الثورات العربية بعد عام

سمير أمين
2012 / 2 / 8

فيما يلى تأويلات تدعو إليها التطورات التى حدثت خلال العام الأول بعد انفجار الثورات العربية المعنية.

1.انتصار الإسلام السياسى فى انتخابات تونس ومصر

تفتح انتخابات تونس (أكتوبر 2011) السبيل إلى تبلور كتلة يمينية تعتمد على أغلبية فى المجلس المكلف بتحرير دستور جديد تضم حزب النهضة (الإخوان المسلمون) وشخصيات ممن"يزعمون الآن أنهم "بورقيبيون"، بعد أن كانوا تابعي نظام بن على.

ومن المحتمل أن يحقق هذا النظام الجديد بعض التقدمات الديموقراطية (احترام التعددية الحزبية وحرية الرأى وإيقاف الأنواع الأقسى من القمع البوليسي) إلى جانب ردات اجتماعية (حقوق النساء ؛ علمانية التعليم ؛ والدولة)، وذلك فى إطار يضمن استمرار الأوضاع على ما هى عليه فى مجال التنمية الاقتصادية.

والحركة الثورية فى تونس لم تطعن نمط التنمية المتبع فى عهد بن على، بل اعتبرته "سليما" فى حد ذاته، وأخذت بما قاله البنك الدولى!! واكتفت فى توجيه انتقاداتها للقمع البوليسي وفرض "إتاوات" على جميع الأنشطة الناجحة مما استحوذ عليها أفراد عائلة الرئيس. ولم يدرك الرأى العام (باستثناء جناح يساري معزول) أن هذا النمط من التنمية التابعة هو السبب فى تدهور الأوضاع الاجتماعية التى هيأت ظروف انتفاضة الجماهير.

والتحالف الحاكم الجديد لن يعدل مسيرة التطور التى إنشأها بورقيبة. فالنمط لن يعدو كونه "بورقيبية" مع جرع متصاعدة من تكريس الذاتية الإسلامية المزعومة.

وتلى فى مصر انتصار التيار الإسلامى على نطاق اوسع. ماذا يمكن توقعه من انجازات الإسلام السياسى وتأصله فى الجماهير وصعود صدى شعار "أسلمة المجتمع"، وبالتالى انتصاراته الانتخابية؟ تفترض الإجابة العودة إلى كشف أسباب هذا النجاح.

سبق قولي أن إزاحة تسييس المجتمع النابعة عن أسلوب عمل النظام الناصري تقوم خلف هذه الانجازات. علما بأن الناصرية لم تنفرد من هذه الزاوية. فمعظم النظم الوطنية الشعبية للموجه الأولى من صحوة الجنوب قد مارست منهجا مماثلا فى إدارة السياسة. علما أيضا بأن نظم الاشتراكية القائمة بالفعل قد شاركتها فى اتباع هذا المنهج، على الأقل بعد خروجها من مرحلة الثورة- الديموقراطية الطابع- وتكريس نظام حكمها.

فالقاسم المشترك هو إلغاء منهج العمل الديموقراطى. ولا أقصد هنا وضع علامة تساو بين الديموقراطية وبين إدارة انتخابات تعددية الأحزاب.

أقصد ممارسة الديموقراطية بالمعنى الصحيح للكلمة، أى احترام تعدد الآراء والاقتراحات السياسية واحترام تنظيمها- فالتسييس يفترض الديموقراطية والديموقراطية لا توجد إلا إذا كان هؤلاء الذين يختلفون فى الرأى مع السلطة يتمتعون بحرية التعبير. فإلغاء هذا الحق يحذف التسييس، وهو فى نهاية المطاف سبب الكارثة التالية.

وقد تجلت هذه الكارثة فى العودة إلى نظرات ما ضوية (ذات الطابع الدينى أو غيره) كما أنها تجلت فى قبول مشروع "مجتمع الاستهلاك" القائم على تكريس النزعة "الفردية" المزعومة، وهى نزعة انتشرت فى صفوف الفئات الوسطى المستفيدة من التنمية، بل فى صفوف الجماهير الفقيرة التى تطالب هى الأخرى المشاركة فى الرفاهية- ولو بقدر أقصى من البساطة- وذلك فى غياب مصداقية بديل حقيقي آخر. وبالتالى فلابد من اعتبار هذا الانحياز طبقيا، بله شرعيا.

