في نقد الهزيمة

محمد علي مقلد
2012 / 7 / 11

في نقد الهزيمة
في مناسبة حرب إسرائيل على لبنان


جرت العادة ، كلما تذكرنا مناسبات الهزائم أمام إسرائيل ، أن نتلو نصوص الإدانة بحق الدولة العنصرية التوسعية التي اغتصبت حقوق الشعب الفلسطيني واعتدت على الشعوب العربية الأخرى، على حقوقها بالتطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، وحقوقها بالأرض والمياه ومصادر الطاقة ، وحقوقها في إعادة بناء الأمة العربي في مواجهة الاستعمار، الخ.
كما جرت العادة أن نذكر عناصر القوة في مواجهاتنا ، من نهوض الناصرية ، عمودا فقريا للحركة القومية العربية ، إلى المقاومة الفلسطينية وجبهة الصمود والتصدي والمقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الإسلامية ، وصولا إلى قوى الممانعة ، الخ.
سأحاول ، هذه المرة أن أجري تعديلا منهجيا على تلك العادة : لن أبدل في توصيف مثالب الصهيونية ولا في فضائل قوى حركة التحرر الوطني العربية . لكنني سأعيد تركيب الأفكار ذاتها في معادلات جديدة ، وسأستخدمها في نقد الهزيمة ( بحسب تعبير المفكر التقدمي الماركسي صادق جلال العظم). هذه القراءة الجديدة تنطوي على فكرة واحدة مفادها أننا نحن المسؤولون عن الحروب التي اندلعت في أرضنا أو التي شنت علينا ، ونحن بالتالي ، المسؤولون عن هزائمنا الكثيرة كما عن انتصاراتنا القليلة.
1- إسرائيل عدوانية ، لا شك في ذلك ، وهي لا تنتظر ذريعة لتقوم بعدوانها . لكن أين مسؤوليتنا نحن عن عدوان حزيران ، وعن كل عدوان .
إنني أعتقد أننا برعنا في " جلب الدب إلى زرعنا " ، حين ساهمنا في دفع الأمور في لبنان نحو الحرب الأهلية ، وتوسلناها ( محسن ابراهيم ) بغية إجراء إصلاحات سياسية على النظام السياسي في لبنان، وحملنا لبنان ما هو فوق طاقته على الاحتمال، وساهمنا في استدراج الدب السوري والدب الاسرائيلي ، ودب الاستبداد العربي كله والدب الإيراني، ونظمنا باسمهم ، ونيابة عنهم ، اشتباكا لبنانيا لبنانيا ، ولبنانيا فلسطينيا ،وفلسطينيا سوريا ، ولبنانيا سوريا، وسوريا عراقيا ، الخ ، الخ .
حين أخرجت إلى العلن هذا النقد أول مرة، قام من يتهمهني بأنني وضعت "الدببة" في سلة واحدة . كتبت في حينه مقالة في الرد على ذلك المعترض ، وكان زميلا لي في الجامعة اللبنانية ، رثيت فيها لما آلت إليه حال الجامعة بفعل وجود أشخاص من أمثاله في هيئتها التعليمية ، وشرحت له درسا في البلاغة ، عن التشبيه وأنواعه ، وعن التشبيه التمثيلي الذي ، بالقياس عليه ، لا يكون التشابه بين الدول التي تدخلت في شؤوننا ، بل هو تشابه بين القوى اللبنانية التي استدرجتها :
نعم ، نحن اللبنانيين ، استخدمنا السلاح الفلسطيني في وجه خصومنا الذين أطلقنا عليهم صفة "الانعزاليين " ، ونحن اللبنانيين ، في اليمين وفي اليسار " وطنيين وانعزاليين" ، لم نتردد في التحالف مع القوى الخارجية ، مع سوريا في البداية ثم مع إسرائيل ، كما لا يجد حزب الله ، الآن، حرجا في إعلان اعتزازه بكونه جزءا من حزب ولاية الفقيه الإيراني.
