جنبلاط - الحريري

محمد علي مقلد
2012 / 10 / 28

جنبلاط – الحريري
العقل الآذاري لا يقبل النقد . إما أن تكون معي أو أنت خائن وعدو . 8 و14 آذار حدان فاصلان بين الوطنية والخيانة ، حتى صار للمصطلحات السياسية تأويلات ، فتحولت الوطنية إلى تعصب فاستبداد ، والخيانة إلى وجهة نظر. على ضوء ما شحنت به مصطلحات السياسة في لبنان، بات المواطن ملزما بالاختيار: إما أن تكون في هذه الضفة أو أنت على الضفة الأخرى ، يعني على واحد من خطين متوازيين لا يلتقيان .
لكن ، أن تكون خارج الاصطفافين لا يعني أن تكون ضد تضحيات المقاومة أو ضد سيادة الوطن واستقلاله . ولا يعني الموقف المستقل أن يساوي المرء بين القاتل والضحية .
وأن تكون مع المقاومة لا يعني أن تنصاع لاستراتيجية قيادتها، فتمضي وراءها إلى حيث يريد معسكر الممانعة ومشروع ولاية الفقيه .
وأن تكون مع السيادة وتتضامن مع ضحايا الاغتيالات ، وكلهم من الفريق السيادي ، لا يعني أن تطمئن إلى قيادة 14 آذار وتمتنع عن نقدها.
لم يكن جنبلاط أول من أقدم على نقد 14 آذار، بل هو الأول بين السياسيين. لكن فرس شجاعته كانت عرجاء ،لأن الانشقاق عن فريق الضحايا بدا بمثابة التخلي عنهم ، ولأن أسلوب التراجع لسحب فتيل الانفجار بدا ، في تلك اللحظة ، كأنه استسلام مجاني للقتلة. يومذاك ناصرناه بشجاعة وحذر.
بشجاعة ، لأن عدة المناصرة ، في تلك اللحظة ، ركيكة وغير فعالة ، ولا تستند إلى غير ثقة غامضة بشخصية الرجل وعناده وثباته.
وبحذر لأن للكر والفر، أي للهجوم والدفاع أو للتقدم والتراجع في السياسة أدوات وأساليب إن لم يحسن المرء استخدامها أوقعته في عكس ما يبتغيه. وهذا هو بالضبط ما أصاب جنبلاط في حينه ، لكنه ، خلافا لكل الآراء التي أدانت موقفه واتهمته بالاستدارة والتكويع والتبديل والتغيير والتلون ، جزمنا بأنه شخص لا يمكن أن يضيع البوصلة أبدا ، لكننا أخذنا عليه عدم مهارته في استخدام سلاح المناورة ، أو أنه استخدمه في السياسة كما لو أنه على جبهة قتال مسلح.
لم يعد من الشجاعة أبدا المحافظة على حكومة تشرع ، من حيث تدري أو لا تدري، للقتل أو لمن يغتال الأمن ورموزه ، بامتناعها عن المساعدة في كشف المجرمين وامتناعها عن تسليم الداتا وامتناعها عن تسليم المتهمين ؛ وليس من الحكمة المحافظة عليها بحجة الخوف من الفراغ ، لأن هذه الحكومة وقفت عاجزة أمام كل القرارات المتعلقة بإعادة بناء الوطن والدولة ، واكتفت بما يشبه تصريف الأعمال ، مثل أي حكومة مستقيلة ، فعلام الخوف إذن؟ ولتذهب ، في أسوأ الأحوال، إلى تصريف الأعمال.
كان ينبغي أن تستقيل الحكومة لأن المقصود باغتيال وسام الحسن هو اغتيال مشروع الدولة ، وهو أحد رموزه القوية ، غير أن المطالبة باستقالتها شعار رفعه فريق 14 آذار، وهو يشكو من ثغرتين كبيرتين ، الأولى تتمثل في كونه شعارا مرفوعا منذ ما قبل حادثة الاغتيال ، ويعبر عن سياسة التخوين التي اعتمدها الفريقان الآذاريان ، حين اتهمت الحكومات السابقة بأنها "غير شرعية وغير ميثاقية" ، والحالية بأنها تشكلت بقوة "القمصان السود" . في الحالتين لا يعترف أحد بأكثرية وأقلية رغم طوفان الكلام عن هذين المصطلحين في لغة الصراع السياسي الراهن. وبالتالي فإن تبديل الحكومة لن يمس العقل السياسي الذي يدير الصراع بين الفريقين ، إنه عقل التخوين ذاته.
أما الثغرة الثانية فهي تتمثل في أن عدم القدرة على إخراج الوطن من أزمته ليست ناجمة عن ضعف في هذه الحكومة ولا في سابقاتها ، بل عن عجز بنيوي تشكو منه القوى والأحزاب السياسية المهيمنة ، التي تتشكل منها الحكومات في لبنان، لأنها قوى وأحزاب تبحث عن سبيل للامساك بالسلطة والاحتفاظ بها ، لا عن سبيل لإعادة بناء الوطن والدولة.
ينبغي أن تسقط الحكومة ، لكن! ينبغي أن يفكر سياسيونا على موجة أخرى : موجة الدولة لا موجة السلطة.