بشير الجميل والبشيريون

محمد علي مقلد
2012 / 8 / 27

بشير الجميل والبشيريون

قد يكون استحضار بشير الجميل ، بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية أو بغير مناسبة ، ضرورة استنهاضية لمحبيه ، لكن استحضاره ، كما سواه من الرموز السياسية والشهداء، تعزيزا لموقع فريقه في صراع راهن على السلطة ، قد يكون مفيدا وقد يكون مسيئا له وللقضية التي مثلها وللوطن .
لم تكن صورة بشير الجميل واحدة في جميع الحالات والظروف والأوقات . هو في بداية الحرب الأهلية غيره رئيسا للجمهورية ، وهو في مجزرة الصفرا وإهدن ضد حلفائه وأهل بيته غيره في معارك خاضها ضد الفلسطينيين والجيش السوري . كان في لحظة من حياته السياسية رمزا للعنف والمجازرالطائفية والقتل على الهوية ، وفي لحظة أخرى رمزا للوطنية اللبنانية التي جعلت محبيه يفيضون عن الصف المسيحي إلى سائر أرجاء الوطن .
حصل ذلك في لحظة عابرة من عمر الأزمة اللبنانية ، حين استفحل أمر التجاوزات الفلسطينية وباتت تشكل اعتداء على سيادة الدولة، وحين أمعن النظام السوري في استخدام اللبنانيين وقودا لحربه على منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات. يومذاك بدا بشير الجميل كأنه المدافع الوحيد عن السيادة الوطنية ضد التجاوزات الفلسطينية والانتهاكات السورية، فارتفعت أصوات كثيرة، من خارج الصف المسيحي ، مؤيدة لمواقفه ، ولم تجد متنفسا لها إلا في لحظة الاجتياح الاسرائيلي ، حيث رش جنوبيون الأرز على جيش الاحتلال.
الاحتفال لم يكن استحضارا لتلك الصورة الوطنية العابرة ، بل للصور الأولى التي أطل بها على الأزمة اللبنانية مدافعا عن الوطن القومي المسيحي ضد الغرباء ، فلا المقاطع المختارة من خطاباته ولا الأناشيد العسكرية الحماسية كانت تحيل إلى غير ذلك. ولا نظن أن هذا هو ما كان يريده المحتفلون بالمناسبة.
أفضل تكريم لشخصيات الماضي هو استحضار صورها التي تصنع إجماعا حولها وتجعلها رموزا للوحدة الوطنية لا رموزا للانقسام والحرب . ولا نظن أن الاحتفال خدم هذه الغاية ، بل هو مضى في الاتجاه المعاكس تماما ، فدغدغ مشاعر المتطرفين ومحبذي الشحن الطائفي وأصحاب الرؤوس الحامية المتوهمين أن أفضل رد على عنجهية حزب الله هو الذي يتمثل في إعادة الحياة إلى جثة المارونية السياسية . هذه قراءة بالمقلوب لدروس الحرب الأهلية.
وأفضل تكريم للماضي النظر إليه بعين النقد ، لمعرفة السبيل إلى تدارك الأخطاء وإلى الوقوع على الخيارات الصحيحة. لم يكن أحد من القوى السياسية على حق في تشخيصه للأزمة ولا في وصفاته العلاجية . التدخل السوري والاحتلال الاسرائيل وأوهام ولاية الفقيه الإيرانية والمصالح الغربية والتناقضات العربية كانت كلها بمثابة عوامل خارجية إضافية أججت نار فتنة قائمة بين اللبنانيين واستفادت منها ووظفتها تحقيقا لمصالحها ، الخ ، لكنها ليست هي التي صنعتها . وقد آن للبشيريين خصوصا ، ولسائر أطراف الصراع اللبناني من اليساريين والإسلاميين والعروبيين، ولأنصار الشيعية السياسة والمارونية السياسية والسنية السياسية، أن يدركوا أن السبيل الوحيد لإخراج الوطن من أزمته هو الالتفاف حول مشروع الدولة ( وليس مشروع السلطة) ، وأن سياسة استعداء الخارج (أوالغريب) تساوي في مخاطرها سياسة استدراجه والاستنصار به.