فخامة العقل وضخامة الأثر (م 1)

زكرياء لهلالي
2012 / 9 / 8


اهة الانطلاق , إن العقل هو الذي يجعلك سليما أو مريضا أو تعيسا أو سعيدا أو غنيا أو فقيرا.
لما كان العقل ملكة التمييز بدون منازع وأداته الفعالة في الانطلاق نحو الافضل وتحقيق الاسمى والهروب من الجهل
والكسل , سعى الانسان بدوره جاهدا الى البحث والتنقيب في الطبيعة والوجود وتوصل الى دلك الى الحق واليقين رغم اختلاف العرقيات والتوجهات الفكرية حقق بذلك داته وفك لغز الغرابة وحطم رقابة التخلف وانسل من ايسار العبودية الضالة وداعب بعقله ربطة العنق الخانقة وانفصل عنها بكل لطف وادب جاعلين من العقل اولى محطاته وأرقى منطلقاته أسمى مخططاته أحسن تجلياته في الحياة البشرية يتطور بعدها بالفكر والتفكر والتدبير والتدبر .
لا طائل من محاولة وضع تحديد معين للعقل، بوصفه ماهية مجردة أو خالدة، إذ ستنشأ عن ذلك تساؤلات جمّة تخص طبيعته وهويته، وكيفية بزوغه وتشكّله وما إلى ذلك من تساؤلات. ويجمع الباحثون على أن التاريخ لم يشهد لحظة معينة ولد فيها العقل، كما يصعب الإلمام بدلالاته كمفهوم، كونه استخدم في مجالات متعددة وبأشكال مختلفة، ووظف توظيفات شتى، وخضع لتبدلات وتغيرات كثيرة. إضافة إلى كونه مفهوماً متعدّد المعايير، يُنظر إليه حسب الفلسفة التي أنتجت مركبات وحمولات دلالاته. مع ذلك يمكن القول أن الميتافيزيقا شهدت ولادة مفهوم العقل ورعته كمنتج كليّ لتصوراتها، وحاولت أن تضفي عليه قداسة وهوية واحدية ثابتة ومتطابقة، ثم بتطور الفلسفة والعلوم تطورت مدلولاته على مرّ العصور المعرفية، إذ تحول العقل من حالة مبهمة في ملكة التفكير إلى "لوغوس" خطابي وجوهر كلي، ثم إلى لاهوت مقدس ومفهوم غائي، ثم إلى أداة وتقنية ومصلحة وتواصل، وما إلى ذلك مما أضفته عليه إرهاصات وإسقاطات الفكر الميتافيزيقي الشمولي.

وإن كانت الفلسفة متعددة، بمعنى أن الإنسانية عرفت فلسفات متنوعة، عبر تاريخها الطويل، فإنّ النمط الفلسفي الذي ساد مع الحداثة وصعودها، هو نمط ما يعرف بفلسفة العقل، إذ رُبط هذا العقل بالفلسفة اليونانية القديمة، ومُدت جسور تصل الأخيرة بالفلسفة الغربية، ثم بُني على مفهوم العقل دعوات ومرجعيات كثيرة، تصل في بعض الأحيان إلى حد تقديس العقل ومختلف إفرازاته، وتلفيق المعجزة التي فاضت به.

وقد حاولت الفلسفة في بعض اتجاهاتها الحديثة أرضنة مفهوم العقل، وكشفت عن تعدديته، ونسبيته، وعدم تطابقه، وفضحت تمركزيات الميتافيزيقيا عليه، حيث جرت مساءلة العقل عن نفسه وعن أصوله، ومحاكمته عبر إقحامه في التاريخ، بوصفه ظاهرة بشرية نسبية، ثم كشفت محايثاته وعلاقات القوة والسلطة التي جعلت منه مطلقاً كلياً ومرجعاً واحدياً يحتكم إليه.

