جورج حاوي: مقطع من وصية الشجاعة

محمد علي مقلد
2012 / 6 / 21

تكريما لجورج حاوي في ذكراه
كتب النص في تموز 2005 ولم ينشر في حينه
أيها الرفاق الشيوعيون
" مشكلة الحزب أن قوته أقل من حجمه بدلا من أن يكون وزنه أضعاف حجمه كما كان في السابق، وذلك لانعدام العمل الوطني والبرنامج الوطني والرافعة الوطنية "(مقابلة أجراها معي غسان شربل ونشرتها جريدة الحياة )
حزبنا كان طليعيا ، أي في مقدمة الصفوف وفي قلب الأحداث وعلى رأس كل المواجهات الصعبة ، في كل النضالات المطلبية والوطنية والقومية . وبالرغم من صغر حجمنا ، كان حزبنا لاعبا أساسيا على الصعيد الدولي ، وقد جسد ذلك ، على الأقل ، في موقعه المحترم بين الأحزاب الشقيقة والحليفة، وفي مبادراته الغزيرة وتحركاته الكثيفة ، في كل المناسبات وعند كل المنعطفات ، الخ ... وقد عرف بدوره هذا يوم كنت على رأس قيادته ، لكن الفضل لم يكن لي وحدي ، بل لأداء جماعي على مستوى القيادة المركزية والقيادات الوسيطة ، ولمستوى عال من الكفاحية في صفوف الشيوعيين . بعد غيابي عن العمل القيادي ظهرت أزمة الحزب إلى العلن ، وبدا في الظاهر أن نهضته ارتبطت بوجودي وتراجعه بغيابي ، وأنا لا أريد أن يستقر الرأي العام على هذا الاعتقاد . فإذا كان صحيحا أن القائد يصنع الحزب على صورته ومثاله ، فالصحيح أيضا أنني كنت أستمد من شجاعة الحزب شجاعتي ومن كفاحيته كفاحيتي ومن قيمه النضالية قيمي .
أعترف لكم أنني كنت جبانا و غادرت العمل القيادي مرتين ، الأولى من الأمانة العامة بعد المؤتمر السادس ، والثانية من رئاسة المجلس الوطني بعد المؤتمر الثامن ، والسبب في الحالتين واحد ، وهوأنني لم أستلهم تراث الحزب بل انحنيت أمام اعتراضات بعض رفاقي في القيادة على أسلوب عملي وغزارة مبادراتي . وأعترف أنني كنت مخطئا في المرتين ، لأنني لم أكن أملك ، في مواجهة المعترضين على خياراتي لحل أزمة الحزب ، شجاعة تشبه تلك التي واجهت بها خصومي أو حلفائي حين كان يتعلق الأمر بقضايا الوطن والأمة . كنت ضعيفا أمام الحزب وفضلت ، في المرتين ، أن أتراجع أمام الأقلية المعترضة ، التزاما مني بالخيار الديمقراطي الذي أقره المؤتمر ، ومن أصول هذا الخيار الافساح في المجال أمام المعارضة لكي تجرب خياراتها ، واقتناعا مني بأن وحدة الحزب ، مصانة في غيابي ، أهم وأغلى على قلبي من البقاء على رأس القيادة ، وفضلت أن أتخلى عن لعبة الأكثرية والأقلية التي كانت التوازنات فيها لمصلحة الحفاظ على موقعي القيادي ، والتي توهمت أنها قد تصون هذا الموقع لكنها لن تصون وحدة الحزب ، و ألا أكون شاهدا على تفاقم أزمة تتعدى أبعادها حدود الأعباء التي يحملني إياها موقعي في الأمانة العامة .
لكي لا تقع سيرتي في مهب التأويلات التي لا يملك أحد حق احتكارها الحصري . وحتى لا يتنازع الرفاق إرثي النضالي ، ولا يستأثر به أحد ، لأنه صار ملكا للحزب كله وللوطن ، فإنني أسارع إلى الكلام عن الحزب في مسألة الحضور والفاعلية اللتين افتقدهما في غيابي عن العمل القيادي ، وهو كلام موجه بالدرجة الأولى إلى قيادة الحزب أيا يكن منكم على رأسها .
