في نقد اليسار، نحو يسار عربي جديد

محمد علي مقلد
2012 / 4 / 17

تحت وطأة انهيار التجربة الاشتراكية ومعسكرها انقسم اليسار في العالم وفي العالم العربي وتوزع على ثلاثة تيارات رئيسية : تبرأ تيار أول من ماضيه الفكري والنضالي والسياسي محملا رواد التجربة من ماركس ولينين إلى كل القادة التاريخيين في الحركة الاشتراكية مسؤولية الأخطاء النظرية والتطبيقية، نافيا أية فضيلة لتلك التجربة؛ ولجأ تيار ثان إلى نظرية المؤامرة ليفسر أسباب الفشل، متمسكا بحرفية التجربة ومبرئا قادة الفكر والنضال الاشتراكي من أية مسؤولية عن الانهيار، فيما انكبّ آخرون على نقد التجربة وتقويمها واستخلاص العبر منها ، إلى أن جاء الربيع العربي ليكشف بشكل لا لبس فيه أن اليسار، الذي كان غائبا كتنظيمات حزبية عن الثورة على الاستبداد ، كان حاضرا من خلال المشاركة الفاعلة ليساريين من كل الأطياف، ممن تخلوا عن روابطهم التنظيمية وأقاموا على ضفاف الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها، أو ممن تمردوا على قرارات أحزابهم الداعمة لأنظمة الاستبداد، كما كان حاضرا، وهذا هو الأهم، من خلال القيم السياسية والثقافية التي عمل على نشرها قبل الانهيار، وبذلك شكل الربيع العربي منعطفا عمليا في نقد ماضي اليسار، موجها الدعوة إليه صريحة ليعيد رسم مستقبله، موفرا للمفكرين والمناضلين فرص الاستفادة من الثورة الشبابية واستخلاص الدروس السليمة منها.
لقد انطلقت ورشة النقاش النظري حول مستقبل اليسار والاشتراكية ، وانخرط فيها فلاسفة ومؤرخون واقتصاديون متحدرون من التراث الماركسي . غير أن هذه الورشة افتقرت إلى الحد الأدنى من التنسيق والإدارة الكفيلة باستخلاص النتائج النظرية وترجمتها إلى لغة سياسية وشعارات ومهمات نضالية . إن الجهة الصالحة لإدارة النقاش ولعب الدور التنسيقي والانخراط في الصراع الإيديولوجي المفتوح على مداه ، بعد سقوط الأصوليات الماركسية والقومية والدينية ، هي يسار عربي جديد يعيد قراءة كل التراث النظري والمصطلحات المتعلقة بالثورة والصراع الطبقي ، ويعمل على تأصيلها وتبيئتها وتلقيحها بمعطيات العلوم والمعارف الحديثة .
بزوال المعسكر الاشتراكي زالت الحدود السياسية والجغرافية من حلبة الصراع العالمي وتخلخلت القيم والمعايير وتشوشت الحدود بين اليسار واليمين، ولا سيما بعد أن سيطرت الأحادية القطبية طيلة عقدين كاملين، وشاركت حكومات يسارية أوروبية وأنظمة محسوبة على الحركة القومية العربية في المعارك التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية في يوغسلافيا وفي حرب الخليج الأولى ، وقد تفاقم هذا التشوش مع انتشار نظريتي نهاية التاريخ وصراع الحضارات اللتين سرعان ما بهت وهجهما لتنقشع حقائق أخرى كان من أهمها:

1. شكل سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية خسارة كبرى على كل الشعوب المستضعفة التي كانت ترى فيهما سندا في مواجهة الرأسمالية المتوحشة ومنظماتها الاقتصادية والمالية ، وخسارة أيضا على كل الأحزاب الملتحقة بهما في برامجها وسياساتها وأولويات مهماتها، والتي تيتمت بغيابهما ، بعد أن غلبت عليها صفة " اليسار الدولي" على حساب وجهها الوطني و المحلي. غير أنه قد يكون من الآثار الإيجابية للانهيار وضع اليسار أمام مسؤولياته التاريخية في أن يتحرر من التبعية ويصبح أكثر ثقة بالنفس فيعطي الأولوية للتناقضات الطبقية والسياسية الداخلية، ويعيد النظر بدوره وبخريطة تحالفاته ورسم سياساته في مناهضة النظام العالمي الجديد، وأن يكون شريكا في المبادرة لبناء أممية جديدة على أنقاض الأممية السابقة.
لقد بدا لشعوب المنظومة الاشتراكية وشعوب العالم الثالث المتحالفة معها أنها دخلت ، بعد الانهيار، مرحلة جديدة تعتمد على( أو تطمح إلى) بناء أنظمة تقوم على الديمقراطية واحترام الحريات السياسية وحرية المبادرة الاقتصادية والاستثمارات المالية . ولئن كانت هذه التحولات قد ظهرت في إسبانيا واليونان وأوروبا الشرقية وفي دول من أميركا اللاتينية قبل الانهيار وبعده ، فهي انتظرت الربيع العربي ليطلق عملية التحول هذه في منطقتنا.ولم يحصل الانفتاح على الديمقراطية والحريات السياسية من دون خسائر، بل ترافق مع انهيار مجموعة من المكاسب والقيم التي كانت قد حققتها الانظمة الاشتراكية لشعوبها وساعدت شعوبا أخرى على تحقيقها، كما ترافقت التحولات مع حالة من عدم الاستقرار لا يمكن التكهن بمداها وبتعقيداتها ، وسيكون ذلك رهنا بدور محوري ينبغي أن يلعبه اليسار في البلدان التي حصلت فيها انتفاضات أو ثورات أو تغييرات سلمية.

2. على أنقاض اليسار العالمي المنهار نشأ نظام عالمي أحادي ، تمثل بسيطرة اقتصادية للرأسمالية العالمية ، معززة بإيديولوجية نهاية التاريخ وصراع الحضارات، التي سرعان ما كشف زيفَها تفاقمُ أزمتيها المالية والاقتصادية اللتين عصفتا بالمراكز الرأسمالية الكبرى، وتفاقم أزمتها السياسية، بعد أن تبددت أوهام السيطرة الأحادية على العالم وظهرت كلفتها العالية. أما وقد انجلى غبار الانهيار وخفت ضجيج السيطرة الإمبريالية وبهت وهج أيديولوجية نهاية التاريخ ، فقد بات من الملح أن يخرج اليسار من ذهوله وانكفائه ، ليواكب ولادة جيله الثالث ، بعد جيله الأول الذي استلهم من الثورة الفرنسية إسمه ومضمونه ، وجيله الثاني الذي نشأ في حضن الثورتين السوفياتية والصينية .إن على هذا الجيل الثالث أن يبدد نوعين من الأوهام، الفوكويامية القائلة بنهاية التاريخ، والسوفياتية القائلة بأن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية، ويرسم خطة أكثر واقعية وملموسية تظهر فيها بوضوح خصوصيات البلدان والمجتمعات والدول ، بديلا عن الوصفات الجاهزة التي اعتمد اليسار تطبيقها في كل زمان ومكان.

3. اثبت انهيار التجربة الاشتراكية المحققة من جهة، وتفاقم الأزمات الدورية للرأسمالية من جهة أخرى، أن اليسار في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الماركسية منهجا علميا لتفسير العالم ومرشدا نظريا لتغييره ، وقد أكد هذه الحاجة إقبال غير مسبوق، من اليسار ومن سواه، على ما كان قد كتبه ماركس عن الرأسمالية قبل قرنين، وذلك بحثا عن تفسير لآخر الأزمات المعاصرة التي عصفت بالاقتصاد العالمي. غير أن هذه الحاجة تتطلب أولاً قراءة غير أحادية للماركسية، تتفادى التعميم السوفياتي وتسعى إلى استخدام ما تضمنه منهجها من قوانين علمية، وتخليصها من الأفكار الإيديولوجية التي أثبتت الوقائع عقمها أوعدم جدواها، إما بسبب التأويلات المتعسفة أو بسبب بلوغها حدودها التاريخية ؛ كما تتطلب ثانيا الكف عن الاعتقاد بإن الماركسية هي نهاية تاريخ العلوم والمعارف، والعمل بالتالي على تجديدها وتحديثها، وذلك بوصلها بكل المعارف والعلوم التي تغني النظرية وتمنح مصطلح الثورة مدلوله الحقيقي بعد أن شوهته الانقلابات الفوقية التي قادها ضباط أو معممون أو رجال مخابرات، واقترنت بالعنف والارهاب وممارسة الاستبداد، واقتصر التغيير فيها على تبديل المواقع في هرم السلطة، كما يتطلب تجديدها وتحديثها إعادة النظر بكل المفاهيم المتعلقة بالثورة والتغيير والطبقة العاملة والبروليتاريا والصراع الطبقي، الخ . وشحنها بمدلولات ومضامين جديدة على ضوء العلوم والمعارف والوقائع والمعطيات الحديثة في العالم.