العقل ملكة صلبة

يظهر التاريخ أن مختلف الجماعات الإنسانية عرفت تحولات كثيرة جداً في أنماط عيشها وحياة كل مجموعة بشرية منها، إذ تحددت منذ القدم في أقاليم معينة من الأرض، على أن يُفهم الإقليم ليس جغرافيا فقط، إنما وسطاً وبيئة ومحيطاً وفضاءات...إلخ، وقد رافق ذلك اختلاف وتنوع طرق التفكير البشري في شتى الأقاليم. ومع نشوء التجمعات والحضارات المدنية افترق السؤال الإنساني عن السؤال الطبيعي وانزاح نحو الميتافيزيقا، وفي غمرة التساؤل عن أشياء الكون نشأت الأسطورة والدين والسياسة، ليبرز العقل في البداية كفاعلية تفكير إنسانية طبيعية، لكن سرعان ما ألبسته الميتافيزيقا هوية مختلفة أخرجته فيها من عقاله، بعد فصلت فكر الإنسان عن جسده، وبنت عوالم من الثنائيات المتقابلة والمتفاضلة.

العقل والتخاطب الانساني

لقد حاول الفكر الإنساني خلال تطوره بناء نظام معين للكون، كي يرتب وفقه أشياء الكون ومكوناته، فمارست مختلف الجماعات الإنسانية أشكالاً من التفكير العقلي، بمن فيها، ما اصطلح عليه من موقع التمركز الميتافيزيقي،"الجماعات البدائية"، ولم ينشأ التفكير العقلاني في بقعة محددة من كوكب الأرض دون سواها، كما يدعي نمط التفكير الميتافيزيقي التمركزي، فأشكال التفكير لا ترتبط بالعرق أو بالجغرافيا، إنما بمجمل عوامل مختلفة ومتضافرة، وهي إن صدرت عن العقل، فقد تلونت بألوانه وتشكلت بمختلف أشكاله. ويرجع بعض الباحثين أسباب نشوء التفكير العقلي إلى نشوء المدينة وتنظيمها السياسي الذي اقتضى أنماطاً من التفكير العقلاني والانضباط الذهني وتقنيات ارتبطت بالتجربة والمعرفة في بعض الميادين، والتي تعبر عن نفسها بأشكال معينة من البرهنة والمحاجاة والإثبات والنقض، وتختلف هذه الأشكال من مجال معرفي إلى آخر. هذا الارتباط بين ظهور المدينة وبزوغ التفكير العقلاني كان نتيجة ظهور المؤسسات السياسية في المدينة، وظهر العقل فيها كخطاب كامن في اللغة، أي عقلاً بلاغياً، ولم يجسد هذا الخطاب سوى الانتقال من التعبير الشفهي إلى النص المكتوب، بمعنى أن الكتابة خلقت نوعاً جديداً من الخطاب. وكان ذلك انتقالاً جوهرياً، كون الكتابة عنت منطقاً خاصاً مختلفاً عن المنطق الشفهي الجمعي، وشكلاً جديداً من أشكال التواصل بين البشر، فظهر الحكماء والفلاسفة والمشرّعين في لحظة الانتقال تلك من الشكل السّردي إلى الشكل النصّي، التي تناغمت مع التغيرات التي حدثت في بنية التجمعات البشرية، لذلك ظهرت أشكال التفكير العقلي وفق شروط شكلية وتقنية وتبعاً للوسائل العلمية والمادية للمجتمعات البشرية، فقد ظهرت الشرائع والقوانين والفلسفة في مجتمعات السومريين والآشوريين واليونانيين والصينيين وسواهم، وارتبطت بتجمعاتهم المدينية، حيث ظهر فيها الحكماء والمشرّعون والفلاسفة من أمثال "حمورابي" و"كونفوشيوس" و"صولون" وغيرهم كثير ممن نعرف ولا نعرف أسماؤهم.

تاريخية العقل

إذاً، فإن ظهور العقل ومعه أشكال التفكير العقلاني، يُعدّ خلاصة المتغيرات التاريخية والمادية التي أصابت التجمعات البشرية، كما أصابت التفكير البشري. لكن بعض المفكرين والفلاسفة، أمثال هيغل وهيدغر وغيرهم، يربط تاريخ الفلسفة بتاريخ تطور مركبات وحمولات مفهوم العقل وحده، ويحصره في دائرة حضارية بعينها، تمتد من قدامى الإغريق إلى أوربا، مما يكشف عن تاريخانية هذا النمط من التفكير، كونه يجعل من التاريخ نوعاً من القدرية، مكتفياً بشرطه الخاص، بحيث يتم اختزال المفهوم إلى حلقة تطوره الخاص، كي يكشف عن تطور داخلي، عبر تجريده من شرطه التاريخي، ويجعله ينغلق على نفسه في حلقة، مفرغة بعيداً عن حركات الأرضنة والجغرافيا البشرية والظروف التاريخية والاجتماعية.