أكثر من ذلك ، لم يكن أحد منا ، نحن اللبنانيين أبطال الحرب الأهلية ، يؤمن بلبنان وطنا نهائيا : المارونية السياسية أرادت أن تجعله الوطن القومي المسيحي ، القوى القومية كانت ترغب في جعله جزءا من الدولة القومية ، الشيوعيون أرادوه جزءا من الدولة الأممية ، الخ . الحركة الوطنية طرحت مشروعها الذي ، على إيجابياته الكثيرة ، لم يكن سوى مشروع السنية السياسية المغتبطة بمن تحمل أعباء المشروع عنها . والمشاريع هذه ، بما فيها المستجد ، بعد ذلك ، أي الشيعية السياسية ، هي مشاريع محاصصة تتوزع ثروات الوطن المادية والبشرية وتبددها .لذلك كان من الطبيعي ، في ظل هذه الانقسامات الحادة بين اللبنانيين ، أن تجد القوى الخارجية الطريق معبدا للتدخل ، وأن تجد في الداخل من يستدرجها للتدخل ويؤمن لها منصة للمبارزة ، ولهذا لا يصح القول إنها كانت حرب الآخرين على أرضنا ، بل هي حربنا نحن ، نحن الذين ، بملء إرادتنا وعن سابق تصور وتصميم ، قررنا الدخول في حرب أهلية ، لم نكن نحسب نتائجها بدقة .
لذلك يقع على رأس الأخطاء الحسابية الستراتيجية في نضالنا ،ذلك الاستسهال النظري لانتصار الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية ، واستسهال تفكيك الدولة اللبنانية ومؤسساتها ...فلا سوريا قبلت به ولا إسرائيل ، وراحت كل منهما تواجه احتمال وقوعه. ، عثرت إسرائيل على الذريعة وعلى جسر العبور فتدخلت ، وحصلت سوريا على ذرائع وجسور . لم يكن الدرس كافيا لنتعلم ، فمضينا ممعنين بالتصميم على نصر موهوم ، ولم نحسن التراجع . لكن ، كان قد سبق السيف العذل.
لعل في ما قلته اعتراضا على عنوان الندوة ، الذي ينطوي على تبرئة ضمنية للقوى الداخلية عن مسؤولياتها في نشوب الحرب ، أي على ميل إلى تكرار القراءات الحزيرانية التي تحمل الأخرين المسؤولية عنها وتتفادى القراءة النقدية التي من شأنها، وحدها، مساعدتنا على استخلاص دروس مفيدة من الهزائم . وفي اعتقادي أن بعض ما نشهده اليوم من صراع على موضوع السلاح والدولة والستراتيجية الدفاعية ليس إلا تعبيرا عن التمسك بنهج الهزيمة الحزيرانية الأولى وليس الثانية فحسب.
2 . إسرائيل دولة عدوانية عنصرية ، وهذا أمر لا شك فيه، وهو ليس أمرا موضع خلاف بين أي اثنين في هذه الأمة . لكننا واجهنا عدوانيتها ووحشيتها ، بالاستغراب ، فكلما ارتكبت مجزره كان يعلو صراخنا للشكوى ، ولم نكلف أنفسنا عبء البحث عن سبل ناجحة للمواجهة، وكنا نكتفي في كل مواجهة معها أن نثبت للعالم كم هي دولة وحشية وعدوانية وعنصرية ، أكثر مما كان يهمنا كيف نضع برنامجا يؤهلنا للانتصار عليها.
برامجنا للمواجهة لم تكن مبنية على فهم عميق لطبيعة المشروع الصهيوني والظروف التي أنتجته على الصعيد العالمي. فكانت تسبقنا الأحداث ونلهث نحن وراءها . في النكبة لم نقبل بالتقسيم ، قبلنا به في حرب 1967 ، العودة إلى حدود الرابع من حزيران . في حرب حزيران قررنا أن لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف ، ثم قبلنا بكل ذلك في مدريد . منظمة التحرير الفلسطينية طالبت بإقامة دولة فلسطينية على أي شبر يحرر من أرض فلسطين ، وحين وطئت قدم " أبو عمار" أرض فلسطين ، رمي بالخيانة الوطنية من قبل المزايدين ، الخ.