4. التزاما منه بأولويات الصراع العالمي بين المعسكرين ،غلّب اليسار الشيوعي العربي التناقضات الخارجية على التناقضات الطبقية الداخلية ، فاتسعت مساحة العمل المشترك مع الحركة القومية العربية ونشأت أشكال من التعاون والتنافس والصراع والتلاقح ، فتمركست تيارات قومية ، وتخلت أحزاب شيوعية ، في المقابل، عن الجانب الطبقي من صراعها الداخلي أو جعلته في آخر قائمة أولوياتها، وتشوه بفعل ذلك المضمون التقدمي لفكرة اليسار، ونشأ تحالف هش في مواجهة "الإمبريالية والصهيونية والاستعمار" دفع اليسار كلفته غاليا، بعد أن استولى حلفاؤه على خصوصيته اليسارية والاشتراكية والأممية وحددوا له حجم مشاركته في حمل الهموم القومية من موقع هامشي غير موثوق وغير ثابت ، وانتظروا لحظة الانهيار ليستكملوا تقاسم ثروته البشرية والثقافية والنضالية .

5. لقد انصب اهتمام ماركس على الجانب الاقتصادي من تطور الرأسمالية سعيا وراء تفسير التاريخ واستخراج قوانينه، ولذلك خلت الكتابات الماركسية من بحوث في السياسية توازي ، في عمقها، بحوثها الاقتصادية. كما أن لينين، من جانبه، لم ينطلق من نضج الظروف اقتصادية ، بل اقتنص لحظة سياسية كانت فيها الدول الرأسمالية في ذروة تناحرها ، لينآى بروسيا عن الحرب العالمية ويبني فيها نظاما جديدا مستلهما من أدبيات الفكر الماركسي ، فاقترن نجاح الثورة بالوصول إلى السلطة فحسب ، وجرى تأويل أفكار ماركس المبعثرة عن الدولة تأويلا أيديولوجيا مفاده القضاء على الدولة ( الرأسمالية ) بدل النضال والعمل على تأمين الشروط المادية لاضمحلال الدولة (الدولة بالمطلق بما في ذلك الدولة الاشتراكية) . وذلك من أجل بناء مجتمع( فاضل) اشتراكي يمهد لقيام المجتمع الشيوعي.

6. أثبتت نتائج الانهيار أن التجربة الاشتراكية قصرت عن الرأسمالية في تطوير القوى المنتجة لكنها تفوقت عليها في توزيع الثروة توزيعا خفف من حجم الكوارث الاجتماعية الناجمة من التفاوت الطبقي داخل بلدان العالم الراسمالي ومن التطور اللامتكافئ بين مركزه وأطرافه. ولذلك بات على اليسارالعربي اليوم ، بعد أن بنى برامجه على هاجس الاستقلال الاقتصادي وفك التبعية عن الاستعمار(عن الرأسمالية)، أن يناضل لتحسين شروطه داخل الرأسمالية، مستندا إلى كتلة ضخمة من الدراسات الاقتصادية وضعها مفكرون تقدميون ماركسيون من العالم العربي ومن كل العالم، ومسترشدا بها لإعادة بناء مشروعه الهادف إلى تجاوز النظام الاقتصادي في الرأسمالية ، ومسترشدا أيضا بتجارب عالمية تميزت بطابع اشتراكي في بعض بلدان شمال أوروبا ولا سيما السويد والدنمرك وبعض بلدان أميركا اللاتينية ولا سيما البرازيل ، وبتجربة الصين التي اعتمدت، بديلا عن اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه ، نظرية اقتصاد السوق الاشتراكي، الخ. وكذلك بتجارب البلدان التي تحولت من الاشتراكية إلى الرأسمالية في أوروبا الشرقية ، كل ذلك بحثا عن حلول اقتصادية مرحلية مناسبة لبلدان العالم العربي منفردة ومجتمعة.