لقد اتخذت إزاحة التسييسس فى المجتمعات الإسلامية شكلا سائدا تجلى فى "العودة"- الظاهرية- إلى "الإسلام". فأصبح خطاب الجوامع- إلى جانب خطاب السلطة- الوحيد المسموح له فى زمن الناصرية، بالأولى فى زمن السادات ومبارك. فأستغل هذا الخطاب من أجل إيقاف ظهور بديل قائم على التجذير فى تطلع اشتراكى، ثم شجع نظام السادات ومبارك هذا الخطاب "الدينى" ليصاحب و يساير تدهور ظروف المعيشة الناتج عن خضوع مصر لمقتضيات النمط الامبريالى للعولمة السائدة. لذلك قلت أن الإسلام السياسى لم ينتم إلى كتلة المعارضة- كما يزعم الإخوان المسلمون- بل كان جزءا عضويا فى نظام السلطة.

يتطلب تحديد أسباب نجاح الإسلام السياسى مزيدا من التوضيح فيما يتعلق ببيان العلاقة بين نجاح سيادة العولمة الامبريالية من جانب وصعود شعارات الإخوان من الجانب الآخر.

فالتدهور الذى صاحب العولمة المذكورة أنتج تضخما فى أنشطة القطاع "العشوائى" ("غير المنظم") فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهى تمثل فى ظروف مصر أهم المصادر للبقاء على قيد الحياة بالنسبة إلى أغلبية الشعب (الاحصاء يقول 60%).

وتتمتع أجهزة الإسلام السياسى بقدرة حقيقية للعمل فى هذه الظروف، بحيث أن نجاح الإخوان المسلمين فى هذه المجالات قد أنتج بدوره مزيدا من التضخم فى هذه الأنشطة وبالتالى ضمان إعادة إنتاجها على صعيد أوسع.

فالثقافة السياسية التى يقدمها الإخوان تتسم بأقصى البساطة. إذ أن هذه الثقافة تكتفى باضفاء "شرعية إسلامية" لمبدأ الملكية الخاصة وعلاقات السوق "الحرة"، وذلك دون النظر فى طابع الأنشطة المعنية، وهى أنشطة بدائية ("البازار") غير قادرة على دفع الاقتصاد الوطنى وتطويره.

فتوفير الأموال على نطاق واسع الذى يقوم به الخليج يتيح ازدهار هذه الأنشطة إذ أنه يضخها بالأموال اللازمة للإنشاء فى شكل قروض بسيطة أو منح. هذا بالإضافة إلى أعمال الإحسان التى تصاحب تضخم القطاع (مراكز علاج .. الخ)، بفضل دعمها بالتمويل الخليجى. فالخليج لا ينوى المساهمة فى تطوير القدرة الإنتاجية فى مصر (بناء مصانع....( بل فقط تطوير هذا الشكل المنحط من "النمو". فانعاش مصر ناهضة من شأنه أن ينهى هيمنة الخليج (القائمة على قبول شعار اسلمة المجتمع) وهيمنة الولايات المتحدة (التى تفترض مصر كومبرادورية مصابة بالفقر المتفاقم) وهيمنة إسرائيل (التى تفترض مصر عاجزة فى مواجهة التوسع الصهيونى).

ليس هذا التمفصل بين سلطة تختفى خلف شعارات "إسلامية" والخضوع لرأسمالية الامبريالية السائدة وما يترتب عليه من افقار الشعب، أمرا خاصا بمصر. فهو سمة مشتركة لمعظم المجتمعات العربية والإسلامية. ويعمل هذا التمفصل فعله فى إيران حيث ضمنت الخمينية تغلب "اقتصاد البازار" من الأصل.

وهو أيضا السبب فى نكبة الصومال وهى دولة حُذفت من قائمة الدول المشكلة للعالم المعاصر.