اللوغوسية والعقل

في الإقليم اليوناني القديم، رافق بناء دولة المدينة بروز أشكال معينة من التفكير السياسي والأخلاقي، وحاول بعض الحكماء تشريع النظام البشري في المدينة، وعنى ذلك فصل الطبيعة عن المجتمع، حيث انفصل النظام السياسي للمدينة عن النظام الكوني الطبيعي وأدى ذلك إلى نشوء نقاش وجدال حول التنظيم البشري، ساهم فيه الخطباء والحكماء، من خلال خطاباتهم، بأشكال مختلفة من الحجج والبراهين والاستدلال، التي تطلبت أنماطاً معينة من التفكير أطلق عليها الباحثون والمؤرخون اسم العقل. هذا العقل عبر عن نفسه في اللوغوس (Logos)، الذي ارتبط باللغة والخطاب والمناظرة والدليل وغيرها، وقد حمل هذا المفهوم حمولات كثيرة لاحقة، فتعددت دلالاته ومعانيه، فهو يحيل على الكلام والعلة والمبدأ العام والقانون الكلي والعقل الكلي والمعيار الأبدي وعقل العالم الصالح لكل مكان وزمان، وما يزيد وما يقل عن ذلك. تعكس هذه الحمولات التصورات الميتافيزيقية لمذاهب الفلسفة اللاحقة التي حاولت إسقاط هواجس تفكيرها الفلسفي على الفلسفة اليونانية. وينسحب هذا على مفهوم آخر هو النوس المبدأ الذي يحكم العالم، كما يذهب في ذلك هيغل، ويقول عنه أفلاطون: "هو المصرّف والعلة لكل شيءواستخدمه في المحاجاة ضد السفسطائيين، وأعطاه مفهوم الخطاب الصادق، وذلك بإرجاعه اللوغوص إلى المثل، واعتباره القوة السامية الكامنة في النفس الإنسانية. ويتوجب على هذا اللوغوص النظري أو الفلسفي تأسيس المدينة. وقد عنى هذا تدخلاً في الممارسة السياسية والمعرفية، كما وعنى بداية التدخل الميتافيزيقي، عبر سلطة الخطاب، في السياسة التي كانت تهتم بتنظيم المدينة/المجتمع وفق مبادئ ذات منشأ هندسي، ثم حسب المثل التي وضعها أفلاطون في جمهوريته أو في نواميسه.

وترتكز نظرة أرسطو إلى العقل على اعتباره ملكة منفعلة بالقوة، وحين تتلقى هذه الملكة المعقول تصبح عقلاً بالفعل، على أن نفهم المعقول بوصفه معنى، أو على الأكثر صورة بدون مادة. هذا العقل الأرسطي هو عقل مفارق لا يأبه بشيء، بوصفه خالداً وأزلياً. عقل كليّ، هو الأساس والمبدأ والقوة التي نفكر بها كبشر ونستدل ونفهم.

إذاً، تعطي الفلسفة الإغريقية في مجملها صفات للعقل تضعه في مصاف المبدأ الأول والمحرك الأول والسبب الأول والأزلي والمطلق الصرف الكلي القدرة، وهو الواحد والكل... إلخ، وهي توصيفات ميتافيزيقية تدل على تمركزية تعتمد على الإحالة والبحث عن المرجع لكل شيء، والإقرار الذي لا يكل في البحث عن مبدأ الأشياء والظواهر، التي خضعت لتقسيم تقابلي في قطبي ثنائية: متغيرة/ ثابتة، بناء على الفصل الثنائي الميتافيزيقي للعالم بما هو موجود إلى عالمين متقابلين: العالم المحسوس/ العالم المجرد، وهذا التقسيم التقابلي مبني على تقسيم أولي في ثنائية: الجسد/ الروح. وفي كل هذه التقسيمات تميل الميتافيزيقا إلى إضفاء حمولات متناقضة لقطبي الثنائية، حيث تعطي الأسبقية والأفضلية لأحدهما دون الآخر، ففي ثنائية الجسد/ الروح، تصور الجسد على أنه سجن للروح ودنس وحقير وخطيئة وما يزيد أو يقل عن ذلك من أوصاف، بينما تصور الروح على أنها طليقة وصافية وطاهرة وما إلى ذلك من صفات.