7. بتركيزه على الجانب الاقتصادي، أغفل اليسار كون الرأسمالية منظومة كاملة من القيم الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والفنية ، الخ. شكلت ، بحسب ماركس، بديلا ثوريا تقدميا من منظومة أخرى كانت سائدة في حضارة العصور الاقطاعية ، وبالتالي فإن تجاوزها لا يتم بالتبسيط الذي تخيله اليسار العالمي ، بثورتيه السوفياتية والصينية ، أي بمجرد استلام قوى سياسية جديدة ، تزعم تمثيلها لليسار، السلطة عن طريق الثورة المسلحة أو الثورة الثقافية أو الثورة الجماهيرية، أو بانقلاب يقوده ضباط أو معممون أو زعماء قبائل، بل هو عملية معقدة طويلة الأمد لا تتحقق إلا عندما تبلغ الرأسمالية حدودها التاريخية وتنضج ظروف بديلها الثوري التقدمي التاريخي كحضارة، أي كمنظومة كاملة من القيم الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والفنية قد تحمل الإسم الذي أطلقه عليها ماركس : الاشتراكية. هذه المنظومة الجديدة التي تمهد لاضمحلال الدولة تستند إلى نمط من علاقات الانتاج المادي والروحي تتضافر فيه كل مقومات الحضارة الجديدة وتلعب فيه منظومة القيم الأخلاقية دورا مركزيا بديلا عن القوانين الوضعية أو مساعدا لها ورقيبا عليها. إن القيم الأخلاقية في الاشتراكية تلعب دور القوانين في الدولة الرأسمالية. هذه العملية المعقدة تحتاج إلى يسار لا تقتصر مشاركته على النضال ضد على الرأسمالية والعمل على تجاوزها فحسب، بل إلى أنضاج بدائلها .

8. انطلق اليسار من الاعتقاد بأن العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية ، ورسم برامجه وحدد جبهة أعدائه وجبهة حلفائه على هذا الأساس ، فكان من أثمان ذلك ، مع استثناءات قليلة لا تغير في طبيعة المشهد العام، تماهي اليسار العربي بالحركة القومية العربية والنضال تحت عباءتها والتخلي عن خصوصيته وتمايزه عنها. وإذا كان من مآثر تلك الحركة مجابهتها الوجود الاستعماري المباشر وتحقيقها انتصارات كبرى من أهمها استقلال الجزائر ومواجهة العدوان الثلاثي على مصر وحصول معظم البلدان العربية على استقلالها خلال العقدين اللذين أعقبا الحرب العالمية الثانية ، غير أن هذه الحركة فشلت في مواجهة المشروع الصهيوني الذي اقتلع الفلسطينيين من أرضهم وأسس دولة توسعية عدوانية وهدد مصالح الشعوب و الدول المحيطة تهديدا مباشرا ، وسائر الدول العربية تهديدا غير مباشر، كما فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة في الوحدة والحرية والاشتراكية ، وأوصدت كل الأبواب أمام تطلعات الشعوب العربية إلى التقدم والدخول في حضارة العصر التي كانت أوروبا قد استلمت رايتها ، بعد أن حملتها الحضارة العربية ، في إطار سباق البدل، مدة ألفية من الزمن. ومع هذا الفشل أطبقت على العالم العربي من محيطه إلى خليجه أنظمة سياسية ترقى إلى حضارة سابقة، وتقوم على توارث السلطة وإحاطتها بنوع من القداسة لا تحظى بها إلا السلالات التي حكمت باسم الله لا باسم الشعب، على الضد تماما من مسار التطور العام في العالم المتجه إلى بناء الديمقراطيات واحترام حقوق الانسان وإقامة الجمهوريات.
لقد جاء الربيع العربي ليعيد الاعتبار إلى حقيقة الصراع الطبقي الداخلي، وليثبت أن الخطر الأساسي الذي هدد مستقبل الأمة العربية تمثل بسيطرة قوى داخلية مارست طغيانها السياسي والاقتصادي تحت ستار محاربة أعداء الخارج ، وأن البيئة الحاضنة للخطر الخارجي تمثلت في سوء إدارة الوضع الداخلي ، من جانب الحركة القومية التي شكل اليسار جزءا منها ولو غير مرغوب فيه، والتي تمادت في ممارسة الاستبداد والطغيان وطمست الخصوصيات القطرية وأججت مشاعر التنافس الشوفيني بين القوميات والإتينيات والطوائف والأديان التي يتشكل منها العالم العربي من محيطه إلى خليجه، وقد كان من خطايا اليسار، لا من أخطائه فحسب، التي لوثت تاريخه وجعلت سقوطه مدويا ، تحالفه مع أعتى أنظمة الطغيان في حركة التحرر الوطني العربي ، في ليبيا والعراق وسوريا وغيرها.