إنه منهج في التفكير هيمن على العقل العربي منذ أكثر من قرنين من الزمن ، وما بدلنا تبديلا . العدو هو في الخارج ، العدو عدو خارجي ، إنه الاستعمار ،حتى العدو الداخلي ليس سوى أعوان الاستعمار ، ولذلك صار كل معارض في الداخل خائنا ، فالتبست معاني الخيانة ودلالاتها ، وصولا إلى الكيل فيها بمكاييل المصالح السلطوية الرخيصة ، فدخل حابل الوطنية بنابل العمالة . والحقيقة أن الاستعمار القديم ( الاحتلال العسكري) ولد وتوسع وانتشر ، وقاومته البشرية وانتفضت ضده وثارت عليه حتى انحسر وتراجع ، ولم يبق منه على الكرة الأرضية غير الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين . لكن الاستعمار غير أساليب سيطرته وهيمنته على العالم ، على الأرض والسماء وأعماق المحيطات ، بينما مازلنا نحن نتمسك بأساليب المواجهة ذاتها، وما زلنا ميالين إلى أن نعد لهم "ما استطعنا من عدة ومن رباط الخيل " ، وقد وصل بنا الأمر حد الاعتقاد بأن الملائكة ساعدتنا في حرب تموز .
خطأ الفكرة أساسه في المنهج . الاستعمار شر بالمعنى السياسي والاخلاقي والاقتصادي للكلمة . لكنه ليس كله شرا ، ولا هو كان السبب في تخلفنا . السؤال نفسه الذي طرحه شكيب إرسلان من قرنين ما زال هو هو : لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون ؟ وجوابنا من قرنين حتى الآن هو هو : الغرب يتحمل المسؤولية ، مع نفي مطلق لأية مسؤولية ذاتية عن تخلفنا . المنهج الخاطئ لا يمكن أن يفضي إلى تحليل صحيح. إذن لا بد من اعتماد منهج جديد نستطيع أن نرى ، بموجبه ، أن تخلفنا سابق على مجيئ الاستعمار. فقد بدأ المنحنى الخلدوني في عمر حضارتنا من بداية الألفية الثانية ، أي منذ أن انهارت الحضارة العربية العباسية ، وتعاقب على حكم أمتنا وتدمير حضارتنا هولاكو وتيمورلنك والصليبيين والمماليك والأتراك . ربما كان للاستعمار فضل علينا لكونه أيقظنا من سبات دام ثمانماية عام . قد يكون من الجائز ألا نعترف له بهذا الحق ، لأنه لم يأت لإيقاظنا ، بل لتأمين مصادر المواد الخام والطاقة ولتوسيع دائرة السوق التجارية لصناعاته، لكن من غير الجائز أن نحمله هو مسؤولية تخلفنا .
منهج التفكير هذا لا يزال مهيمنا على عقلنا . تحميل الآخرين المسؤولية ، مثل "حرب الآخرين على أرضنا"، المؤامرات الخارجية ، من سايكس بيكو إلى روجرز إلى كيسنغر ، إلى آخر التفسيرات العبقرية لأحداث طرابلس ( على لسان الحزب الشيوعي اللبناني) : إنها نتيجة زيارة فيلتمان !!! إنها طريقة التفكير القروسطية ما زالت معششة في بعض الرؤوس.
