الشغف .. أكثر حالات الإنسان تألقاً وتفرداً

محمود كرم
2012 / 1 / 10

وحده الشغف يُوقِد فينا جمرة الإبداع ، ويضعنا في بريق الدهشةِ ، ومتعة المغامرة ، ويمنحنا بهجة الحياة ، ويُلهمنا جنون الفكرة ، ويُلهبنا دفقة الحماس ، ودفء المشاعر ، إنه الشغف الذي يُفعمُ الإنسانَ بالرغبةِ في اقتراف فعل الحياة والجمال والتمرد والتحديق والمجازفة والتفكير ، باشتهاءاتٍ خلاقة وروح وثّابة وحماس متجدد وتفكير خلاّب ، إنه الشغف المنصهر في أعماق الإنسان بخليطٍ متجانس ومتناقض ربما من المشاعر والأحاسيس والعواطف والاندفاعات والتوثبات والأفكار والانطباعات والصور والتخيلات ، تلك التي تشكّلُ نهراً من القوى الخفيّة والظاهرية أيضاً في أعماقهِ وفي توجساتهِ وانفعالاته وفي رغباته وإراداته ، والتي تضعه عميقاً في اشراقات الشغف ليتدفق فيه اتجاهاً وحالةً نفسية وشعورية وذهنية وثقافية ، تنزع نحو التجلّي والإبداع والابتكار والمجازفة والتمرد والجنون والتهور أيضاً ..

وأن يَشغف الإنسانُ بشيءٍ أو بحالةٍ أو بطريقةٍ أو بفكرةٍ ما ، ذلك يعني أنه قد ارتقى مستوىً من أعلى مستويات التعلّق بذلك الشيء ، والفتنةِ به والانصهار والتداخل والتجاذب معه ، وحتى التفلسف فيه خلقاً جديداً ، فلا يمكن لكَ أن تكونَ شغوفاً بشيءٍ ما ، من غير أن تسير به أو يسير بكَ إلى أعلى مستويات التعلّق به حباً وفتنةً وابتهاجاً وابداعاً وتألقاً ، ولا يمكن أن نكونَ شغوفينَ بشيءٍ ما حدَّ الامتلاء به ، من دون أن نكونَ مستمتعينَ به حدَّ الانتشاء ، فالشغف حالةٌ وافرة من الاستمتاع بالأشياء التي نشغفُ بها ، ونهيمَ بها شغفاً ، هذا الاستمتاع يعني إننا على قيد الشغف ، نتجلّى به تفنناً وابداعاً وتذوقاً ، ويتجلّى بنا بهاءً وافتتاناً وترفاً ، ونمارسه باستمتاع باذخ المزاجية ، نتلمَّسُ فيه ومن خلالهِ وعن طريقهِ براعة التواصل الحميمي مع الحياة والأشياء في أعماقنا ومن حولنا ..

وحينما يقلُّ منسوب الشغف بالأشياء التي مارسناها وتعلّقنا بها وتعلّقت بنا أيضاً ، فذلك ربما يعني أن رغبتنا بتلك الأشياء قد أصابها الضمور والوهن ، تلك الرغبة التي تتأرجح دائماً بين أن تكون متوهجة واستحواذية وطافحة بالتوثب والاشتهاء ، وبين أن تكون في حالات أخرى واهنة وخاملة ومنطفئة ، أنها الرغبة التي في كثير من الأحيان لا نعرف تحديداً كيف انبثقت وكيف تفجَّرت في أعماقنا تجاه ما رغبنا به ، ولا نعرف أيضاً كيف ولماذا تخفتُ فينا فجأة ، قد تكون الرغبة وليدة اللحظة البارقة ومعايشتها بكل الحماس والانفعال والتودد ، أو قد تكون وليدة حاجةٍ ما أو حرمان ما ، فالرغبة باحثة دائمة عن الارتواء والاشباع ، وقد تكون وليدة الحماسة المفاجئة ، وقد تكون وليدة الوعي والتصميم والإدراك ، وقد تكون وليدة الانفعالات الشعورية العابرة ، وقد تأتي الرغبة من اللاشيء أو تظهر في الإنسان وتكبر نتيجة الإرادة اللاعقلانية العمياء كما يقرر ذلك الفيلسوف شوبنهاور ، وقد تنشأ الرغبة في مخاض التناقضات ، وتبقى ملتبسة وغامضة في تكوينها وانطلاقتها واستمراريتها ، ولم تتفق ربما الفلسفة الكلاسيكية على تفسيرها تحديداً ..