9. سقطت الفرضية القائلة إن البشرية تعيش "عصر الانتقال إلى الاشتراكية"، وبات على اليسار أن يعيد رسم حلمه على أسس جديدة ، ويعيد النظر بالبديهيات السابقة التي أنتجتها المرحلة السوفياتية، ويناضال داخل الرأسمالية لتحقيق الشروط الموضوعية لتجاوزها ، ويواجه مفاسدها وشرورها، وهي كثيرة ، ويستفيد من كونها ، كما قال عنها ماركس ، شكلت، حين قيامها، ثورة تقدمية ضد علاقات الانتاج السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية ، الخ التي كانت سائدة قبلها. أن أهم درس قدمته لنا هذه الثورة هو أنه ما كان لها أن تنجح وتترسخ في الحقلين الاقتصادي والثقافي لولا الحماية والضمانة اللتين تحققتا في الحقل السياسي( الثورتان الفرنسية والأميركية)، حين انتقل النظام السياسي من السلالات الوراثية إلى دولة الحق والقانون ، تتويجا لعمليات التحول الأخرى من الاقتصاد الزراعي والريعي إلى الاقتصاد الصناعي ، ومن العقل الغيبي والاسطوري إلى العقل العلمي. لقد شكل غياب هذه الأولوية عن الانقلابات الفوقية ، ولا سيما تلك التي عمت العالم العربي في مرحلته القومية ، تعبيرا عن فهم مغلوط لطبيعة الرأسمالية ، إذ لم يجد فيها اليسار إلا وجهها الاستعماري ، وغابت عن تحليله أن الاستعمار شكل مرحلة إلزامية في تطور الرأسمالية حكمته قوانين وآليات توسعها الأفقي والعمودي التي تحدث عنها ماركس.
على ذلك الفهم المغلوط والمجتزأ، حددت الحركة القومية العربية أولويات النضال الوطني، وطمست الصراعات الطبقية الداخلية وشطبت من قاموسها السياسي مصطلح الديمقراطية مع شجرة العائلة السياسية التي ينتمي إليها،(دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والفصل بين السلطات ، دولة الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان، الدولة المدنية ، العلمانية.الخ)، تحت ذرائع ومبررات سوغت لها اعتماد أنظمة سياسية استبدادية مستلهمة من أنظمة القرون الوسطى الوراثية ومن نظام الحزب الواحد في البلدان الشيوعية، أنظمة لم تجد سبيلا لإخفاء عجزها عن تحقيق المهمات التي تنطحت لها (تحرير فلسطين، الوحدة العربية، الاشتراكية، التحرر من الاستعمار) إلا بممارسة الاستبداد وقمع الحريات والقضاء على بذور الديمقراطية التي كانت قد بزغت في مرحلة الاستقلال.
جاء الربيع العربي ليضع تشخيصا جديدا للأزمة وليبدل ، على ضوء ذلك ، الأولويات في جدول العمل : لقد دخل العالم العربي في الحضارة الرأسمالية من أبواب شتى . غير أن استمرار الباب السياسي موصدا أمام التغيير الديمقراطي، في ظل استمرار أنظمة الاستبداد الوراثية ، الملكية والجمهورية، قائمة من المحيط إلى الخليج ، ألغى الضمانة الوحيدة لتعزيز إنجازات تحققت على الصعيد الاقتصادي فتفاقمت أعراض الرأسمالية الطرفية ، وإنجازات أخرى على الصعيد الثقافي، إذ بقيت نسبة الأمية مرتفعة ، ولم يتمكن العقل العلمي والعلماني من إحداث القطيعة المعرفية مع العقل الغيبي الأسطوري، فضلا عن أن أنظمة الاستبداد عجزت عن مواجهة التحدي الخارجي المتمثل بمشروع الدولة الصهيونية، ولم تميز بين المراحل المتعددة من تطور الرأسمالية العالمية ، ولا بين الصيغ المتنوعة التي جسدت ميل الرأسمالية إلى التوسع ، فلم تتغير صورة الاستعمار ، في نظر حركة التحرر الوطني العربية ، من بداية تكون الرأسمالية العالمية ( اكتشاف أميركا اللاتينية ) حتى غزو الفضاء والمحيطات وأشكال السيطرة العلمية والاقتصادية والتكنولوجية ، الخ. ولم تتغير بالتالي أشكال مواجهتها بل تجمدت على شكل وحيد هو النضال العسكري المسلح ومشتقاته كالمقاومة والممانعة والصمود والتصدي حتى في غياب الوجود العسكري الاستعماري المباشر ، وأغفلت معادلات اليسار القومي المتغيرات الهائلة السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية ، الخ. التي حصلت على امتداد القرن العشرين ، ولاسيما في نهايته عند سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية.

