تعليق على مقال : التكامل بين لاهوت التحرير والشيوعية

ليندا كبرييل
2012 / 11 / 1

تفضل الأستاذ وليد يوسف عطو المحترم بنشر مقال عن لاهوت التحرير هذا رابطه :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=330418
وجدت أن أبدي رأيي المتواضع في مقال ، عندما عجزتُ عن تضمين كل جوانب فكرتي في نافذة التعليقات .
أرجو التكرم بقبول رأيي وشكراً .
المعذرة أستاذ وليد إن وجدت نفسي أخالفك الرؤية في بعض ما تطرحه من أفكار، وقد رأيت أننا نقف على طرفيْ نقيض في هذا المقال بالذات .
لست ماركسية وليس لي أي اتجاه سياسي أو تجربة ، لكني أستطيع أن أجد في الماركسية ما يتوافق مع أهدافي في الحياة .
أظن أن الماركسية نظرية تتعلق بالنظام الاقتصادي والسياسي ، وهي منحازة للعمال وليس للفقراء .
وليست مهمة الماركسي أن يستنبط لنا حلولا دينية .
فهو بالأساس ينطلق من قاعدة علمية عقلانية تنظر إلى العقائد الدينية كتاريخ أي أنه حدث ماضٍ انقضى لا علاقة له بالحاضر أو المستقبل .
إن قولك في تبني لاهوت التحرير ، لا يعني برأيي دمج الماركسية بالعلوم الإنسانية ، فالدين ليس علماً . دعوتك من وجهة نظري تصبّ في مصلحة الحركات الأصولية التي تدّعي أن فقهها نظام متكامل للحياة ، ومحاولات الأتباع إعطاء المخزون الأخلاقي للأديان تفسيرات عقلانية وتغليفه في ثوب الاشتراكية تارة ، والعدالة الاجتماعية تارة أخرى ، وضد التمييز العنصري ثالثة ... وغير ذلك من الاستنباطات التي دأب عليها - وما يزال - القائمون على الدين ، كل هذا لا يخدم الهدف المرجو في النهاية وهو : وضع مجتمعنا على طريق الحداثة .
وصحيح أن الأديان كلها ( وضعية وسماوية ) ، فيها لغات العدل والمساواة والتحرر كانت تتفق مع قوانين ذلك الزمن لكنها ألفاظ لا تتفق مع واقع اليوم المعقّد ، ولا يمكن تبنّيها على أنها منطلق لمجتمع ينحو إلى السلام والثورة على الأوضاع الفاسدة .

دعوتك إلى لاهوت التحرير الذي تنادي به انتقائيّة ، لأنها تعتمد على تطعيم الماركسية ببعض جوانب الأديان . الدين لا تجزئة ولا انتقاء فيه ، فإما أن تأخذه كله أو تطرحه .
أما اختيار ما يناسب مفاهيم العصر واستبعاد ما يخالفه فهذا مما لن ترضى به أية جهة دينية .
الأديان بشكل عام عملت على التمييز وكانت ضد المساواة وانحازت للرجل .
المسلم أيضاً يحدثك عن المساواة والعدل مثلاً ، فما رأيك ؟ هل سندخل في جدال قلتم وقلنا ؟؟
تحدث السيد المسيح عن تحرير المرأة كما تقول ، ولكن .. جاء بعده من قال إن الرجل تاج المرأة وحرمها من دخول الهيكل لنجسها ، كما أن المسيحية تحولت إلى أيديولوجية على يد كهنة العصور الوسطى وارتكبوا جرائم باسمها من قتل وحرق ، وكفروا كوبرنيكوس وغاليلو واعتبروهما مخالفَيْن لتعاليم الكنيسة .
وها هو الإسلام يكرر نفس الأحداث اليوم .
تقول إن المسيح منع الطلاق إلا لعلة الزنى .
إن الطلاق لهذا السبب بالذات جنى على كثير من النساء اللواتي لا ذنب لهن في معظم الأحيان في أمر الزنى ، بل كان حجة للرجل ، وبعضهم أسلم ليقع الطلاق .
لماذا تزني المرأة إن طلقت زوجها وتزوجت بآخر كما قال متى الرسول ؟
ألا يمكن للمطلقة الزانية مثلاً أن ينصلح أمرها ؟ لماذا يضيّق الدين الحلول على البشر ؟
قد يكون الدين عاملاً للإنسان على تحمل مشاق الحياة ، لكنه يستحيل أن يكون الحل لأزماته الاقتصادية والاجتماعية التي تتعقد مع الزمن .