الاسلام والعقل



تعددت معاني مفهوم العقل وحمولاته في الفلسفة العربية الإسلامية، واختلطت عبر الترجمة وعمليات التفاعل المختلفة بمعانيه ودلالاته في الفلسفة القديمة: الفارسية والهندية والصينية واليونانية وغيرها، فتجاوزت معانيه الألفاظ اللغوية. فالعقل كلفظ لغوي مشتق من الفعل "عقل" الذي يعني الضبط والمنع والكف وسواها. لكن العقل كمفهوم تجاوز كثيراً مدلولاته اللغوية، وفي هذا لا تختلف معاني العقل في اللغة العربية كثيراً عن معانيه في اللغات والألسن البشرية الأخرى.

ودخل العقل معركة ضد النزعات الإيمانية، في إطار ما عرف بالعلاقة بين العقل والنقل(أو بين العقل والسمع أو بين العقل والشرع)، فاتخذ موقع المدافع عن نفسه في أكثر المواضع، لأنه اصطدم بأفكار المذاهب الدينية والسياسية السائدة ومدارسها، التي حاولت الهيمنة على مختلف سبل المعرفة وإخضاعها لسيطرتها. فقد دافع المتكلمون عن حق العقل في النظر في كافة المسائل، الدينية منها والدنيوية، وقالوا بتقديم العقل على النقل، ونظروا للمبدأ الكلامي الشهير: "تقديم العقلي على النقلي"، ثم توسّع مفهوم النظر العقلي ليشمل الاهتمام بالطبيعيات ودقائقها والإلهيات وجليلها والرياضيات والمنطقيات وغيرها. فيما امتدح المعتزلة العقل وجعلوا منه وكيل الله على الأرض، إذ أضافوا إلى الأدلة الثلاثة دليلاً رابعاً هو حجة العقل، فأضحت الأدلة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع؛ ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل. وكذلك فإن الأشاعرة مضوا في دروب المعتزلة، ودخلت محاجاتهم في إطار المعركة التي كانت قائمة بين الإيمان والعقل أو بين النقل والعقل. وتطورت مسألة العقلانية لدى بعض الأشاعرة والمتكلمين إلى حدّ إنكار الإيمان القائم على التقليد، ورأوا أن صحة الإيمان تقوم على النظر والاستدلال العقلي، وأضفوا على العقل صفات وحمولات كلّية، لذلك دعوا إلى إقامة الدين على العقل، وجعلوه معياراً أعلى لليقين، بل وجعلوا منه مرجعاً أول، بواسطته يمكن التمييز بين الخير والشر. ومع تطور الفلسفة العربية الإسلامية تطور مفهوم العقل، واكتسب دلالات ومركبات متعددة لدى الكندي والفارابي والرازي وابن سينا وابن رشد والغزالي وسواهم.

