مجلس النواب يدمر الدولة

محمد علي مقلد
2012 / 7 / 8

من المفترض أن يشكل البرلمان أكبر ضمانة للدولة ، لأن النظام اللبناني ، بالتعريف ، هو نظام برلماني ، ومن المفترض أن يكون محلا لإطفاء الأزمات وتنفيس الاحتقانات ، واجتراح الحلول للقضايا المتفجرة والأزمات المستعصية، ولكن!!!
صار البرلمان اللبناني ، حين انقعاده ، منصة للمبارزة والمواجهة بين المتخاصمين ، يكرر الخطاب السياسي بين المتنازعين ، ويستعيد لغة الشارع ، ويجدد الاحتقان ، ويرسخ الانقسام . أما خلال إجازاته الطويلة فهو منصة أيضا لنواب الأحزاب ( لأنهم ليسوا نواب الأمة ) لعقد المؤتمرات الصحافية والمؤتمرات المضادة، لإطلاق حملات التشهير المتبادلة والتحديات المتقابلة.
والبرلمان اللبناني في إجازة معظم أيام السنة ، وتقفل أبوابه خصوصا أوقات الأزمات ، ويعطل نصابه في اللحظات الحرجة ، ويتخلى عن دوره لأي مؤتمر حوار آخر يعقد في خارج مقره ، أي في القصر الجمهوري أو في الطائف أو في الدوحة أو في باريس ، أو في جنيف .
وإذا كانت مهمات البرلمان المحددة في الدستور هي التشريع ومراقبة الحكومة ومحاسبتها ، فإن البرلمان اللبناني ألغى عمليا مبدأ الفصل بين السلطات، فصار بعض التشريع جزءا من صلاحيات الحكومة ، وتكفل أعضاء المجلس النيابي برعاية احتفالات تدشين المشاريع الحكومية ، وأمعنت السلطتان التنفيذية والتشريعية في التدخل في شؤون القضاء والالتفاف على قراراته وأحكامه وتدمير استقلاليته.
تواطؤ البرلمان اللبناني مع الحكومة أدى إلى إلغاء دور الهيئات الرقابية ( مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة وغيرها) التي أنشئت لحماية إدارات الدولة من المحسوبيات ، كما أدى إلى تعطيل ركن أساسي من أركان الدولة الحديثة ، ركن الكفاءة وتكافؤ الفرص ، ليحل محله معيار الطاعة والولاء والاستزلام الرخيص ، فصار يتبوأ مراكز القرار العليا في الإدارة والجيش والأمن من يفضل الولاء للزعيم على الولاء للوطن ، واحترام رغبة ولي النعمة وقراراته على احترام القانون.
المعركة الأخيرة التي دارت في أروقته ثم في أروقة الحكومة على موضوع الموظفين المتعاقدين مع شركة الكهرباء كشفت عورة البرلمان اللبناني . فالنواب الذين وافقوا على تثبيت المتعاقدين لم يحترموا مبدأ الكفاءة ، ذلك أن الأغلبية الساحقة من المطالبين بحق التثبيت ، لا يتمتعون بأية أهلية للعمل ، لأنهم ، ببساطة ، لا يقومون بأي عمل داخل المؤسسة ، تشبها بالمتعاقدين سابقا مع وزارة الإعلام الذين كان معظمهم من الأميين ، بالمعنى الحرفي للأمية. وهذه ، في حد ذاتها فضيحة ، لأن نواب " الأمة" يدافعون عن مصالح أتباعهم من المحازبين لا عن مصلحة الوطن والدولة.
أما النواب الذين قاطعوا الجلسة النيابية فهم موافقون على انتهاك مبدأ الكفاءة لكنهم يعترضون على اختلال التوازن بين الحصص الحزبية ، والأخطر في الأمر ، أن الفريقين من " نواب الأمة" دفعا المسألة ، بعدم درايتهما ، لإنهما إن كانا يدريان فالمصيبة أكبر، إلى مقارنات تحاصصية بين مسيحي ومسلم ، قد تكون مقصودة هذه الأيام للتخفيف من حدة الاحتقان الشيعي السني.
أيا تكن هوية المسؤول عن هذا الانحطاط في العمل البرلماني ، فالشيعية السياسية معنية أكثر من سواها لأنها على رأس البرلمان.