وكما أنك تستنبط من الدين ما يعين على حياة أفضل فإنه هناك من يجد في نفس هذا الدين ( وفي غيره أيضاً ) ما يعمل على تخلف الحياة ، وكل الأديان فيها الشيء ونقيضه .
والسيد المسيح برأيي كان مصلحاً ، ثار على نواميس عهده الدينية ، حتى لو وجدنا في محتوى ثورته الاجتماعية ما يلتقي مع بعض الأفكار الاشتراكية إلا أنه لا يمكننا أن نعزو ذلك إلى أنه كان اشتراكياً ، ولم يأتِنا بحلول لأوضاع المجتمع السياسية والاقتصادية .

ثم تقول إن الكنيسة لم تعمل ما يكفي لكي لا يبقى فقير أو جائع أو كادح لا سكن له .
أقول : ليس واجب الكنيسة استنباط حلول المشكلات الأرضية من السماء ، واجبها تعليم الإنسان طريق الصلاح السماوي لا دراسة مشاكله على الأرض ، كما ليس واجب الماركسيين أن يتحولوا إلى مفسرين للحلول السماوية ، أو الاستعانة بها ، ذلك أن من منطلقات النظرية الماركسية نقد الفكر الديني المغيِّب وليس ضمير المؤمن ووجدانه .
إلا أني وجدت تناقضاً في عبارتك التالية :

" تبقى العلمانية هي الحل الافضل لمجتمعاتنا بعد ربطها بالديمقراطية ، فلا معنى للعلمانية بدون الديمقراطية ، إنها تتحول الى استبداد . العلمانية تعني أن تقف الدولة موقفا محايداً من الاديان كافة " .

التناقض هو أنك ترى الحل في العلمانية وأنت تعلم تماماً أنها لا تتدخل في الأديان ، فكيف تطالب بالعلمانية وأنت تنادي بلاهوت التحرر الذي يستقي مبادئه من الدين ؟
إن كانت هناك مشكلة عظمى في مجتمعنا ، فهي تلازم مؤسستي السلطة الدينية والسياسية .
تستطيع أن تتلمّس بسهولة كيف أن القوى السياسية تقف في وجه كل خطوة حداثية ، ملتحفة بالدين ومتعاونة مع القوى الرجعية فيه لتبرير الاضطهاد والقتل والاستغلال .

ثم تتابع فتقول :

" فالمهم هو الوطن والمواطن وحقوق المواطنة ، بغض النظر عن الانسان ومذهبه وجنسه وعرقه وقوميته " .

الأديان يا أستاذ وليد لا تهتم بحقوق المواطنة ، وتهدف إلى تعزيز انتماء الفرد إلى مذهبه وطائفته وعرقه وقوميته ، وتدّعي الأديان أنها جاءت لتقوية صلات التآخي بين الناس ، لكنها في الواقع تفرّق بين البشر ، فكل مجموعة من الأتباع لها رب تصلي عليه ، وكل دين ، لا بل كل جناح وجماعة .. يستعلي على غيره ، ولو كان هدفه التآخي حقاً كما نتصور لما نشأت كل هذه الأديان ، فكل دين يعتبر نفسه على حق .

