ملاحظات حول السيرة الذاتية للكاتبة سعاد خيري

جاسم الحلوائي
2012 / 3 / 12


شرعت الرفيقة سعاد خيري في نشر سيرتها الذاتية في موقع "الحوار المتمدن"، وهي سيرة حافلة بالخِبر والتجارب لما يزيد عن نصف قرن من النضال قي ظروف العراق المليئة بالصراعات القاسية والدامية والحروب وبالتقلبات والأحداث السياسة العاصفة، التي كان الحزب الشيوعي العراقي في قلبها أو جزء لا يتجزأ منها. والرفيقة سعاد عضو في هذا الحزب ورفيقة درب أحد أبرز قادته لفترة طويلة في النصف الثاني من القرن الماضي (1958-1985) وهو الفقيد الرفيق زكي خيري، ومن هنا يكتسب الموضوع أهميته الخاصة.
لست بصدد تقييم أو تدقيق كل ما كتبته المناضلة سعاد لحد الآن، خاصة وأنها لم تكمل المشوار بعدُ، بل لديّ ملاحظتين وجدت من الضروري إبدائهما الآن، وذلك أمانة للتاريخ باعتباري شاهد عيان فقد كنت عضوا في اللجنة المركزية وعضو سكرتاريتها في الفترة موضوعة البحث وحضرت جميع اجتماعات اللجنة المركزية آنذاك ولتجربتي عندما كتبت سيرتي الذاتية التي صدرت في كتابي "الحقيقة كما عشتها" .
الملاحظة الأولى هي أن الرفيقة سعاد تعتمد على ذاكرتها في الكتابة وهذا الأمر ليس بكاف، خاصة عندما يتعلق الموضوع بالأحداث ألتاريخية فالذاكرة ليست صادقة دائماً بل وإنها خائنة أحيانا (ومن هنا استدراك المتحدث أحياناً بالقول: "إن لم تخن الذاكرة") فالعودة إلى المصادر للتوثيق أمر ضروري، وهي أكثر ضرورة لكبار السن، فالدقة والمنهجية في البحث تتطلبه الأمانة التاريخية بشكل حاسم وهي مسؤولية ينبغي أن يتحملها الكاتب بجدارة.
الملاحظة الثانية، هي أن المناضلة سعاد لم تتجنب الوقوع في الذاتية. إن كتابة السيرة الذاتية هي من أكثر الكتابات خطورة في وقوع المرء في فخ الذاتية للصعوبة الكبيرة في تجنب ذلك، مع هذا يجب أن يكون المرء موضوعياً، ويكبح جماح عواطفه وأحاسيسه الذاتية ويكون رقيبا ًصارماً عليها. فلا يضخم دوره ودور ذويه على حساب دور الحركة السياسية أو الحزب الذي ينتمي اليه، وأن لا يبخس دور خصومه، بل وأن لا يبخس حتى دور الأعداء عندما يتعلق الأمر بقول الحقيقة.
ودليلي على ملاحظاتي هو بعض ما جاء في الفقرة التالية، وهي على سبيل المثال لا الحصر، من مقالها المعنون " العزلة في ظل الارهاب الدموي لحكم البعث” والمؤرخ في 9 آذار 2012. والمنشور في موقع "الحوار المتمدن".
"وفي ظل تصاعد الارهاب في صيف 1978 وتزايد تنازلات قيادة الحزب الشيوعي امام ضغوطات حكم البعث , واشتداد الصراع داخل الحزب الشيوعي جراء ذلك، جاءتنا دعوة لزيارة المانيا الديمقراطية [...] وبعد انتهاء الزيارة عدنا الى بغداد وسط تعجب الجميع لاسيما وقد غادر العراق معظم قادة الحزب الشيوعي بسبب تصاعد الارهاب, وتطوره من حملات الاعتقال والتعذيب حتى الموت والاغتيالات والاعدامات للمجندين وتحريم نشر اي نقد لسياسة الحكومة وحتى لسياسة بعض الانظمة الخليجية , الى ارهاب عام شمل تحريم دخول جريدة طريق الشعب الى الكليات والمعامل وحتى بيعها في مراكز بيع الصحف وتحريم وصولها الى الكثير من المدن, وتنفيذ الاعدامات بالجملة للمجندين , واختطاف الكوادر الحزبية . فتصاعد الصراع داخل الحزب الشيوعي والمطالبة بتحدي جميع القيود المفروضة على جريدته ونشر تقرير اللجنة المركزية بقيادة زكي خيري الذي انتقد مجمل سير السلطة من منطلق حماية التحالف. ولكن سلطة البعث لم تتحمل ذلك ودعت الى اجتماع عاجل للجنة العليا للجبهة . وحضر الاجتماع زكي خيري لغياب السكرتير, وكان الاجتماع الاخير للجنة العليا للجبهة الوطنية التقدمية بقيادة البعث . ورفض زكي خيري قطعيا سحب التقرير !! او الاعتذار!! عما جاء فيه من نقد لسلطة البعث رغم شرر التهديدات الموجهة للحزب الشيوعي وله شخصيا. فقد كان الاجتماع بقيادة صدام حسين وكان نائب رئيس الجمهورية أنذاك". الخطوط من وضعي، ج
تذكر الرفيقة سعاد في هذه الفقرة ما يلي: "عدنا الى بغداد [في صيف 1978] وسط تعجب الجميع لاسيما وقد غادر العراق معظم قادة الحزب الشيوعي".
