الصدر والصدريون

محمد علي مقلد
2012 / 9 / 2

حظي موسى الصدر ، على الأقل بعد غيابه ، على شبه إجماع لبناني على مزاياه وفضائله الوطنية، ولم يقصر لا محبوه والمعجبون به ، ولا معارضوه ولا حاسدوه ، في ترداد تلك المزايا والفضائل ، بمناسبة وبغير مناسبة ، ولا سيما بعد أن فقد لبنان ، بسبب الحرب الأهلية أو خلالها عددا من الشخصيات المرموقة ، كان هو واحدا منها ، إلى جانب فؤاد شهاب وكمال جنبلاط وغسان تويني وسواهم كثيرون من جيل الرواد الأوائل .
أكثر من ثلاثة عقود مرت والذكرى هي هي ، استحضار الرجل لشد العصب الشيعي في لبنان ضد القذافي وحلفائه ، وكان اللافت في الأمر أن التمييز كان فاضحا بين حليف وآخر، لكن الثابت هو أن النظام السوري هو من يضع المعيار، بالرغم من الوشوشات والهمسات التي تساءلت عن دور أنظمة عربية ، وربما غير عربية أيضا ، في تغييب شخصيات لبنانية من طراز كمال جنبلاط وموسى الصدر.
شبه الإجماع اللبناني بدأ بانقسام شيعي حول أهمية دوره الوطني ، خصوصا أنه لم يكن على علاقات ود مع النظام الإيراني في ذلك الوقت ، ثم ما لبث هذا الانقسام أن تراجع رويدا رويدا ، وخصوصا بعد تحرير التراب اللبناني من الاحتلال الصهيوني وبالأخص بعد انهيار نظام معمر القذافي. لكن الثابت على مر كل تلك السنوات هو حاجة الورثة السياسيين إلى اعتباره مغيبا ، أي إلى عدم موافقتهم على فرضية اغتياله أو تصفيته ، وهي حاجة متعددة الأغراض ، من بينها إبقاء مركزه شاغرا في رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ، وتوسيع دائرة المناورة في الصراع على وراثته في قيادة المؤسسة الدينية، فكان من الطبيعي أن يندرج الاحتفال السنوي في آخر آب في إطار استعراض القوة الشيعية في مواجهة خصوم مفترضين ومحتملين يحددهم النظام السوري، يتمثلون على الدوام بياسر عرفات وأنصاره ، ولا يحول ذلك دون أن تصيب الخصومة بشظاياها آخرين ، حين يتطلب التكتيك السوري ذلك.
لأول مرة تقيم الشيعية السياسية احتفالها السنوي هذا العام ونظام القذافي صار أثرا بعد عين. إذ فتح النظام الليبي الجديد المقابر والسجون والأجواء والمحاكم والأرشيف الدبلوماسي، أمام أي راغب في البحث عن مصير الإمام موسى الصدر ، غير أن الشيعية السياسية ما زالت ماضية في فرضية الغياب، وأهملت فحوصات الدي إن إي والتحقيقات ومناهج البحث العلمي ، وفضلت أن ترسل وزير خارجيتها ليفاوض في موريتانيا( ما هو الرابط ؟) حول مصير الإمام . فهل يتحكم بالعقل الشيعي ذاك الإصرار التاريخي على وجود الشخصية المغيبة ، من المهدي حتى موسى الصدر ، والإصرار، بالتالي ، على جعل المناسبات فرصة للندب وشتم الخصوم فحسب؟
احتفال هذا العام يشبه احتفال أنصار بشير الجميل بمناسبتهم البارحة . الصدريون والبشيريون واحد حيال التاريخ. التاريخ في نظرهم لا يموت ، وسبحان من يبعثه حيا. مع هذه العقول المتشابهة تتكرر الأخطاء ذاتها : استخدام المناسبات التاريخية لأغراض راهنة وإفراغها من مضامينها الإيجابية والتركيز على وظيفتها التجييشية ، وتوجيهها ، عن قصد أو عن غير قصد ، في عكس ما يرمي إليه ظاهر الخطاب المعلن. هذا ما وقع فيه خطاب الرئيس بري.
لم يجد بري مخرجا غير مشروع الدولة ، لكنه قدم تصورا للدولة ، وهو رجل القانون، يتنافى مع أبسط المبادئ في علم القانون . إذ التبس عليه أمر المصطلحات فخلط بين الدولة والسلطة والحكومة والنظام ، وأجرى تعديلا جذريا على الأقانيم الثلاثة التي تقوم عليها الدولة الحديثة : أرض وشعب وسيادة ( سيادة القانون) مستحضرا الثالوث البدعة ( شعب وجيش ومقاومة ) ، وتحدث تارة باسم حركة المحرومين ، وباسم الشيعة والجنوب والبقاع، من غير أن ينتبه إلى موقعه فوق الطوائف والأحزاب، رئيسا للمجلس النيابي، أي رئيسا لنواب الأمة، وتارة باسم الحكومة مبشرا بمشاريع ، وواعدا بأخرى ، من غير أن ينتبه إلى أن الفصل بين السلطات في النظام اللبناني يميز تمييزا واضحا بين السلطة التنفيذية ممثلة بالحكومة والسلطة التشريعية التي يرئسها.
الخطأ الأكبر تمثل في غياب أمر هام عن الخطاب : ولا كلمة واحدة عن مصير الإمام ، بعد أن سقط القذافي ، إذ لم يعد أحد من اللبنانيين يصدق أن الإمام ما زال حيا، لاستحالة ذلك في ظل نظام استبدادي نادر في التاريخ ، أو على الأقل لأن عمر الإمام الافتراضي شارف على نهايته ، وصار على الصدريين أن يواجهوا الحقائق ، ولو كانت مرة ، ومنها أن ظروف الاستبداد التي استغبت اللبنانيين طويلا وفرضت عليهم التقية والصمت تتجه نحو الأفول.