فيصل العقل النضري والعلمي

في جميع الحالات السابقة، لم يخرج مفهوم العقل عن التصورات الميتافيزيقية، بوصفه جوهراً بذاته، غير محسوس، ومتصل بعقول مفارقة عليا. أما بخصوص التصور الفلسفي العربي الإسلامي المتأثر بالتصور الفلسفي الإغريقي، فقد انعكست تلك التصورات في أفكار الفلاسفة عن المفهوم ودلالاته، ولم يخرج مفهوم العقل في الفلسفة العربية الإسلامية عن مجال توظيفاته واستثماراته في ضوء العلوم الدينية والوضعية، فقد ميّز الكندي بين أربعة أنواع من العقل: العقل الفعّال وهو العقل الذي يكون في فعل دائم، والعقل بالقوة أي كإمكان، وهو للنفس، والعقل بالملكة، وهو الذي خرج في النفس من القوة إلى الفعل، والعقل البائن، أي الظاهر. "وكان هذا التقسيم، الذي سبقه تقسيم الاسكندر الأفروديسي للعقول إلى "هيولي" و"مستفاد" و"فعّال"، الأول في سلسلة من التصنيفات المماثلة لدى الأجيال اللاحقة من "الفلاسفة العرب". وذهب الرازي إلى اعتبار العقل كاف لوحده في معرفة الخير والشر، والحق والباطل وما إلى ذلك من التقابلات، ولا حاجة للعقل في ذلك إلى أي مرجع أعلى منه، وعوّل على المنهج التجريبي في البحث، وعلى قدرات العقل البشري وترقيه المطرد. وأخذ أخوان الصفا بالتأويل العقلي، بعد أن اعتبروا العقل زعيماً لجماعتهم، وجعلوه الحكم الفصل بينهم. أما الفلاسفة المشائين، خصوصاً الفارابي وأبن سينا، فقد ربطوا بين العقل النظري(الفلسفة) والعقل العملي(الدين)، وكانت محاولة الفارابي في الربط بينهما من خلال فكرة المطابقة، تعتبر محاولة لبناء تعقلية تعمل على إيجاد أرضية فعلية وتقنية للعقل عبر الممارسة العملية، مما يعني انفتاح العقل على الوجود والحياة، وهذه قضية شغلت مكانة محورية في إطار مسألة الارتباط بين العقل العملي والعقل النظري.
الحذاثة والعقل



عنت الحذاثة تحولاً كبيراً في حياة الجماعات الإنسانية ونظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتجلت بتحولات فكرية وفلسفية كبرى، تغايرت معها المفاهيم الفلسفية والمقولات، كما تغايرت الميتافيزيقا وحدودها وافتتح كوجيتو ديكارت القول الفلسفي للحذاثة، حيث جعل الذات مركزاً ومرجعاً، بوصفها عقلاً وإرادة، ثم جسد هيغل هذا القول في مبدأ الذاتية. وقد حول هذا المبدأ العقل إلى مطلق كلي، ونشأت العقلانية الحديثة بوصفها مذهباً يخضع كل شيء لقدرة العقل في بحثها المتواصل عن الأسباب والعلل، وأحكمت العقلانية قبضتها على العالم، لأن كل شيء فيه أصبح خاضعاً محكوماً بالعقل، يفحصه ويفهمه ويعطيه الصلاحية أو المعقولية. هذا الفهم الميتافيزيقي الكلياني الحديث جعل من الواقع الطبيعي والتاريخي معقولاً، أي قابلاً للتفسير والتأويل بالذات وللذات، لتحول هذه العقلانية الميتافيزيقية إلى عقلانية أداتية من خلال حسابيتها الصارمة المسيطرة على المجالات العلمية والتقنية والإدارة، وهكذا سادت إرادة القوة والهيمنة عبر النزعة الكليانية على الطبيعة وعلى الإنسان، وبالتالي لم تعني الحذاثة غير تغليب إرادة الهيمنة عبر إرادة التحرر.

