من قتل وسام الحسن؟

محمد علي مقلد
2012 / 10 / 21

هذا سؤال يجيب عليه المحقق والمدعي العام في القانون اللبناني ويبت به القاضي . وليس من حق أحد من خارج القضاء أن يتدخل في هذا الشأن . غير أن من حقنا أن نقوم بتمرين نظري لا يستند إلى معطيات قانونية بل يحصر الإجابة بالمعطيات السياسية وحدها .
أول المتهمين المحتملين هو العدو الصهيوني الذي تمكن وسام الحسن من تفكيك شبكات التجسس التي زرعها داخل الأحزاب اللبنانية . لقد تمكن الحسن ، بإمكاناته المحدودة ، من أن يتغلب على جهاز مخابرات عالمي ، وأن يوجه له ضربة موجعة ، قد يفكر العدو بالرد عليها بطريقة موجعة هي الأخرى.
المتهم الثاني هو النظام السوري الذي تمكن الحسن أن يضبطه بالجرم المشهود ، لأول مرة في تاريخ العلاقات اللبنانية السورية الملتبس. مرة واحدة، في عملية اغتيال كمال جنبلاط، تمكن القضاء اللبناني من كشف الملابسات، لكنه أرغم على إقفال الملف ، وأقفلت من بعده كل ملفات الاغتيال من غير كشف ملابساتها ، بما في ذلك تلك التي بدأت بمحاولة اغتيال مروان حمادي ، ولم تنته بعد .
وسام الحسن هو الوحيد الذي ضبط النظام السوري بالجرم المشهود في قضية ميشال سماحة . والأخطر في ما حصل ، في نظر النظام السوري ، هو أن المتهم ليس أداة لبنانية مأجورة ، كما هي الحال مع شبكات التجسس الاسرائيلية ، موجهة من الخارج بالرسائل المشفرة والهواتف السرية ، بل هي رأس النظام بالذات ، بأجهزته اللصيقة ومستشاريه المقربين . لذلك ، من المحتمل ، منطقيا أن يسعى هذا النظام إلى الثأر لنفسه من تلك الفضيحة ، خصوصا أنه ، منذ دخول جيشه إلى لبنان ، عام 1976 ، يدعي القيام بدور نبيل ومساعد في حماية المسيحيين والفلسطينيين فيه ، وفي حمايته من العدوان الاسرائيلي وصون وحدته ، والحؤول دون تقسيمه وتحصينه ضد المجازر الطائفية ، الخ ، الخ . ما يعني أن من شأن هذه الفضيحة أن تثبت زيف كل ادعاءات النظام السابقة . لقد تمكن الحسن من فضح الخطاب السوري الرسمي الممتد على عشرات السنين ، وبدا كأنه يطلق رصاصة الرحمة عليه ، بالترافق مع رصاصة الرحمة التي تطلقها الثورة السورية على نظام الاستبداد الأسدي .
المتهم الثالث هو القوى السياسية اللبنانية التي شاركت في حملة التهجم على وسام الحسن ومؤسسته على مدى سنوات . من هذه القوى وزراء ونواب وزعماء وموظفون ومناصرون ضاقوا ذرعا بما أنجزه الحسن في مواجهة الشبكات الصهيونية المزروعة في صفوف فريقهم السياسي ، وكان أكثرها دويا إدانة فايز كرم الذي كان يحتمل أن يكون نائبا في المجلس النيابي . والأهم في ما كان ينجزه الحسن هو الضبط بالجرم المشهود ،أي ضبط المجرم متلبسا ( باللغة القانونية) ، بحيث لا يمكن للمتهم إنكار فعلته. الفضيحة الأكبر هي اضطرار جماعة المجرمين إلى الدفاع عن الجريمة حتى لا يتسع حقل الاتهام فيطال أحدا منهم !!!
المتهم الرابع هم الإعلاميون الذين شنوا حملات متتالية عليه خلال السنوات الماضية متهمينه ، باسم من أوكل أليهم ذلك ، بكل التهم الرخيصة ، من تحويل الجهاز الذي يرئسه إلى جهاز تابع لآل الحريري وللطائفة السنية إلى اتهامه باغتيال رفيق الحريري ، في سياق خال من أي منطق .
المتهم الخامس هو كل من لم يوافق من المسؤولين على تسليم داتا المعلومات إلى قوى الأمن الداخلي ، وكل من لم يوافق على تحويل القضية إلى المحكمة الدولية ، تحت حجج وذرائع لا يقبل بها أي عقل .
المتهم السادس هو أجهزة الدولة المخترقة بعناصر تعمل لحساب أحزاب ودول ، وما كان يمكن للقتلة أن ينالوا منه لولا دور محوري قامت به تلك العناصر من داخل المؤسسات التي يعمل فيها.
يترتب على هذه اللائحة الاتهامية أمران، الأول هو أن اللائحة لا تعدو كونها تمرينا نظريا في السياسة لا يحق لنا أن نتبناها وندافع عنها كحقائق نهائية ، وأن القضاء هو الجهة الوحيدة التي تملك الحق في بت مسألة الإدانة ، مع الأدلة والقرائن والإثباتات القانونية ، إن تمكنت من الحصول عليها. أما الثاني ، وهو حق لنا ، فهو مطالبة المعنيين ببناء الدولة والحفاظ على السيادة الوطنية بتنقية أجهزة الدولة من غير الموالين للدولة والقانون .