الشيوعيون حاضرون جاهزون لتلبية نداءات الحزب في كل مجال ، وهم ناجحون في أداء دورهم الريادي كل في ميدان عمله . لكن دور الحزب يتعطل ، حضورا وفعالية ، حين تفقد القيادة بوصلة النضال ، وتعجز عن قراءة جهوزية الشيوعيين قراءة سليمة ، وتفقد دورها موجها ومرشدا وقدوة أمام المناضلين، وتغيب ويغيب الحزب ، معها وبسببها ، عن المساهمة في بناء " إطار وطني وبرنامج وطني ورافعة وطنية " ، فيتبعثر نضال الشيوعيين وتتشتت جهودهم وتتهدد وحدتهم .
حل أزمة الحزب يقع خارج الحزب ،أي خارج إطار المناكفات الضيقة ، ، فالأزمة ليست أزمة علاقة بين الشيوعيين ، بل هي أزمة علاقة الحزب بالمجتمع ، وهي التي تعكس نفسها على وضعه الداخلي . وقد أخطأت حين اعتقدت أن خروجي من العمل القيادي قد يكون منجاة للحزب من الغرق في دوامة صراعات داخلية ، وثمنا شخصيا أدفعه فدى وحدته ، وتحفيزا للمعارضين ليبحثوا عن جذور الأزمة خارج دوري وموقعي ، فاستقلت لأعطي فرصة للقيادة حتى تنكب على صياغة برنامج وقضية ورافعة ، بدل تلك التي كنا نستند إليها ونهتدي بها في مرحلة نهوضنا . إلا أن الأمور لم تمض في الاتجاه الذي توهمته ، وبدا الإصرار القيادي على حصر الأزمة داخل جدران الحزب هو أقصر الطرق إلى التشرنق والعزلة ، لأن من الطبيعي أن تؤدي تغذية العداوات والخصومات بين الشيوعيين إلى ترسيخ تقاليد النفور من الأقربين ثم من الحلفاء الطبيعيين ثم المحتملين ، الخ . وهكذا يتحول البحث عن حل أزمة الحزب داخل الحزب وليس خارجه إلى بؤرة للخلافات والانشقاقات والتشرذم والاحباط والتفكك والانحلال ، وليس الشيوعيون في القواعد مسؤولين عن ذلك ، بل تتحمل القيادة هذا الوزر لأن على عاتقها ، وعلى عاتقها وحدها ، يقع عبء لم الشمل وتوحيد الجهود ، ولا يتم ذلك ببناء عصبية حزبية تبحث عن عداوات ، ولا ببناء عصبيات متنافرة داخل الحزب ، بل ببناء عصبية تبحث عن رافعة وعن حلفاء وعن قضية جامعة .
خروج القيادة من شرنقة الخلافات الداخلية ، يتطلب مقدارا من الشجاعة هو الشرط الأساسي لحضور الحزب وفاعليته . هكذا كنا ، في أيام عزنا ، لا ننتظر من أحد إشارة لكي نبادر ، كنا نحن نستبق الأحداث ونستشرفها ونضع سيناريوهات الحلول لكل معضلة قبل حصولها . وهكذا استمر سلوكي خارج العمل القيادي ، أملا في أن تشكل مبادراتي وتحركاتي رافعة لنهوضنا الحزبي ، غير أن القيادة تعاملت مع نشاطي بحذر ورمته بالشبهة ، وصارت الأحداث تسبقنا وراح يجرجرنا التردد ويحولنا إلى ملحقات ثانوية بالأطر والأحلاف ، و يرمي بنا التكاسل والجمود في هامش الحركة السياسية ، بل في ذيلها ، ثم نتخلف عن القافلة والقطيع كالبعير الأعرج ، فلا نجد حولنا إلا قوى مصابة بالإعاقة وباحثة عن دور ، ولكن خارج التاريخ .
والشجاعة لا تعني البحث عن نقاط التمايز عن الآخرين ، وبالتالي توسيع الهوة بيننا وبينهم ، تشهيرا بهم وطعنا بمواقفهم وإظهارا لمثالبهم ، بل هي تعني البحث عن نقاط الالتقاء مع من نتمايز عنهم ،( والطبيعي أن نكون متمايزين عن كل الآخرين) ، وذلك لتوسيع الهوامش المشتركة معهم ، وفتح الأفق أمام بناء جبهات عريضة في مواجهة الخطر الأساسي .