3. إسرائيل دولة عنصرية توسعية عدوانية ، وكل من تعامل معها أو ساعدها ضد أبناء بلده هو خائن للوطن . لكن ، في غياب التوافق على معنى الوطن يلتبس معنى العميل والعمالة والخيانة . العميل هو من يرتبط بعدو خارجي ويتآمر معه على وطنه وشعبه . فإذا كان الخلاف قائما في الأساس على مفهوم الوطن ، فكيف يمكن ألا يكون خلاف على فكرة الخيانة. وإذا كان لكل منا وطنه ( الوطن القومي المسيحي، الأمة الاسلامية ، الوطن الاشتراكي ، الأمة العربية ) فمن الطبيعي أن يكون لكل وطن خونته، ومن الطبيعي أن يكون لكل وطن حلفاؤه وأعداؤه وأصدقاؤه ، وأن يكون لكل وطن مقاومته . وإذا كان خيارنا الآن هو الانتماء إلى وطن إسمه لبنان ، على علات نظامه ، فالمنطقي هو القول بأن خائن الوطن هو كل من استنجد ويستنجد بقوى خارجية ضد أبناء وطنه، وهو كل من يهدد السلم الأهلي وكل من يتسبب بشرخ في الوحدة الوطنية اللبنانية. وإذا كان وجود الدولة هو التجسيد المادي للسيادة الوطنية فيعتبر خائنا كل من يعتدي على الدولة وعلى سيادة القانون ، بالمحاصصة أو بالتشبيح أو بتدمير المؤسسات ، ومن بينها ، وعلى رأسها الجامعة اللبنانية ، وكل من يتعامل مع القضاء بصفته إحدى دوائر النفوذ السياسي لهذا الزعيم أو ذاك ، و لا يضع نفسه تحت أحكامه . هذا ليس تبرئة لأحد ولا تجريما لأحد . إنها دعوة للنظر في المرآة إلى أخطائنا، ودعوة إلى العودة إلى خيمة الدولة ، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. ولا يجدينا نفعا أن نطلق نعوتا على الدولة من خارج هذه الأركان التي لا أركان غيرها في الدولة الحديثة ، من مثل الدولة القوية ، والدولة العادلة ، والدولة المقاومة ودولة الحكم المتوازن والمشاركة والعيش المشترك والرسالة ، الخ ، الخ . هذه نعوت للهروب من إعادة بناء الوطن والدولة.
4 . مضينا في مشروعنا الثوري ونحن نأكل من خبز المستبدين ونحارب بسيفهم . رجمنا الظلام الإسرائيلي باللعنات والشتائم ، وامتنعنا عن إضاءة شمعة . لم نكن نعلم أن انتصارنا على إسرائيل مستحيل ، وسيبقى مستحيلا في غياب شرطين لازمين على الأقل : الأول هو الوحدة الوطنية ، أي الشعور بالانتماء إلى وطن واليقين بحقنا في أن يكون لنا وطن ودولة ، والثاني هو الديمقراطية . كل المقاومات التي تعاقبت على قيادة النضال ضد العدو الخارجي استبسلت في قتال العدو وبرزت بطولاتها وتضحياتها بكل غال ونفيس ، لكنها كانت تمارس الاستبداد في الداخل ، ما جعلها ترتبك في بداية الربيع العربي . حين اصطفت المقاومات للتظاهر ضد الأنظمة وتضامنا مع الثورات ، قلنا لهم : أيها المتضامنون ، هذه الثورة قامت ضدكم . لم يصدقوا في البداية ، وحين أحرجهم الربيع كالوا الشتائم ، وما زالوا ، للديمقراطية وحامليها والمطالبين بها والداعمين لها ، الخ .
5 . الطابع الاستبدادي للحركة القومية العربية ألغى الخصوصيات القطرية ، فضيق على اللبنانيين وجعل الدولة سائبة والوطن مشرع الحدود مسلوب السيادة . وباسم العمل الثوري الفللسطيني والاشتراكي والشيوعي ، وها نحن اليوم مع الإسلامي الإيراني ، دمرت السيادة الوطنية . وليس صحيحا أن إسرائيل وحدها هي من اعتدى على السيادة اللبنانية باحتلالها الأرض واعتداءاتها المتكررة برا وبحرا وجوا ، ولا هي سوريا وحدها بتدخلها في كل صغيرة وكبيرة ، بدءا من إقفال الحدود أكثر من مرة قبل انفجار الحرب الأهلية، في إطار دعمها لأي وجود مسلح غير شرعي ، وكنا نهلل لذلك في حينه، وصولا إلى الانتهاكات في عكار وجرود عرسال ، مرورا بمرحلة الوصاية التي ألغت ، على صعيد العلاقات الدولية ، وجود لبنان المستقل وطنا ودولة، بل إن القوى السياسية اللبنانية هي التي مارست انتهاك السيادة منذ البداية ، منذ أن شرعت ببناء دولة المحاصصة بديلا عن دولة القانون والمؤسسات ، واستمرت تمعن في انتهاك السيادة في ظل وجود الجيوش الأجنبية ثم بعد خروجها . وإمعانها ، اليوم ، في انتهاك سيادة القانون داخل حدود الوطن هو ما يشجع ويستدرج الجيوش الأجنبية لانتهاك السيادة على حدود الوطن.
