لغة الضاد بين الرقي والاحتضار

زكرياء لهلالي
2012 / 8 / 6

في زمن يضج ويعج بغير قليل من الآراء الفطيرة التي لم يخمرها البحث والتنقر والاعتيام، أضع بين أيدي القراء الرصفاء هذه المائدة اللغوية العربية النجار، جاعلا سأوي وسدمي الهدْي إلى السبل المرشدة التي تبصر عقلاء الأمة بالدسائس التي تحاك في السر وفي العلن لإخماد جذوة الفصحى، من خلال الإصرار على تضييق منافسها، والأخذ بخناقها، وتمزيق أحشائها، أملا في إنهاكها لتخرج من معترك اللغات الأجنبية، وسوق اللهجات، بأكبر الخسائر التي تجعلها منزوية في حدود ضيقة، لا تظفر في التأثير في مجالات العلم والمعرفة بسوى حسو الطائر.

ولقد أنهضني إلى الخوض في هذا الموضوع الذي لا ينكش، استصغار كثير ممن عميت عليهم الأنباء لموضوع العربية الفصحى، التي تمتلك في مغربنا الحقوق العلمية والفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، فهي أولًا لغة موحَّدة وموحِّدة، وثانيا لغة الدين والدنيا، بينما غيرها من اللهجات يشيع الفرقة، ويلقي عصا الشتات بين أبناء الإقليم الواحد، ويهدد السِّلم اللغوي الذي ننعم به في مغربنا العزيز، لأنها لهجات مفرَّقة ومفرِّقة. فلينظر عقلاء الأمة، بم يأخذون ويعضُّون عليه النواجذ، أبلهجات مفرَّقة ومفرِّقة أم بلغة فصحى موحَّدة وموحِّدة؟!

وإذ قرَّ في الأذهان أن الناس في أطوار حياتهم، ليسوا سوى لغاتهم، فإن الشعب الذي لا يبذل أقصى طاقاته للحفاظ على لغته من الويلات المهلكة التي تُصرُّ اللهجات العامية واللغات الأجنبية على إلحاقها بالعربية الفصحى، أملا في إبعادها من مصادرها، وحرمانها من ماضيها المجيد، وتاريخها الأقعس، وحضارتها الفاتنة، وأدبها الماتع، وأنظمتها المعيَّرة، شعب لابد سينتهي به الحال إلى ضروب من الانهزام النفسي، والاستسلام المُذل المذعن لهجر سيل جُراف قُحاف من الكلمات الأجنبية الشعثاء الغبراء التي يرتق بها نقيصته لغير علَّة ولا حكمة مدركة، لأن تلك النقيصة لا توجد في سوى فكره الذي لم يكابد مشاق البحث والتنطس.

والحق أن اللهجات العامية، وشوب الألفاظ والعبارات الفرنسية، قد أحرزت نصرا مبينا في مجالات الحياة المغربية، ناشرة جيوشا غازية من الكلام الغريب عن المحتد العربي، حتى أوقع الروع في نفوس الغيورين الحذاق، ولاسيما أن التدفق المعلوماتي والمعرفي الذي يشهده العصر، يوحي بأن فرص التحصين اللغوي الذي يبقي على عربية فصحى سليمة، قد تداعت – أو كادت – أمام موجات التلهيج والتمزيغ والتغريب، التي تنشر أظلالها بحرًا وبرًا وجوًا، لأن العولمة الكونية أحكمت إعداد خططها، حتى أضحت العربية من أكبر ضحاياها، حيث تهاوت السلطة اللغوية المعيَّرة أمام سيل الرسائل البرقية التي تقول أي شيء من دون الالتزام بالقواعد اللغوية التي يعد أمرها أشهر من القمر، إذ أضحت الكلمات مختصرة إلى أبعد الاختصار، كما أضحت بعض الأحرف العربية مجرد أرقام. وهكذا أسقطت ريح العولمة العاصفة والقاصفة من شجرة اللغة العربية الفصحى جميع الأكمام والأزاهير، سواء منها التي بدا عليها الشحوب والإنهاك، أو التي تمتلك عناصر القوة والنجاح في أن تصبح ثمرة ناضجة تزود المتكلمين بالغدد المقوية القادرة على الاشتعال في أثناء استعمال العربية الفصحى.

