدية والتكعيبية ( عرض هذا الورق لأول مرة في معرض باريس الشهير الذي افتتح يوم 1 – 1 – 1900 يوم بداية القرن العشرين ) 0
وما زالت اوربا والعالم اجمع في بحث تجريبي متواصل للاستفادة من الحياة اليومية والتكنولوجيا الالكترونية والبث الفضائي وتطور صناعة المواد والعجائن والأدوات الداخلة الى مشاغل الفنانين 0
الاهم في هذه التطورات تغيّر طبيعة العلاقة - الحبل السري - بين الفنان والمتلقي 00 ففي عصور ما قبل الحداثة كان هاجس الفنان ( اقناع المتلقي ) وكان مزاج المتلقي وهويته الطبقية حاضران في مشغل الفنان قبل العمل وبعده ، اما اليوم ( عصر الحداثة وما بعد الحداثة ) فقد تغيرت هذه العلاقة باتجاه ( استفزاز المتلقي )، ونغادر معرض هاشم تايه باستنتاج انه قدم ما لديه في هذا الاتجاه 0
فن ما بعد الحداثة تخطى مفاهيم الاقناع والشيئية والتملك ، مثلما تخطى الوظيفة التزيينية بعد اختراع الكاميرا 0 نحن ندخل قاعات العرض ومعنا توقعاتنا لمجموعة من النتائج – القيم المادية ، ونطالب الفنان الاخذ بنظر الاعتبار مزاجنا المؤدلج ، وإشراك هذا المزاج ليكون تداوليا في مشغله ، مع خاماته وضمن تخطيطاته الاولية 0 ان جمهور البصرة المثقف - ألتقليدي - لن يجد ما ينتظره في هذه القاعة ، إلاّ في حالة التأمل العقلي واعتبار موجة - ما بعد الحداثة –احتجاجا وأسلوبا متميزا في التظاهر وتحدى الواقع بالشكل الفطري والمضمون الخفي ومن خلال تعابير الحواس وشعريتها وأدائها الغامض 0
لكن الصرعات الاحتجاجية – التشكيلية – لا تعني بالضرورة نضوجا فكريا مطلقا ، شاعت في اوقات التصادمات الفكرية وحالات اليأس من الواقع كما اشرنا في حالة الواقع الاوربي قبل سطور 0 وغدت من التقاليد – الفنطازية – في تأريخ الفن الحديث ومن الذكريات الصاخبة في بلدان يتمتع فيها الفنان بالحد الادنى من الديمقراطية وحرية التعبير. الفن التشكيلي لغة إتصالية ، لغة المرئي والمحسوس والمدرك ، في التخاطب الروحي بين الناس ، وعلى إمتداد التأريخ الانساني تطور الفن بأتجاه التحرر من التعليمية الكهنوتية بكل تفسيراتها الآيديولوحية 0 رواد هذا المعرض لم يكونوا غافلين عن هذا الفهم ، ومع ثنائهم على التجربة وكل التجارب الجديدة في الفن التشكيلي العراقي ، ومن هذا الاعتبار يعبرون عن حقهم المشروع في إبداء الرأي والسؤال عن جدوى إقحامهم في هذا الكم الفائض من الرثاثة الفكرية والى أي مدى يسير هذا الاتجاه الذى استهلكت مفرداته وادواته البدائية 0 ان جمع هذه الحصيلة في معرض ( تخصصي ) وهناك من يرى في المعرض – كارثة بيئية - ، انما يوحي بنهاية معاناة الفنان ، للخروج من المتاهة المغلقة – متاهة الصرعات القديمة في الفن التشكيلي - التي اغرق المعرض بها 0
في تأريخ الفن العراقي المعاصر محاولات رائدة منذ خمسينيات القرن الماضي ، ازدهرت وتنوعت في الستينيات في سلسلة معارض شخصية وجماعية كمعرض المجددين والتجربة المتميزة في معرض كاظم حيدر في السبعينيات ، قدم فيها اعمالا مركبة بين الرسم والنحت وتجميع المواد المختلفة كالساعات التالفة والاسلاك والدمى وغير ذلك 0 وكانت معارض كاظم حيدر ومشاركاته تخوض في عمليات التجديد مستخدما موهبته في فن الديكور 0 وفي هذا المجال نشير الى اعمال محمد مهر الدين وما اسماها الواقعية البنائية وكانت محاولات تجريبية في استخدام مواد البناء لتاسيس أرضيات رسم ناتئة تتم تغطيتها بدرجات لون واحد او اكثر 0 وتماثيل صالح القرغولي من حديد والمنيوم وحبال من وبر الجمال 0 ومنذ سنوات يواصل الفنان يحيى الشيخ تجاربه في التخلي كليا عن الرسم بالاصباغ الصناعية واستبدالها بمادة الصوف 000 و حفلت معارض ( بينالي بغداد العالمي )في الثمانينات بالصراعات الحداثوية وبالأخص في استخدام المواد الطبيعية والمصنّعة واستذكر هنا عمل احد الفنانين اليابانيين المكون من انصاف قطع جوز الهند مقلوبة على شكل اثداء في سطور و كل قطعة تعلوها حلمة رضاعة ويمكن استقراء المشاعر والدلالات الضمنية في هذا العمل 0 ولفنان اخر مجموعة من القصب الآسيوي الضخم رصفت بانتظام على الارض وبارتفاع قدم واحد، وغير هذا وذاك عمل احد الفنانين السعوديين وهو مجموعة احجار وخرق وحصير قديم، ( استعنت بذاكرتي في هذه الاشارات ) وتفرد عمل وليد شيت في احد المعارض وهو اشكال بيضوية جبسية ( بيض بحجوم مختلفة ) معلقة بخيوط نايلون في الهواء أصبح من الجائز الآن ، في عصر ما بعد الحداثة ، مزج الهوايات والأهواء وتجميع المتناقضات مع اشتراط القدرات الحسية ونتاجات الفطرة والمصادفة، ومعظم التجارب الحقيقة كانت تطرح في أطار الظروف الموضوعية – التاريخية المحددة، أي تقال مرة واحدة لكي لا تستهلك ولا تبتذل





شاكر حمد
فنان تشكيلي وكاتب