10. لقد استخف اليسار العربي بالديمقراطية واستصغر شأنها ورأى أن طرحها على جدول العمل بمثابة شد عربة التطور إلى الخلف، قياسا بمهمة بناء الاشتراكية ، وهي مهمة "متقدمة" من وجهة نظره . غير أن الربيع العربي أثبت أن الديمقراطية ثورة وهي ليست أقل أهمية ولا تحقيقها أقل كلفة من المهمات الوطنية والقومية والأممية الكبرى، وأن السبيل إلى الوصول إليها لن يتأمن إلا عبر سيرورة وعملية نضالية طويلة الأمد لن تنتهي بين ليلة وضحاها ، ولن تكتمل إلا إذا تعممت على كل بلدان العالم العربي من محيطه إلى خليجه.

11. على ضوء هذه المعطيات بات على اليسار العربي أن يعيد صياغة برنامج القضية القومية فيخلصها من مضمونها الشوفيني، ويلغي التناقض المفتعل فيها بين مصلحة الشعوب العربية بالوحدة والخصوصيات القطرية التي ترسخت خلال القرن العشرين ، ولا سيما أن الربيع العربي قد أكد على عمق الترابط الذي يجمع بين الشعوب العربية ماضيا وحاضرا ومصيرا مشتركا، وعلى أن الأزمة البنيوية في كل بلدان الوطن العربي ، تتمثل بوجود أنظمة استبدادية وملكيات وجمهوريات وراثية، جافت الديمقراطية وحقوق الإنسان وألغت الحريات السياسية والشخصية وعطلت الدساتير وزورت الإرادة الشعبية، كما أكد على أن برنامج الخروج من هذه الأزمة واحد في كل هذه البلدان ، وهو برنامج التغيير الديمقراطي الهادف إلى بناء دولة الحق والدستور، دولة الكفاءة وتكافؤ الفرص والفصل بين السلطات، دولة المواطنة والمساواة أمام القانون، دولة المحاسبة والمراقبة التي يختار فيها الشعب بإرادته الحرة نظامه السياسي وممثليه في الحكم بديلا من التوريث والتعيين والاستيلاء على السلطة ومصادرتها والاستئثار بها.
بموازاة برنامج التغيير الديمقراطي الخاص بكل بلد ، على اليسار أن يشارك بفعالية في صياغة برنامج قومي تحترم فيه خصوصيات كل بلد ، تحتل فيه القضية الفلسطينية موقعا مركزيا، على أساس التضامن مع الشعب الفلسطيني واحترام استقلالية قراره وعدم التدخل في شؤونه الداخلية ولا في شؤون أي شعب عربي آخر إلا من باب التضامن والتعاون ، تأسيسا لتكامل اقتصادي وسياسي ومالي وتربوي، الخ. وتطويرا وتفعيلا لكل المنظمات الإقليمية العربية ، بما يمهد لقيام أشكال تدريجية من الوحدة بين بلدان العالم العربي .