ماذا إذن نستطيع أن ننتظره فى فرضية تولى الإسلام السياسى الحكم فى مصر (وفى بلدان أخرى)؟

هناك خطاب يغزو الإعلام السائد؛ وهو خطاب ساذج اقصى السذاجة ويقول: "أصبح انتصار الإٍسلام السياسى أمرا محتوما بسبب تغلب الهوية الذاتية الإسلامية التى يتسم بها واقع مجتمعاتنا، وهو واقع رفض البعض الاعتراف به، ففرض نفسه عليهم". بيد أن هذا القول يتجاهل تماما واقعا اخر ألا وهو أن عملية إزاحة التسييس مقصودة وهى التى بدونها لم يكن الإسلام السياسى قد اصبح قادرا على فرض نفسه. ويضاف إلى هذه المقولة ما يمكن تلخيصه كالآتى: "لا خطر من هذا الانتصار، لأنه موقت؛ فالسلطة التى ستنبع منه محكومة بالفشل وبالتالى سوف يفترق الرأى العام عنها." كأن الإخوان من هؤلاء الذين يقبلون تنفيذ مبادئ الديموقراطية إذا عملت ضد مصلحتهم! بيد أن نظام الحكم فى واشنطن يتبنى- ظاهريا- صحة هذه المقولة، وكذلك الرأى العام الذى يصنعه الإعلام السائد. وهناك زمرة من المثقفين المصريين والعرب الذين اقتنعوا أيضا- ظاهريا- ربما من باب الانتهازية أو بسبب غياب الوضوح فى الفكر.

لا. فلنعلم أن الإسلام السياسى، فى فرضية توليه الحكم- سوف يستمر بفرض نفسه أن لم يكن "للأبد"، على الأقل لفترة زمن طويلة (50 عاما؟ وانظر إلى قصة إيران). وخلال هذه المرحلة "الانتقالية" سوف تواصل الأمم الأخرى مسيرة تطورها، بحيث إننا سوف نجد أنفسنا فى نهاية المطاف فى أسفل قائمة الأمم. لذلك لا انظر إلى الإخوان على أنهم "حزب إسلامى" بصفة أساسية، بل على أنهم أولا حزب رجعى متخلف ؛ وأن تولى الإخوان الحكم يمثل أفضل ضمان بالنسبة إلى النظام الامبريالى.

كلمة عن السلفية

أتت السلفية لتكملة الدعوة الظلامية التى أنشأها رشيد رضا والإخوان. فالسلفية ترفض علنا فكرة "الحرية" (وبالتالى الديموقراطية) على أنها تناقض- فى رأيهم- طابع البشر بصفته مخلوقا عبدا (لاحظ الكلمة) ليخدم سيده الخالق، شأنه شأن العبد المطلوب منه خدمة سيده. طبعا لا يفسر لنا أصحاب هذا المذهب كيف نصل إلى معرفة المطالب الملموسة لهذا السيد الخالق فى العالم الحديث. هل هو يقبل أم يرفض زيادة فى الأجور على سبيل المثال. الأمر الذى يفتح السبيل لإقامة "ولاية الفقيه "على النمط الإيراني، وبديكتاتورية تكتل رجال دين الذين أعلنوا أنفسهم "علماء" يحتكرون هذه المعرفة!

إن السلفيين أعداء الحداثة، التى تعرف بحق الإبداع فى تناول شؤون الدنيا. والإبداع يتطلب الحرية والروح النقدية.. التى يرفضها السلفي.

ماذا إذن عن قول قيادات السلفية أنهم "ينتمون إلى العالم الحديث" لأنهم يعلمون تلاميذهم استخدام الكومبيوتر "وإدارة الأعمال" (وذلك باللجوء إلى كراسات أمريكية من النوع المتواضع التى توزعها المعونة الأمريكية!)؟ هذه الأقوال لا تعدو كونها مهزلة حقيقية- فالسيد الحقيقى- اقصد رأسمالية الامبريالية السائدة- يحتاج إلى "خدميين") يمارسون هذه "الفنون" ولا أكثر؛ وكان السيد دنلوب الانجليزي المشهور- "المستشار" فى شؤون التعليم أيام الاحتلال البريطاني لمصر- قد أدرك ذلك تماما وجعله مخططاً تم تنفيذه فى المدارس!

الحداثة تبدأ عند تجاوز هذه الحدود وقبول مبدأ الحرية وهو شرط تطوير قدرة الأمة على الانتماء إلى العالم الحديث بصفة فعلية وفعالة.

2. هل هناك شروط تتيح إصلاحا ديموقراطيا فى الجزائر؟

مصر والجزائر هما الدولتان العربيتان اللتان احتلتا موقعا بارزا وقياديا خلال الموجة الأولى من "صحوة الجنوب" فى عصر باندونج وعدم الانحياز. فحققا تقدما ناجحا فى تكريس كيان يستحق أن يعتبر "ما بعد الكولونيالية" صحبته انجازات اقتصادية واجتماعية تقدمية ملحوظة بالرغم من محدوديتها الأمر الذى روى امالا فى مواصلتها فى سبيل التحرير وعلى أنه تم إيقاف هذه المسيرة فى البلدين. والدولتان رجعتا إلى خطيرة الدول والمجتمعات المسودة من قبل الاستعمار المهيمن.

