فضيلة الانشقاق

محمد علي مقلد
2012 / 7 / 15

الانشقاق مرذول عموما ، لأن العينات التي ظهرت في التاريخ لم تكن مشجعة ، ذلك أن الفروع التي انشقت عن أصولها لم تفض إلى حلول لمشكلات الأصول. لا المعتزلة ولا الأشعرية، ولا الشيعة ولا السنة ، ولا الزيدية ولا العلوية ، ولا كل الفرق الكلامية . هذا في تاريخ الإسلام . وفي المسيحية تكررت الظاهرة نفسها مع الكاثوليكية والأرثوذكسية و البروتستانت . وقد أثبت تاريخ الانشقاقات الماركسي أن النزاع كان يدور دوما على السلطة ومكتسباتها، ولم يبق منها سوى التنافسات النظرية بين لينينية وماوية وتروتسكية وسواها. وهكذا يقال عن أحزاب البعث والأحزاب القومية في عالمنا العربي، حيث ترافقت الانشقاقات مع أشكال غير مسبوقة من العنف،حتى استفحل العداء بين المتفرعات وغلب على ما عداه من تناقضات،واتخذت شكل الانقلابات العسكرية أو السياسية ، التي لم تحدث تعديلا في البرامج وقصرت انقلاباتها على تغيير مواقع السلطة.
هذه الظاهرة تصح في صورة خاصة على الوضع السوري الذي شهد حالات قياسية من الانشقاقات الحزبية والعسكرية ، وهي كلها تندرج في إطار الانقلابات ، وإن اتخذت أسماء شتى ، كان آخرها إسم الحركة التصحيحية التي قادها حافظ الأسد ضد رفاقه في الحزب وفي السلاح في الستينات.
غير أن الانشقاقات السورية الراهنة ، في الجيش وكذلك في إدارات الدولة ، تنطوي على مضمون مختلف . فهي لا تندرج في إطار الانقلابات ، بل هي تعبير عن تبرؤ المنشقين من مسؤولية المجازر التي يرتكبها النظام بحق شعبه ، لما في تلك المجازر من فظاعات لم يشهد لها التاريخ الحديث بعد النازية مثيلا.
لا يعني ذلك تبييض صفحة المنشقين وغسل الإثم الذي ارتكبوه من خلال انخراطهم ومشاركتهم الفاعلة في ممارسة الاستبداد على امتداد الحكم البعثي ، ثم طيلة عام ونيف من عمر الثورة. لكن الامتناع عن الإشادة بحالات الانشقاق لا يلغي رؤية أهميتها في مساعدة الثورة على الوصول إلى أهدافها بأقل خسائر ممكنة.
أقل الخسائر يتمثل في تفادي كل صيغ الحرب الأهلية ، وفي تفادي التدخل العسكري المباشر على الطريقة الليبية، لأن النظام هو الذي يتوسل هذين السبيلين ، ولئن كان قد فشل حتى الآن في تفجير حرب طائفية ، إلا أنه نجح في استدراج التدخل الروسي ، وفي تأمين غطاء دولي جزئي . غير أن تجارب التدخلات الخارجية أثبتت أن القوى التي تقبل التدخل إنما تفعل ذلك من أجل مصالحها هي ، لا من أجل مصلحة طالب التدخل . هذا ما حصل مع النظام السوري حين تدخل في لبنان ، و هذا بالضبط ما تفعله روسيا التي تستخدم الساحة السورية للتفاوض مع خصومها على قضايا متعلقة بالدرع الصاروخي ومخاطر الإصوليات الاسلامية والتنافس على الغاز والنفط ، الخ ، الخ .
وأقل الخسائر يتمثل ، على نحو خاص ، في إضعاف الذراع العسكري للنظام لشل قدرته على ارتكاب المجازر ، ولذلك ، إذا كان من غير المستحب ضم كل المنشقين إلى صفوف الثورة من غير تحفظ ، فمن الواجب تشجيع حركتهم وأيجاد كل الحوافز اللازمة لمساعدتهم على الخروج من صفوف الجيش والإدارة والسفارات وعدم افتعال التناقضات معهم ، لأن انشقاقهم لا يمكن أن يكون في مصلحة النظام .