والشجاعة تعني أن نكون في مقدمة الصفوف من أجل القضية ، أية قضية ، لا أن ننزوي متفرجين على سير المعارك والمواجهات ، نعد النقاط ونلعب دور حكم الساحة ، ونضع علامات للمتبارين كأننا نصحح مسابقات الامتحان ، فالحزب هو الذي يخضع للامتحان في كل معركة وفي كل مواجهة . أما إذا وقف الحزب موقف المتفرج ، أي إذا لم ينخرط في المعارك العامة ، خارج الحزب ، فمن الطبيعي أن يرتد إلى مناكفاته الداخلية ، ومن الطبيعي أن تدفع به هذه المناكفات نحو التشرذم .
والشجاعة تعني الحضور ، حضور الحزب من خلال ممثليه ، في كل اللقاءات والاجتماعات والمناسبات ، في التصريح والظهور الإعلامي على مسرح الأحداث ، في تقديم الاقتراحات وإعلان المبادرات . أما الاكتفاء بالتحليل من وراء المكاتب أو بالبيانات الدورية فهو مقتل للحزب وطمس لحيويته ونفي لفاعليته . والشجاعة هي اقتحام ساحات الوغى ، أما التراشق من بعيد فهو لغة الخائفين من المواجهة .
الشجاعة قد تقتل أصحابها لكن شجاعة الموقف هي وحدها شرط حياة الحزب . " إذا لم تكن شيئا لن تكون شهيدا " . ولا يكون قائدا من لا يكون شجاعا .
قد تكون الشجاعة في إبداء الرأي ، على قول المتنبي " الرأي قبل شجاعة الشجعان " ، وقد تكون في الموقف . قد تكون في الإقدام والكر والهجوم والمغامرة واقتحام المجهول ، وقد تكون أحيانا في التراجع والفر والتحفز وتجميع القوى لمعاودة الهجوم ، على طريقة "خطوتان إلى الوراء خطوة إلى الأمام " ، لكنها لا تكون أبدا في التهجم والتجديف على الآخرين ، ولا في الانزواء وراء المكاتب والخوف من الجمهور والتهيب من وسائل الإعلام والخشية من مواجهة التباين مع الآخرين ، خصوما أو حلفاء ، أو الاكتفاء بالمواجهة من بعيد عبر رشق التهم والتستر بالطهارة الثورية ، لأن كل ذلك هو الطريق الأقصر إلى تنظيم الخلافات الحزبية وتأجيجها ، والسبيل الأمثل إلى تدمير الحزب من داخله .
والشجاعة هي المهارة في تحديد الخصم ( التناقض الرئيسي ) . أما التلطي وراء الخصومات الوهمية والتناقضات المؤجلة ، وافتعال التناقض مع رفاق وحلفاء وخصوم محتملين فهو هروب من المعارك الحقيقية ، وهو خوف من ركوب مركب الخطر الشخصي ، على حساب الحزب ودوره وحضوره وفعله في المجتمع والأحداث .
والشجاعة ثقة بالنفس ، وهي ، قبل ذلك ، ثقة بالحزب ومناضليه . ولا يكون قائدا من يخاف من رفاقه ومن النقد .
والشجاعة وضوح رؤيا ، فالغشاوة على عين القائد تصيب الحزب كله بالعمى وتهدده بالوقوع في أصغر الحفر .
والشجاعة أخلاق وقيم ، ولا يكون شجاعا من تكبر في عينه صغائر المصالح الشخصية ، بل الشجاع والعظيم هو " من تصغر في عينه العظائم " ، فلا يتمسك بكرسي أو موقع ، وهو من يجاهر في قول الحق ولا يخشى في ذلك لومة لائم .
ولا يضير الشجاعة أن تكون في بعض الأحيان تهورا ، لأن الثورة ، في جزء منها ، مغامرة كبيرة " يخطط لها العقلاء ويخوضها الشجعان " ولا يجوز أن يقطف أو يبدد ثمارها الجبناء.
أيها الشيوعيون
الذين قتلوني كانوا يستهدفون قتل شجاعتكم ، التي باسمها وباسمكم وقعت بيان السادس عشر من أيلول 1982 ، فلا تدعوا أحدا يقتل الشجاعة فيكم . ولا تجيزوا قتلي مرتين .