6 . النصر والهزيمة مفهومان غائمان . سألت بعثيا في صيف 2002 ، وكانوا يحضرون لاحتفالات تشرين ، عما إذا كنا قد انتصرنا أم انهزمنا في حرب تشرين ، مع العلم أن سوريا خسرت فيها 35 قرية ومزرعة إضافية ، فأجابني بأنهم يحتفلون بالمناسبة لأنها الحرب التي لم يكن فيها الجيش السوري خاسرا .
علامة النصر بالإصبعين كانت ترتفع دوما من بين الأنقاض ، و الهزائم كانت دوما خسارة معركة لا خسارة حرب ، ألخ . وهزائمنا كانت دوما بسبب تقصير الحلفاء . علاقة السوفيات بنا لم تكن متينة كعلاقة أميركا بإسرائيل ، والسلاح الذي كانوا يعطوننا إياه لم يكن في مستوى السلاح الذي تقدمه أميركا لإسرائيل ، وكنا ننتظرهم من الشرق فيأتوننا من الغرب ، الخ.
وآخر البدع ، بدعة النصر الإلهي . فإن كان نصرا ، فهو ليس نصرا إلهيا ، بل ثمرة نضال طويل أسست له أول المواجهات البطولية مع العدو الصهيوني في الجنوب في سبعينيات القرن الماضي ، ثم المقاومة الوطنية اللبنانية في بيان أيلول 1982 وعملياتها البطولية الأولى ضد جيش الاحتلال في بيروت تنفيذا للبيان الموقع من جورج حاوي ومحسن ابراهيم ، وتوجته مقاومة حزب الله عند تحرير تراب الجنوب من الاحتلال . هؤلاء صنعوا نصرا ليس من عالم الغيب ، بل من هذا العالم الأرضي المادي الملموس . إنهم بشر من لحم ودم. فضلا عن أن هؤلاء الأبطال لم يكونا وحدهم ، كان كل لبنان معهم شعبا وجيشا وحكومة ومؤسسات مجتمع مدني ، كل حسب إمكاناته واستعداده السياسي واللوجستي والانساني للمساعدة. إن كان هناك نصر ، فهو لم يكن ممكنا لولا الحد الأدنى من الوحدة الوطنية ، التي شكلت الحماية المعنوية والسياسية للمقاتلين الأبطال .
مع ذلك ، هذه الوجوه المشرقة من نضالنا لم تصنع نصرا ، ولن تصنعه ، مادام عقل الهزيمة الحزيرانية الأولى مهيمنا على تفكيرنا ، وما دمنا نعطي الأولوية للسلاح على المقاتل ، و نتمسك بشعار حرب التحرير الشعبية ، ثم نمارسه استبدادا على شعوبنا ، وما دمنا نقيس التفوق العسكري بحجم النخوة والبهورة والإيمان بالله أو بالقضية ، لا بدقة الحسابات العلمية ، وما دمنا نفرط بوحدتنا الوطنية لصالح مشاريع تتجاوز حدود الوطن أو تقصر عنه .
الانتصار على إسرائيل لن يكون إلا بشروط ، تبدأ بالنقاش الهادئ بعيدا عن السبابات والصراخ والبهورات وعرض العضلات ، وبعيدا عن المهاترات بين سلطة ومعارضة ، وأكثرية وأقلية ، يمينية أو يسارية ، ثورية أو رجعية ، زالت الحدود بينها فصارت كلها يشبه بعضها بعضا .
في ظل النقاش الهادئ نبحث عن أسس :
1- كيف نحصن الوحدة الوطنية
2- كيف نعيد بناء الدولة ، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والديمقراطية والحريات والعدالة
3- كيف نبني وطنا يكون المقدس الوحيد فيه هو الإنسان
4- كيف نصوغ مشروعنا الحضاري للمواجهة ، تكون البندقية أداته لا غايته
5- كيف نكون جزءا من أمة الربيع العربي التي بدأت تدخل التاريخ بعد أن خرجت منه لقرون ، فنبني نظاما ديمقراطيا بديلا من نظام المحاصصة.