وربما ليست الرغبة هيَ التي تكون قد ضمرت أو خمدت ، بل الأشياء ذاتها هيَ التي قد اعتراها الصدأ أو التكرار أو الروتين وفقدت تالياً بريقها ولمعانها وجاذبيتها وحيويتها ، ولكن في مطلق الأحوال يبقى الإنسان خارقاً في صناعة الأشياء التي تبعث فيه بهجة الشغف وتجعله على قيد الشغف مشتعلاً بالحياة والإبداع والأمل ، وخارقاً في الوقت نفسه باستبدال الأشياءَ ، بأشياءٍ أخرى كلّما شعر بحاجتهِ لتغييرها واستبدالها ، إنه باحثٌ دائماً عن ذاته الشغوفة بالتجديد والتنوع والانطلاق والحركة والاشتعال ..

وأن يتوهّج الشغف بالأشياء اشتعالاً في أعماق الإنسان وفي حواسه ، فذلك ربما يعني أنه يريد أن يبقى على قيد الرغبةِ ملتذاً برغبته الفارهة تلك ، ومستمتعاً بها إلى الدرجة التي أصبحَ يحلّق بها في مدارج الإبداع والتألق ، فكلّما كانَ الإنسان شغوفاً بشيء ما ، كانَ على نفس المقاس ربما ذاهباً برغبته سفوح اللذة والاشتهاء واللاحدود ، ولذلك ربما حينما يتكاثف الشغف في الإنسان ، فذلك يعني أن الرغبة في أعماقه تبقى مشتعلة بالتجدد والحيوية والتوهج ، إنه الشغف الممتليء بالرغبة ، ويزداد امتلاءً كلّما ازدادت الرغبة في الإنسان وكبرت ..

وقد تكون الرغبة بالأشياء جمرة الاشتعال الأولى في حقول الشغف ، وقد يكون الشغف بداية الرغبة اللامتناهية في الشعور ، ولا أدري تحديداً هل تنشأ الرغبة في الإنسان أولاً ، أم أنَّ الشغف يأتي أولاً ، ولكني ربما أستطيع القول أنْ ليست هناك ثمة فواصل بين الشغف والرغبة ، فهما متداخلان عميقاً ومتشابكان ، ويستندان على بعضهما البعض في تعالق جمالي وحميمي ، وينهلان توهجهما وتألقهما واشتعالهما من ينبوع واحد ، ويستمران بالتدفق ربما في اتجاه واحد ، ويزدادان فتنةً وابتهاجاً وتواصلاً ببعضهما البعض ..

ربما الشغف يعني في أكثر معانيهِ تألقاً وتفرداً وتوهجاً وتدفقاً وحريةً ، هوَ أن يتركَ الإنسان قلبه حراً ، طليقاً ، ويركض خلفه ، وأن يلاحقه أيضاً مفعماً بحماس التودد للتسابق معه ، وحين يتركَ الإنسان لقلبه الحر الطليق قيادة الشغف ، ذلك ربما يعني أنه أصبحَ يطوي بقلبهِ الحر خطوات عمره شغوفاً ، بما يفعله ، وبما يريده ، وبما يرغبُ فيه ، وبما يتمنّاه أيضاً ، فالقلب الحر ، ربما هو استدعاء خفي للعقل الحر ، يتماهى معه حريةً وعنفواناً وانطلاقاً وتفرداً أيضاً ، ومَن يملكُ قلباً حراً ، هو ذلك الذي يتركهُ طليقاً في مراتع الشغف ، يحلّقُ جريئاً ومقداماً ومتمرداً في فسحات المدى البعيد ، لا يهاب العثرات ، ولا توقفهُ الهنّات ، ولا يخضع لليأس ، ولا يستسلم للضغوط والسائد ، ولا يركن للوهن والتراجع ، يركض بالشغف خلف قلبه الحر ، مُبتكراً طريقته المتفردة في فلسفة الحياة ، مبتكراً أسلوبه في صناعة الحب والجمال ، ومبتكراً تفكيره متوهجاً بالجرأة والتحديق والحرية وشغف السؤال ، ومبتكراً حتى حلمه الآجل ، وتمنيّاته الحاضرة وربما اللاحقة أيضاً ، إنه في سباق محموم مع قلبه الحر الطليق الراكض المترع بشغف الإلهام ، الإلهام المتّقد بالحياة وحرية الحُلم وتجلّيات الإبداع التأملي ..