العقلانية الديكارتية

يظهر تاريخ مفهوم العقل تغايراً في مركباته ومعانيه ودلالاته وتوظيفاته، وذلك بتغاير المجالات والحقول المعرفية والتاريخية. وتناولت الفلسفة الحديثة هذا المفهوم بشكل موسع، وإلى حد جعل بعض الفلاسفة يربطون بين تاريخ مفهوم العقل وتاريخ الفلسفة، وقد أسس ديكارت اتجاهاً فلسفياً ميتافيزيقياً، امتد إلى كانط وصولاً إلى هيغل، واتخذ هذا الاتجاه العقل مذهباً وموجهاً له. حاول ديكارت تقديم تصور للعقل بعيداً عن رواسبه الموروثة، وعنى العقل بالنسبة إليه قوة تمييز بين الحقيقة والزيف، بوصفه الوحيد المؤهل لإدراك الحقيقة، بواسطة الاستدلال الذي يقوده إلى التيقن من حقيقة الأشياء، واعتماداً على مبادئ ميتافيزيقية أساسية تضفي اليقين على مجمل ما يتوصل إليه العلم، سواء بشقه النظري أو التجريبي، وعليه بنى منهجه على المنطق الرياضي، كونه قادر على تقديم الاستدلالات الصحيحة الوحيدة الموصلة إلى الحقيقة. وكان سعي ديكارت في ذلك هو تقديم فلسفة تتفق مع أصول الدين المقدسة، وقادرة على الوصول "إلى البرهنة على الحقائق الميتافيزيقية ببراهين أكثر بداهة من براهين الهندسة، لذلك اعتبر الذات جوهراً مفكراً في الكوجيتو كنقطة انطلاق للميتافيزيقا الباحثة عن الحقيقة التي تعني حقيقة وجود الله. والاستدلال عند ديكارت هو وظيفة العقل المحضة التي يهتدي بها إلى علة كل الأشياء، والعقل "أحسن الأشياء توزعاً بين الناس بالتساوي" وهذا ما يقودهم إلى الاستدلال جميعاً إلى العلة الكلية، فضلاً عن كونه قوة الحكم السليم، وما الاختلاف في آراء الناس إلا اختلاف في المناهج والطرق المتبعة من لدن أفراد متساويين في ملكة العقل، لذلك فكّر ديكارت بمنهج جديد، يتجاوز المنهج الأرسطي والأفلاطوني، ويتجاوز نواقص المنطق الرياضي، ويقوم على الشك المنهجي الذي يوصل إلى اليقين. هذا اليقين الموصل إلى الحقيقة يتطلب من الإنسان العودة إلى عقله المثبتة فيه الحقائق التي بثتها الله وقررها وخلقها، وعند عودته سيمكّنه عقله من معرفة الأشياء المختلفة بطرق مختلفة، بل ومعرفة جميع الأشياء، لأن عقله مستودع للحقائق الأزلية التي خلقه الله فيه، والتي لا تتبع بذلك وجود الأشياء ولا وجود العقل البشري المحدود الفهم، لكن قوانين الطبيعة مطابقة بالضرورة لقوانين العقل، كما أن العقل مطابق لذاته، والضامن له وللمطابقة هو الله. هكذا بنى ديكارت معمارية ميتافيزيقية للعقل تقوم على المطابقة وعكس الحقيقة، وتضفي على العقل توازيات وعلاقات وأوهام لا وجود لها، فضلاً عن تجريده الفكر من الوجود واعتباره مكتفياً بنفسه وغير خاضع لشيء سوى إرادة الله.

كانط والعقل الخالص

بدأ كانط مشروعه النقدي من دعوة العقل إلى معرفة نفسه، كي يصبح واعياً بغاياته وحدوده ومصالحه ومبادئه، واعتبر أن الغايات العظمى للعقل البشري تشكل منظومة الثقافة، إذ تكمن أصالة العقل في تحقيق تلك الغايات التي ليست هي غايات للعقل فقط، بل إن العقل لا يطرح غير نفسه عندما يطرحها، فالعقل ملكة تنسيق وسائل غير مباشرة، غاياتها هي غايات الطبيعة، كونه ليس مجرد قدرة على تشريع قوانينه، بل هو نفسه هيئة تشريع للطبيعة، بمعنى أن لا وجود للطبيعة من دون العقل. لكن هذه الملكة تجد في ذاتها قانون ممارستها التي تخصها لوحدها، فيغدو العقل هو تلك الملكة التي توحد مركبات وقواعد ملكة الفهم بواسطة المبادئ. أما بصدد الغايات فإن العقل يتخذ من نفسه غاية، لأن هناك دوماً اهتمامات ومصالح للعقل، لا يكون فيها سوى العقل حكماً، وغايات العقل ومصالحه لا تخضع للتجريبية ولا للعقلانية اللاهوتية. إذاً يوجه كانط نقده لمفهوم العقل في كل من الفلسفة التجريبية والفلسفة العقلانية، اللتين جعلتا من العقل محدوداً بتصورات خارج إرادته، سواء كان محسوسة أو عقلانية خالصة، لذلك يقيم كانط محكمة للعقل، يكون فيها العقل حاكم في شأن العقل، وعليه فإن مهمة نقد العقل محصورة بالعقل نفسه، كي يعرف نفسه ويعقلها بعيداً عن العقل اللاهوتي المتعالي أو التجريبي، كونه مصدر كل معرفة وكل معنى وكل فعل وممارسة إنسانية، فهو الباحث والعارف وباني العلوم والمفكر في الميتافيزيقا.