ويبدو أن النمط الجزائرى قد تمتع بتناسق متفوق على زميله المصرى الأمر الذى تجلى فى قدرته على وضع حدود للتآكل اللاحق، بحيث أن الطبقة الحاكمة الجزائرية لازالت منقسمة بين جناح احتفظ على نزعات وطنية وجناح كومبرادورى عادى. بل نجد فى بعض الأحوال هذين الميلين يشتركان فى تكوين شخصية أو أخرى منتمئة إلى طبقة الحكام. هذا على خلاف الوضع فى مصر حيث تخلت تماما الطبقة الحاكمة- فى عهدى السادات ومبارك- عن اية نزعة وطنية كليا.

هناك سببان يفسران هذا الاختلاف

كانت حرب التحرير فى الجزائر قد ولدت بشكل طبيعى اتجاها جذريا أيديولوجيا واجتماعيا. على خلاف مصر؛ حيث أن الناصرية أتت تتويجا لمرحلة مد تحرري بثورة 1919 ثم امتد بمراحل مد وجزر قبل أن تتبلور بذور التجذير الحديث بعد الحرب العالمية الثانية. فأتى انقلاب عام 1952 بدور ملتبس فأوقف حركة التجذير. ثم تلي الانقلاب الناصري عام 1954 الذى عدل الاتجاه اليميني. على أن التعديل اعتمد على مبادرات فوقية استبعدت الشعب من المساهمة فيها. هذا من جانب.

ومن جانب آخر لابد من الأخذ فى الاعتبار الآثار المدمرة التى ورثتها الجزائر المستقلة عن نمط الكولونيالية الإستيطانية الفرنسية؛ فالمجتمع الجزائري "التقليدى" تفكك بحيث أن المجتمع الجديد للجزائر المستقلة أصبح مجتمعا يسود فيه طابع "العامة" la plebe)). وبالتالى صار الطلب "على المساواة" يميز سلوك وميول المواطنين بدرجة لا مثيل لها فى جميع البلدان العربية الأخرى هذا أيضا على خلاف تاريخ مصر حيث أن الطبقات الحاكمة- انطلاقا من محمد على باشا- هى التى حركت تطور المجتمع ومشروع نهضتة. والمشروع المصرى ظل مشروعا قادته ارستقراطية تدعو إلى التحديث، فصارت بالتدريج "بورجوازية ارستوقراطية".

وقد خلق هذان الخلافان شروطا مختلفة فى مواجهة التحدى الجديد الذى يمثله صعود الإسلام السياسى. فقد أوضح حسين بلالو في فى كتابه (الديموقراطية فى الجزائر: إصلاح أو ثورة، تحت الطبع) كيف أن الإسلام السياسى فى الجزائر كشف باكرا وجهه البشع، ثم باء بالفشل والهزيمة. وليس معنى ذلك أن الإسلام السياسى أصبح هنا من آثار الماضى وغير قادر على الانعاش. بعد أن الفرق واسع بين وضع الجزائر ووضع مصر من هذه الزاوية حيث أن الإسلام السياسى فى مصر لا يزال يتمتع بشرعية" لدى الرأى العام. فلا يزال يمثل التحالف بين البورجوازية الكومبرادورية والإسلام السياسى المحور الرئيسي لضمان دوام سيادة نمط الرأسمالية التابعة فى مصر.

ومن هذا نستطيع أن نتصور تطورات متباينة فى مواجهة التحديات المعاصرة فى البلدين، فى الأجل القصير على الأقل.

فلا استبعد إمكان انجاز إصلاحات مسيطرعليها من الداخل فى الجزائر. على الأقل وإن لهذا الاحتمال نصيب من الواقعية. على خلاف الوضع فى مصر حيث لا يمكن تصور تطور يتفادى الاصطدام العنيف بين الحركة الشعبية وبين الكتلة الرجعية "الإسلامية/ الكومبرادورية".

مصر والجزائر هما الدولتان العربيتان اللتان يمكن تصورهما مرشحتين للانضمام فى كتلة الدول "البازغة". على أن يمثلان أيضا نموذجا حزيناً للفشل فى الصعود إلى هذا المستوى.