أرى أن الله ليس إله الفقراء كما ترى ولا الأغنياء أيضاً .
هو إله الطبقات الحاكمة وأتباعها الذين أصبحوا أغنياء باستغلال البشر منذ بدء تاريخ الدين ، جعلوا منه وسيلتهم لبلوغ السياسة وتركوا الفقراء مكْتفين بالدعاء إلى الله والطمع في خيراته في الأرض والسماء .
الأديان تقوّي الميول الزهدية والتقشفية ، وتقمع الحريات ، وتطلّع الإنسان للانفلات من قيود القيم التي تتغير من بيئة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر وتعيق النمو الطبيعي للمجتمعات ، وإن وجدتَ فيها جوانب ثورية ، فهي مقتصرة على أصحابها ولا يمكن استلهامها لظروف الحاضر .
وليس يعني نجاح لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية أنه تجربة يمكن أن تتكرر في مجتمعات أخرى ، فلكل مجتمع ظروفه وقوانينه ، وتفرده بالصفات ، كما لا تعرف أميركا اللاتينية مشكلة التناقض بين التراث والتجديد .
ثم .. منْ قال إن هذه التجربة لا تنطوي على سلبيات ؟
تفضلت بالقول أخيراً :
لا يصنع السلام الأغنياء ، بل يصنعه الفقراء والمهمشون

لا أظن هذا . إن الفقراء والمهمشين ساقطون في الغيبيات والجهل ، متفرغون للتناسل والسعي الحثيث وراء لقمة يومهم لإطعام الأفواه الجائعة ، والنشطاء منهم لا يملكون القوة الكافية لصنع السلام الذي لا يأتي إلا بالثورة على الأوضاع الفاسدة وتحقيق العلمانية التي تؤسس لمجتمع الحرية والمساواة ، أما الأغنياء فلا يهمهم إلا ذواتهم واستمرار مصالحهم وتكديس الأموال في حساباتهم البنكية .
الطبقة الوسطى الواعية المثقفة منْ بإمكانه تغيير الأوضاع منطلقة من إدراك حقيقي بواقعنا وعليها يتوقف العمل الثوري كما أظن .
أسألك أخيراً :
في أية دولة إفريقية تعاني من صراعات دينية أودت بحياة الآلاف ، ظهرت كنيسة مسيحية إسلامية يتقاسمها المسلمون والمسيحيون ؟؟
هل حقاً في خضم تلك الصراعات الدينية نجد الإنجيل إلى جانب القرآن ؟؟
وإن اقتنعنا أنهم يصلون صلاة عامة تهدف إلى وقف العنف ، فأين ومتى سيزاول المسلم طقوسه الخاصة ؟ وكذلك المسيحي ؟
وإذا افترضنا أن الشعب تجاوز جهله وأحقاده وعصبياته ، فهل ستتركه الأصوليات المتطرفة بمزاجه الغريب هذا ؟
ولماذا قلت : كنيسة مسيحية إسلامية ولم تقل مسجداً إسلامياً مسيحياً ؟؟
الوئام والسلام بين الشعوب لا يكون بهذه الطرق ، فسرعان ما ستنهار تحت ضربات العنف والتطرف .
لا يؤسس للسلام إلا التحول إلى مجتمع علماني يفصل بين الدين والسياسة فصلاً حاسماً ، مع سيطرة النظام المعرفي الذي يحكمه العقل ، وما لم نحتكم إلى القانون المدني فإن المرأة ستبقى حاملة عاهاتها التي خلقوها لها ، ومستأنسة بالنظرة الدونية التي تكرّس الفكر المناهض لحقوق المرأة .
إننا في حاجة إلى كشف الحجاب عما يلي :
بالكشف عن سواعدنا ، عن عيوننا ، عندئذ ينكشف الحجاب عن العقول لمواجهة مشاكلنا بواقعية ، فالخوف الذي يتملكنا من مواجهة التطورات الرهيبة يدفعنا إلى النكوص عن كل محاولة لتحرير الإنسان من الجهل ، ويعزز سقوطه في غيبيات الأديان .
مع احترامي وتقديري لرأيك الكريم المسالم وشكراً .