وعندما نكون في غمرة الشغف متسربلينَ بعطاءاته الباذخة ، تتبدى لنا التجلّيات ساطعةً ومُلهمةً أيضاً ، إنها التجليات الشعورية والإبداعية والثقافية التي تمنح الشغف شغف التواصل معه بروح خلاقة وحماس متجدد ، فحينما يكون الإنسان على قيد الشغف مشتعلاً بالشغف تظهرُ له التجليات بارقةً بإضاءةٍ جديدة ، وفكرةٍ أخاذة ، وأفق أرحب ، وعمقٍ حقيقي ، أليسَ ذلك الذي يشغفُ بفكرةٍ ما ، ويبقى مشتغلاً عليها ، مستسلماً لشغفه الأخّاذ ، ستتبدى له في غمرة شغفهِ هذه ، تجلياتٌ تأملية أكثر سطوعاً ، وأكثرَ استنطاقاً ، وأليسَ ذلك الشغوف بالحب يتجلّى في غمرةِ شغفه ذاكَ إبداعاً وتفنناً وتفانياً وجنوناً أيضاً ، وأليسَ ذلك الذي يمارس إبداعه في شتى الفنون الإنسانية ، تتبدى له التجليات الفنيّة الإبداعبة في غمرة إبداعه الشغوف بالشيء الذي يمارسه ، فالشغف هو بمعنىً أكثرَ عمقاً وامتداداً يعني التجلّي ، والتجلّي يعني أن الشغف أصبحَ قيد الاشتعال والتوهج والألق والإبداع ..

وعندما نمارس الأشياء بمتعةٍ فائقة ، وبلذةٍ فارهة ، وبمزاج فاتن ، وبإبداع خلاّب ، فذلك ربما يعني أننا أصبحنا نمارس الأشياءَ ذاتها تلك ، ولكن بألق الشغف وتوهجّه واشتعاله ومتعته البالغة ، فالأشياء لا تغدو بالنسبة إلينا أشياءً ماتعة أو باذخة أو فاتنة أو باهرة أو قادحة بالإبداع ، إلا حينما نهبُها رونق الشغف ، فنمارسها بشغفٍ عميق ، ونتجلّى بها إبداعاً ، ونتعلّق بها حباً واخلاصاً ، فليستَ الأشياء بحد ذاتها هيَ التي تمنحنا متعة التواصل الخلاق مع الحياة ، بل الشغف الذي يمارس بها تلك الأشياء ، وفي هذا المعنى تحديداً ، يقول الروائي باولو كويهلو في روايته إحدى عشر دقيقة ( ليسَ الجنس أكبر متعةٍ ، بل الشغف الذي يمارس به ، حين يكون هذا الشغف من نوعيةٍ عالية ، يأتي الجنس لاتمام الرقصة ، لكنه ليسَ الشيء الجوهري أبداً ) ويحدث هكذا بالدرجةِ نفسها من الممارسة الشغوفة بباقي الأشياء ، فمثلاً حين نمارس القراءة بشغف تفعيل الحضور الذاتي في فعل القراءة ذاتها ، وبشغف محاورة الفكرةِ ودلالاتها ، فإن القراءة حينئذ تصبح أكثر متعةً لنا ، وأكثر تشويقاً ، وتضعنا دائماً على دكة الاشتهاء المعرفي ، وما يحدث مع القراءة ، يحدثُ أيضاً مع الكتابة ذاتها ومع الموسيقى والرسم عندما تمارس بشغف باهر وعال ، ويحدث كذلك مع مختلف الفنون والآداب والإبداعات الإنسانية الأخرى ..