وإن كانت مسئولية الطبقات الحاكمة فى هذا الفشل حاسمة، فإنه لا يصح تجاهل مشاركة المجتمع ومثقفيه ومناضلي الحركات السياسية فى هذه المسئولية.

وبالنسبة إلى دول المغرب العربى بشكل عام يزعم أن المملكة المغربية تضرب بمثل آخر قائم على انجاز إصلاحات ديموقراطية بوسائل سلمية وأسلوب تدريجي، فليسمح لى القارئ أن أبدى تحفظاتي على احتمال تحقيق الهدف؛ إذ أن التطور المرسوم بالأمر الملكي يستعبد من الأصل أي تساؤل حول النمط الرأسمالي التابع الذى يكون إطاره.

يضاف إلى ذلك أنه- طالما ظل الشعب المغربى يتقبل مبدأ سيادة نظام ملكي/ ديني (فالملك هو "أمير المؤمنين)- لن تفتح الاصلاحات المقيدة والمحدودة سبيلا للمقرطة الصحيحة المطلوبة.

لعل هذا هو السبب فى استحالة المغاربة أن يفهموا مغزى مشكلة الصحراء الغربية. فاهل الصحراء الأحرار يفتخرون بتأويل آخر للإسلام، لا يتيح لهم الركوع عدا أمام الله، ولا أمام أى بشر، ولو ملك.

3. الكارثة السورية

انتمى النظام السورى البعثى- فى الماضى- إلى مجموعة التجارب الوطنية الشعبية (ولو غير الديموقراطية) على نمط الناصرية وغيرها فى عصر باندونج؛ وعندما ظهرت حدود الانجازات (الحقيقية) الممكنة فى هذا الإطار اتجه حافظ الأسد إلى مشروع يسعى إلى الجمع بين المحافظة على نزعة وطنية معادية للاستعمار من جانب والاستفادة من تنازلات يمينية تجلت فى "الانفتاح" من الجانب الآخر؛ وهو خيار مماثل لما قام به عبد الناصر فى أعقاب هزيمة 1967.

أوضح التاريخ اللاحق عبث هذا المشروع. ففى مصر أدى فورا- بعد وفاة ناصر عام 1970- إلى الاستسلام دون تحفظ لطلبات المحور الرجعى المكون من الولايات المتحدة والخليج وإسرائيل.

وفى سوريا أدى الانفتاح إلى النتائج الذاتية التى أدى إليها فى البلدان الأخرى. أقصد تدهور سريع وخطير للأوضاع الاجتماعية بالنسبة إلى الطبقات الشعبية. فتآكلت شرعية النظام.

وقد واجه النظام صعود الاحتجاج بالقمع، ولا غير. كما أن الإخوان المسلمين انتهزوا الفرصة للظهور كقوة "معارضة". فتبلورت خطة متماسكة بقيادة الاستعمار وحلفاءه تسعى لا إلى "تخلص الشعب السورى من ديكتاتور "بل إلى تدمير الدولة السورية، على نمط ما أنجزته الولايات المتحدة فى العراق وفى ليبيا.

وهنا تظهر العلاقة العميقة التى تربط مصالح الثلاثية. فالهدف بالنسبة إلى واشنطن هو كسر التحالف إيران /سوريا/ حزب الله الذى يعتبر عقبة فى تكريس سيطرة أمريكا على المنطقة وهو بالنسبة إلى إسرائيل تفتيت سوريا إلى دويلات طائفية. وهو بالنسبة إلى الخليج تكريس ديكتاتورية "سنية" مزعومة على النمط الوهابي، ولو أن هذه الديكتاتورية سوف تقوم على مجازر وتصفية إجرامية للعلويين والدروز والمسيحيين.

ولكنه فى مواجهة خطر تحقق هذا المصير المخيف يظل نظام بشار الأسد عاجزا عن الرد بالأسلوب المطلوب الفعال الوحيد وهو يفترض التخلى عن استخدام العنف والدخول فى إصلاحات حقيقية. فالحل المطلوب المقبول الوحيد يفترض فتح سبيل لمفاوضات حقيقية، وهى شرط تقوية جبهة ديموقراطية صحيحة مكوناتها موجودة فى الساحة بالرغم من المجهود المبذول لكتم صوتها.