ولكي يكمل كانط مشروعه النقدي للعقل، خصص له مؤلفات عديدة، منها: نقد العقل الخالص 1781م" و"نقد العقل العملي 1788م" و"نقد ملكة الحكم 1790م"، وجعل نقد العقل النظري أو الخالص يبدأ بالسؤال: هل هناك ملكة عليا؟ ونقد العقل العملي: هل هناك ملكة رغبة عليا؟ ونقد الحكم: هل هناك شكل أعلى للذة والألم؟. هذا يفترض وجود مصلحة تفكرية للعقل، تنهض بشكل طبيعي على الظواهر، وتتحدد بما يهتم به العقل من موضوعات تخضع بالضرورة لملكة المعرفة العليا. وبالاستناد إلى التصورات القبلية التي تنشأ حين يكف التصور عن أن يكون تصوراً لموضوع، ويصبح تصوراً خالصاً، تظهر مصلحة عملية للعقل تتناسب مع ملكة الرغبة العليا، وبذلك يملك العقل مصلحة تفكرية، ومصلحة عملية، ثم مصلحة ميتافيزيقية تنشأ عند تجاوز حدود المعرفة الطبيعية المشروعة وحدود ملكة الفهم، وهذا ينبع من الرغبة الإنسانية في معرفة موضوعات ليست من صنف الظواهر. لكن العقل لا يعتني بمصالحه، بل يتركها للإدراك والمخيلة، ويصل العقل إلى معرفة ما بواسطة أفعال الإدراك المتفقة مع غايات العقل. وهكذا تختلف مجالات العقل وتتعدد مصالحه ولا تتناقض، كون العقل يمثل وحدة في ملكة المبادئ، أي ملكة القضايا الأصيلة، إنه الملكة التي تؤصل أو تؤسس، لذلك يطرح النقد الكانطي للعقل سؤالاً حول شروط الإمكان القبلي الخاصة بالطبيعة والإرادة ثم الحرية).

أفضى المفهوم الكانطي للعقل إلى نوع من حالة وسط بين العقلانية والتجريبية، ونتج عنه توسطات وتقابلات بين الملكات الثلاث الفعالة: المخيلة والإدراك والعقل، وتقابلات بين مصالح العقل واهتماماته، سواء فيما يتعلق بالقوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية، أو تلك التي تحكم القوانين الأخلاقية التي تخص الفعل الإنساني وتحكمه. لكن نقد العقل الخالص أدى إلى نقد أوهام العقل التفكرية كما يقول دولوز تلك التي أفضت إلى المشكلات الزائفة التي يجرنا إليها بخصوص النفس والعلم والله، مع أن هذه الأوهام ناجمة من طبيعة العقل الخالص بشقيه النظري والعملي. لكن استقلالية وتمايز العقل النظري عن العقل العملي يهددان وحدة العقل رغم محاولة كانط الربط بينهما بواسطة الحكم الغائي والجمالي، ومع ذلك لم يتجاوز مفهوم كانط للعقل التناقضات بين الغايات والمصالح وأشكالها الطبيعية وسواها، إنما نجم عنه ثنائيات ميتافيزيقية بين العقل النظري والعقل العملي، وبين الغاية الخارجية والغاية الداخلية، وبين القبلي والبعدي، والضرورة والحرية والمحسوس وما فوق المحسوس والملكة الفعالة وغير الفعالة...إلخ.
- الغائية العقلية عند الهيغلية