لم يغادر العراق في الصيف المذكور للبقاء في الخارج لأسباب الصيانة سوى الرفيق عزيز محمد ورفيق أو رفيقين آخرين وبقرار حزبي وليس معظم قيادة الحزب. وقد نفدت جميع الاستراحات الممنوحة من الدول الاشتراكية للجنة المركزية في صيف تلك السنة وقد عاد جميع الرفاق بمن فيهم الفقيد الدكتور رحيم عجيتة وزوجته بشرى برتو وكاتب هذه السطور وزوجته ماجدة عطية الذين قضوا إجازتهم سوية في هنكارية. حيث عاد كاتب هذه السطور وزوجته نهاية اب من السنة المذكورة في حين عاد الدكتور رحيم وبشرى بداية أيلول ولم يتعجب أحد بعودتهم.
وتذكر الرفيقة سعاد في الفقرة المذكورة، بعد ذكر العديد من مظاهر الإرهاب ما يلي: "... وتنفيذ الاعدامات بالجملة للمجندين , واختطاف الكوادر الحزبية . فتصاعد الصراع داخل الحزب الشيوعي والمطالبة بتحدي جميع القيود المفروضة على جريدته ونشر تقرير اللجنة المركزية بقيادة زكي خيري الذي انتقد مجمل سير السلطة من منطلق حماية التحالف". ولكن سلطة البعث لم تتحمل ذلك ودعت الى اجتماع عاجل للجنة العليا للجبهة . وحضر الاجتماع زكي خيري لغياب السكرتير, وكان الاجتماع الاخير للجنة العليا للجبهة الوطنية التقدمية بقيادة البعث . ورفض زكي خيري قطعيا سحب التقرير !! او الاعتذار!! "
التقرير الذي تشير اليه الرفيقة سعاد هو التقرير الصادر عن الاجتماع الاعتيادي الكامل للجنة المركزية المنعقد في 10 آذار 1978 (راجع عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" الجزء الثالث، ص 162). وقد صدر التقرير قبل الاعدامات التي حدثت في النصف الثاني من شهر أيار وتحديداً في الأيام: 18،19، 27، 28، 29 أيار. ( راجع د. رحيم عجبنة "الاختيار المتجدد" ص 134) وقبل الحملة الوحشية التي كانت بمثابة رد فعل مباشر على التقرير وليس العكس. وهكذا تحول السبب إلى نتيجة واختلط الحابل بالنابل لاعتماد الرفيقة سعاد على ذاكرتها وبدون العودة إلى الوثائق.
ولم يكن للفقيد زكي خيري أي دور مميز في هذا التقرير دع عنك الدور القيادي. فمسودة التقرير كتبت من قبل الرفيق عبد الرزاق الصافي عضو المكتب السياسي والرفيقان رحيم عجينة وعادل حبه عضوا اللجنة المركزية (المعلومة الأخيرة أكدها الرفيق الصافي في اتصال هاتفي خلال كتابة هذه الكلمات ومساهمة عادل حبه مذكورة في سيرته الذاتية في موقع "الحوار المتمدن"). واجتماع اللجنة المركزية كان بقيادة الرفيق عزيز محمد السكرتير العام للجنة المركزية. والتقرير المذكور أقر بالإجماع. وهكذا فقد أدت ذاتية الرفيقة إلى تحويل موقف قيادة الحزب الجماعي في الوقوف بوجه حزب البعث إلى صورة كاركاترية بطلها زوجها، وبذلك شوّهت نقطة مضيئة في تاريخ الحزب ، كان الفقيد الرفيق زكي خيري يربأ بنفسه القيام بها لو كان حياً.
وتشير الرفيقة سعاد في نفس الفقرة إلى ما يليً: " ولكن سلطة البعث لم تتحمل ذلك ودعت الى اجتماع عاجل للجنة العليا للجبهة . وحضر الاجتماع زكي خيري لغياب السكرتير, وكان الاجتماع الاخير للجنة العليا للجبهة الوطنية التقدمية بقيادة البعث . ورفض زكي خيري قطعيا سحب التقرير !! او الاعتذار!! "
هذه الإشارة صحيحة وكان موقف الفقيد الرفيق زكي خيري تعبيراً عن موقف اللجنة المركزية أو الغالبية العظمى من أعضائها، ولم يكن موقفاً شخصياً.
نأمل من المناضلة سعاد خيري ونقترح عليها، إذا ما اقتنعت بالملاحظتين وهما العودة إلى الوثائق وتجنب الذاتية، أن تعيد النظر بما كتبته في ضوئهما وأن تأخذهما بنظر الاعتبار في كتاباتها اللاحقة.