وقبل أن تنكسر الإرادة أمام هذا الشيطان الليطان العولمي الذي يغري فئة الأغتام، ويعدهم ويمنيهم، وما يعدهم إلا غرورا، لابد من التذكير بأن اللغة مسكن الهُوية، وأن طلب المعرفة والسلطة والسيادة يبدأ من التحكم في اللغة، إذ كلما كان الفكر غنيا بالألفاظ والعبارات السليمة، كان ذلك أدعى لتوسع سلطانه والتحكم في العالم من حوله، لهذا فإن أي تأجيل للحسم في تقوية دور العربية الفصحى في كافة مناحي الحياة، سيجعل ألسنتنا مثل المظاهر الاجتماعية والعمرانية والفنية التي لا يستطيع أحد أن ينكر مقدار الاستلاب الذي لحق بها. كما يجب النظر إلى العربية الفصحى بمنظار الربح والخسارة، ومن ثمة توزيع الأدوار اللغوية بكيفية واضحة ومعقولة، وبتخطيط أجدى وأنفع، يجعل الفصحى مقتعدة الصدارة في القيام بوظائف الدين والعلم والمعرفة والاقتصاد والسياسة والتجارة والصناعة والخِدْمات والآداب، بينما تقوم اللغات الأجنبية بوظائف تعميق البحث والإفادة من كل جديد مُجْدٍ، لتزويد الفصحى بالخميرة اللازمة لضمان النضج والجودة. أما اللهجات العامية والأمازيغية، فتقتصر وظائفها على الإشباع التواصلي الوجداني والإمتاع الفني الذوقي. وبهذا نضمن الوحدة والاتحاد، لأن الوطن الذي لا تجمعه اللغة الرسمية، لا يمكن أن يجمعه شيء آخر، سوى جمع تبديد، حيث يسعى كل فرد أو جماعة إلى تغليب مصلحته من دون أن يقوى على بلوغها، ومن ثمة تُطِلُّ رؤوس الفتنة، التي تبدأ لغوية شكلية، ثم يزداد فتيلها رويدًا رويدًا، حتى تنتهي إلى حرب شعواء يقتتل فيها على كلمات أسيء استعمالها من لدن المجتمع اللغوي. وقانا الله شرَّ هذه النازلة.

هذا هو حال العربية الفصحى اليوم، فهل بقي لنا ما نَرِمُّ به ما فسد وأضحى بعرات نحسبها جواهر نقلدها جيد الفصحى، أما آن لهذا الليل البهيم الأليل أن ينجلي؟ أسئلة تجد جوابها البليغ في الاستفادة من دروس الأجداد الذين أحيوْا للعربية الفصحى ذكرها، وبنوا لها منارات وصوى وأمجادًا سافًا من فوق ساف، حتى جرَّت الفصحى على غيرها من اللغات ذيول العزِّ والمباهاة، وأخرست شقاشقها، لم تَدَعْ شعاعا من الريب يتسلَّل إلى كمالها وجمالها وقدرتها على التكيف مع الوقائع، بعجائب لا تحصى، ولطائف لا تستقصى على هذه الشاكلة.

عناية الأسلاف بالعربية الفصحى

لقد حَبَّر الجهابذة الذابرون في العلم بالعربية الفصحى مُصنَّفات، رفعت لها منارات وأصواءً، وأحْيَوا لها آثارا، وسبروا غورها، وعجموا عودها، ورازوا ألفاظها ومعانيها، ورَمَوا الرميات فأصابوا المِحز والمفصل الذي لا يستطيعه إلا خبير محكم. وليس يخفى على من شدا قليلا من هذه الفرائد والنفائس التراثية، أن أغلب هؤلاء الحذاقيين لم يتَصَعَّدهم البحث في يم العربية الذي لا يُنكش، حيث تقَفَّوْا البحث في رياضها الأرِجة، يتَوكَّفون ويسألون عن عجائبها التي لا تنتهي، حيث إن العربية الفصحى لغة مجتباة، انتقرت من بين لغات الدنيا أفضل الأصوات وأجملها، مع الحرص على الباعث الفني الخالص في أثناء انتجاث واصطفاء أبهى وأحلى الأصوات، أملا في بلوغ أقصى مراتب الجمال الصوتي الفتان، الذي هيأ لها أسباب البسطة في الأرض، وعلى القلوب، حيث حرَصت على التوفر على الدرر المستفرهة من الألفاظ الحلوة الشائقة، ناهيك عن جمال حروفها، حتى إن الروم كانوا يعلقون بعض رسائل الخليفة المأمون بخط أحمد بن أبي خالد على أبواب كنائسهم لاستحسانهم لخطوطها.

وقد ألفيت هؤلاء المفنين الخناذيذ قد طبقوا المفصل في صيانة اللغة العربية الفصحى من أن يندس إلى خدرها ما لا ترضى عنه أساليبها، فعقدوا لكل جانب من جوانبها فصولا أتَوا فيها بالمتخير اللباب. فمنهم من رأى أن للعربية أسرارا، ثم صرفوا سأوهم وسدَمَهم إلى الغوص عن جواهرها النيِّرات، وأودعوا المهارق لفتات فنية دخلت جنان البلاغة، آوت من حسن تصرفها إلى ركن عجيب، من خلال إشباع الكلام عن أسرار البلاغة العربية وفصاحتها. ومنهم من هدَتْه شاكلته وجديلته إلى أن للعربية خصائص فدبَّجوا كتبا لتعليل أسباب إجادتها ويفاعها، وبسطوا للمتلقي خصائص تمكينها، لم تفتهم سوابقها ولواحقها، وأزاحوا الأستار عن عجائب هذه الخصائص، واقتحموا عليها مكامنها، وفتقوا كِمَّها. ومنهم الذين أنعموا النظر في فِقْهها، فوضعوا على صخر الثبات الأساس الذي بواسطته تتميز الفروق الدقيقة بين الألفاظ والمعاني، فبلغوا الأرب في تحديد الخيوط الدقيقة التي لا يدركها إلا من أعرق في البحث، وضرب أكباد الإبل في التنقية والانتقار لكل شاردة وآبدة. ومنهم من أحسن التبريز والإجادة في الجمع بين اللفظ النقي وروعة التحديد لدلائل الإعجاز، ودخلوا جنان البلاغة فاجتنوا من أشجار العربية الموسقة كل ما طاب من الأثمار المشتهاة، ثم رفعوا في الخافقين قدرها، عندما انتهوا إلى اجتلاب كل عين وغُرّة، في حلل مُنشَّرة تري الناظرين الباحثين منظرا بديعا أخمل ذكر سائر اللغات وقتئذ.