12. لقد خرج قطار العالم العربي عن سكة تطوره التاريخي حين اجتمعت الأصوليات اليسارية والدينية والقومية على إعلان عدائها السافر للديمقراطية في بداية القرن العشرين، إلى أن جاء الربيع العربي في بداية الحادي والعشرين ليضعه مجددا على سكة التطور الصحيحة . ومن المؤكد أن فوز الأصوليات الدينية في الانتخابات التشريعية قد حصل في سياق سياسي مختلف عن مسار الصراعات السابقة ، وجاء ليطوي صفحة الصراع على المشروع الأيديولوجي، فلم يكن شعار "الإسلام هو الحل " أساسيا ، ولا كانت القضية الاجتماعية ولا القضايا القومية هي المحرك الأساسي في الربيع العربي ، بل كان إجماع من كل القوى على شعار مركزي هو استبدال أنظمة الاستبداد بأنظمة ديمقراطية. إن الأصوليات المشاركة في الربيع العربي متحدرة من الأصوليات القديمة، ولذلك برزت خلال الثورات بقايا من شعاراتها ، وفازت بالأغلبية في أول انتخابات حرة. غير أن ما حصل ليس سوى بداية مخاض طويل ، تكون المراحل التالية منه رهن الدور الذي ينبغي على اليسار أن يلعبه لتصويب عجلة الربيع ، ولا سيما أن المشهد العام كان مطبوعا بطابع آخر عنوانه الأول وحدة الموقف الشعبي حول المواطنة والانتماء إلى الأوطان لا إلى الطوائف والمذاهب والأديان ، و النضال من أجل الديمقراطية سبيلا لا لإسقاط الاستبداد القديم فحسب ، بل للحؤول دون عودته مرة أخرى عن طريق الأصوليات.

13. إن المعطيات التاريخية والعلمية والمعرفية المعاصرة أثبتت أن تجربة الأحزاب "الانقلابية التآمرية " السرية ، المشكلة من فرق وخلايا ومجموعات ، في بناء هرمي يقوده أمين عام أو رئيس ومكتب سياسي ولجنة مركزية( يشبه التنظيم العسكري)، لم يعد مؤاتيا . وبات على اليسار أن يبتكر التنظيم الذي يتناسب مع مهمات بناء الدولة الحديثة ، ويستفيد من التطور التكنولوجي وسهولة التواصل وسرعة الاتصال، ويستلهم من تجارب مجموعات التلاقي المختلفة على الأنترنت، وتجارب الصحف والنشرات الإلكترونية ليبني تنظيما حديثا ، يكون العنصر المحرك فيه هو الموقف والقضية، وإطاره هو كل صيغ التواصل الممكنة من اجل تجميع وبناء الكتلة التاريخية القادرة على تحقيق التحول الديمقراطي.

14. ينتظم اليسار في مجموعات تشمل كل المنادين بالعلمانية والدولة المدنية والديمقراطية ، المنتظمين حول قضايا شاملة كالاشتراكية، والوحدة العربية، أو وطنية كالعلمنة والدفاع عن استقلالية القضاء ، أو بيئية تخص كل بلد ،أو حول قضايا مهنية كالنقابات العمالية والمهن الحرة والأجور، أو حول قضايا فكرية ، ولا سيما المتعلقة منها بتطوير الفكر الماركسي وبالصراع الايديولوجي،الخ. سعيا وراء تجميع وتشكيل الكتلة التاريخية للتغيير، على أن يستفيد من تجارب أحزاب الكادر كالحزب الاشتراكي الفرنسي، أو لتيارات تمكنت من بلوغ أهدافها التغييرية عن غير طريق العنف ، كالبرازيل وبعض بلدان أميركا اللاتينية، على أن تحترم كل صيغ التنوع والتعدد من داخل الوحدة بين قوى التغيير اليساري العلماني.