مع هيغل يكتمل القول الفلسفي للحذاثة، بتصوره العقل معرفة للذات وقد تصالحت مع روح مطلقة، وتكتمل الميتافيزيقا بمجمل إرهاصاتها ومقولاتها وأوهامها، بعد أن بلغت أوج تصدرها للفلسفة العقل، والتي وسمت تاريخها بمختلف السمات العقلانية والمثالية والمادية؛ ويصير العقل واقعاً، مكملاً المثال الأفلاطوني، وبانياً عليه ميتافيزيقاه، بوصفه فكرة في حالة صيرورة، وسوف تسقط الصيرورة في التاريخ الغائي للعقل، لأن التاريخ حسب هيغل ليس غير تحقق للعقل وتموضعاً له، وتعطى الأولوية الميتافيزيقية المطلقة للعقل أو الروح، وسوف يكشف المفهوم عن تاريخانيته الهيغلية الغائية باختصارها مفهوم العقل وحصره في الدائرة الأوربية، بل الدائرة الجرمانية(تاريخها)، مما أفقر المفهوم وجعل منه يدور في حركة باطنية تكشف عن تمركز عقلي وعرقي وأثني، ووصم الحذاثة بالذاتية، وأخضع مجمل إنجازاتها لتاريخانية غائية تمركزية، قامت عن نقي الآخر، أيّ آخر: آخر العقل، أو الآخر المغاير للذات الجرمانية تحديداً ثم الأوربية عموماً، أو بتحديد أكثر ذات الغرب الذي تربع على عرش الحضارة، وبنى عليها حكاياه التي تحولت فيما بعد إلى سرديات كبرى وصغرى، اطمأنت إليها الذات وغاصت في أوهام تخيلات ميتافيزيقاها، ولم تجد تحققها إلا عبر إرادات القوة والهمينة والمصادرة ونفي الآخر ولوي عنق تاريخ الآخر.

"إن كل ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي، وفق هذه المعيارية الاطلاقية يتوقعن العقل، أو قل يتحقق بالفعل في الطبيعة والتاريخ والوعي، وهو بذلك يبسط سيطرته على العالم وما فيه من أشياء، وتشكل هذه المقولة نقطة الانطلاق في الفهم الهيغلي للعقل. ويفضي هذا الفهم إلى سلسلة من التمثلات، يغدو وفقها تاريخ العالم عبارة عن تمثل لمسار العقل، لأن المفهوم الذي ينهض عليه ليس سوى أن العقل هو جوهر، قوة لا متناهية، يكمن مضمونه وراء كل من الحياة والطبيعة والروح، وكل وجود حقيقي يستمد وجوده وكينونته من العقل، بوصفه جوهراً كونياً، يمنح البقاء والاستمرار لكل ما هو واقع حقيقي في العالم، وهو المعبر عن ماهية الأشياء وكامل حقيقتها، ويمنحها القوة المطلقة، بل ويمنحها الحياة.

استند هيغل إلى مقولة نسبها إلى انكساغوراس(كما ينسبها كثير من الفلاسفة والباحثين كذلك)، تفيد بأن العقل(النوس) "هو الذي يحكم العالم"(19)، وليست الطبيعة سوى تجسيد له وتخضع لقوانينه الكلية. وربط العقل بالجدل، معتبراً إياه تعبيراً عن طبيعة العقل أو ماهيته أو هو حوار العقل مع نفسه، ولكي يحقق العقل ذاته كمطلق، أعطاه صفة الأزلي، كونه متحققاً في الفكر البشري والتاريخ والطبيعة، ثم خط له طريقاً من ثلاثة مراحل: الأولى يمكن تسميتها الوعي المباشر، وتعبر عن الحس المباشر، حيث يكون فيها الموضوع مستقلاً عن الذات، ولا ينتج الوعي سوى حضور الموضوع مثل المعرفة الحسية، ثم المرحلة الثانية هي الوعي الذاتي، وفيها تحضر حقيقة الموضوع، وتفضي وعياً خالصاً، عندما تتأمل الذات موضوعها، لكنها تتأمل ذاتها، وهنا تكمن المطابقة بين الذات والموضوع، إثنان في واحد، وأما المرحلة الثالثة فهي الوعي المطلق، إذ يتحد الوعي الذاتي بالوعي المباشر عبر العقل، فيمثل العقل حالة الوعي المطلق، والذي يركب المرحلتين الأولى والثانية، حيث يبقى الموضوع مندمجاً مع الذات ومتميّز عنها كذلك، مشكلاً ذات نفسه، وعليه يتجلى العقل في صورة عليا أو بالأحرى متعالية لحركة الروح وحركة الوعي، وهذا يجمل كيفية تكون العقل المندغم مع الذات من خلال الحركة الواعية، وبوصفه هوية الاختلاف.).