جمال الفصحى

يؤكد الراسخون في علم اللغات، الذين ينظرون بعين الحق، أن اللغة العربية الفصحى تستمد حجتها من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وكلام الشعراء المُفلقين، والخطباء المصاقعة، والأدباء البلغاء. وقد ظلت هذه المصادر نماذجها الباهرة في القدرة والاقتدار على الإحاطة بالأطراف والقواصي فضلا عن الأقطاب والموارد، إحاطة جمعت أطايب المدنِيَّتيْن العربية والغربية في زيٍّ يبهر بيانه ولا يشق غباره. وقد انبرى هؤلاء المنصفون إلى الذود عن حياضها، والإشادة بطاقاتها الهائلة. يقول ابن جني: «العرب إنما تحلّي ألفاظها وتدبجها وتشيها، وتزخرفها، عناية بالمعاني التي وراءها، وتوصلا بها الى إدراك مطالبها، وقد قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا». ألا ترى إلى قول بعضهم وقد سأل آخر حاجة، فقال المسؤول: إن عليَّ يمينا ألا أفعل هذا، فقال له السائل: إن كنت – أيدك الله- لم تحلف يمينا قط على أمر فرأيت غيره خيرا منه فكفرت عنها له، وأمضيته، فما أحب أن أحنثك، وإن كان ذلك قد كان منك فلا تجعلني أَدْوَن الرجلين عندك، فقال له: سحرْتَني، وقضى حاجته (1). أما ابن سنان الخفاجي فيؤكد جمال العربية وأفضليتها في اختيار ما احلولى واعذوذب من الألفاظ، واطّراح ما امْلولح وخبُث قائلا: «وقد أخبرني أبوداود المطران – وهوعارف باللغتين: العربية والسريانية - أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبُحت وخست، وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طُلاوة وحُسنا، وهذا الذي ذكره صحيح، يخبر به أهلُ كل لغة عن لغتهم مع العربية» (2). أما ابن الأثير فيروي حكاية يهودي ذكرت عنده العربية وما تمتاز به من جمال قائلا: «فجرى ذكر اللغات، وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهن مكانا، وأحسنهن وضعا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك. وقد جاءت آخرا. فنفت القبيح من اللغات قبلها، وأخذت الحَسن، ثم إن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة، فاختصر ما اختصر، وخفف ما خفف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبرانـــي «كوميل» مُمالا على وزن «فوعيل» فجاء واضع اللغة العربية، وحذف منها الثقيل المستبشع، وقال: «جمل» فصار خفيفا حسنا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة. ولقد صدق في الذي ذكره، وهو كلام عالم به» (3). من أجل ذلك كرهت العرب تجاور بعض الأصوات في كلامهم طلبا للخفة وتجنبا للثقل مثل: القاف والكاف والجيم، والصاد والسين، والزاي، وهلم جرا. وقد تكفلت كتب الأسرار والفقه والخصائص والإعجاز المشار إليها آنفا ببسط البراهين والأدلة التي تنبئ أن جمال العربية أشهر من القمر كما يؤكد السيوطي قائلا: «إنها أفضل اللغات وأوسعها. قال ابن فارس في فقه اللغة: لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها. قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} فوصفه- سبحانه - بأبلغ ما يوصف به الكلام، وهو البيان. وقال تعالى {خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ البَيَانَ} فقدم – سبحانه - ذكر البيان على جميع ما توحَّد بخلقه، وتفرد بإنشائه... فلما خص – سبحانه - اللسان العربي بالبيان، عُلم أن سائر اللغات قاصرة عنه وواقعة دونه.

فإن قال قائل: إن سائر اللغات تُبِين إبانة اللغة العربية فهذا غلط، لأنَّا لو احتجنا إلى أن نعبر بالسيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرة، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسميات بالأسماء المترادفة. فأين هذا من ذاك؟ وأين لسائر اللغات من السعة ما للغة العرب؟» (4). وقد استمدت العربية هذا الجمال وذاك السموق من ارتباطها بلغة القرآن الكريم، ولذلك قال الراغب الأصفهاني: «ألفاظ القرآن هي لب كلام العرب، وزبدته وواسطته وكرائمه، وعليها اعتاد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمتهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها، وماعدا الألفاظ المتفرعات عنها، والمنتقاة منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنَّور بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالنسبة إلى لَبوب الحنطة».