هل يجب الاشتراك في البرلمانات البرجوازية؟

فلاديمير لينين
2018 / 2 / 24

مقتطف من كتاب مرض -اليسارية- الطفولي في الشيوعية
7) هل يجب الاشتراك في البرلمانات البرجوازية؟
يجيب الشيوعيون «اليساريون» الألمان بمنتهى الاستخفاف، وبنزق ما بعده نزق، على هذا السؤال جواباً سلبياً. فما هي حججهم؟ لقد جاء في الفقرة المقتبسة المذكورة أعلاه ما يلي:
«… بجب بكل حزم رفض أية عودة إلى طريق النضال البرلمانية التي ولى عهدها تاريخياً وسياسياً…».
إن هذا الزعم متعجرف إلى حد يدعو للضحك، كما أنه خاطئ بشكل بيّن. «العودة» إلى البرلمانية! هل قامت جمهورية سوفييتية في ألمانيا يا ترى؟ كلا، حسبما يبدو! فكيف إذن يمكن الحديث عن «العودة»؟ أليس ذلك مجرد عبارة جوفاء؟
البرلمانية قد «ولى عهدها تاريخياً». إن هذا صحيح من ناحية الدعاية. ولكن كل واحد يعلم أنه شتان ما بين هذا وبين التغلب على البرلمانية عملياً. فمنذ عشرات السنين كان من الممكن، ومع أتم الحق، أن يقال أن الرأسمالية «قد ولى عهدها تاريخياً» ولكن هذا لا ينفي قط ضرورة شن نضال مديد جداً وعنيد للغاية في صعيد الرأسمالية. إن البرلمانية قد «ولى عهدها تاريخيا» من وجهة نظر التاريخ العالمي، أي بمعنى أن عهد البرلمانية البرجوازية قد انطوى، وأن عهد ديكتاتورية البروليتاريا قد بدأ. هذا ما لا جدال فيه. بيد أن الحساب على الصعيد التاريخي العالمي يجري بعشرات السنين. فإن عشرة سنوات أو عشرين سنة أسرع أو أبطأ -إن هذا من وجهة نظر المقاييس التاريخية العالمية أمر لا شأن له، كما أنه، من وجهة نظر التاريخ العالمي، شيء زهيد لا يمكن حسابه حتى بصورة تقريبية. ولهذا السبب بالذات يكون الاستناد إلى المقياس التاريخي العالمي فيما يخص مسألة السياسة العملية خطأ نظرياً في منتهى الفداحة.
هل البرلمانية قد «ولى عهدها سياسياً»؟ هذه قضية أخرى. فلو كان ذلك صحيحاً لكان موقف «اليساريين» وطيداً. غير أن هذا ما ينبغي إثباته بتحليل جدي، بينما «اليساريون» لا يعرفون حتى كيف يتناولون هذا التحليل. ففي «موضوعات بصدد البرلمانية»، المنشورة في العدد الأول من «نشرة مكتب أمستردام الوقت للأممية الشيوعية» («Bulletin of the Provisional Bureau in Amsterdam of the Communist Internationa», February, 1920) والمعبرة بوضوح عن النزوع اليساري الهولندي أو الهولندي اليساري، نجد كذلك، كما سنرى، تحليلا في غاية الرداءة.
أولاً، إن «اليساريين» الألمان، كما هو معروف، قد اعتبروا، حتى منذ يناير 1919، أن البرلمانية قد «ولى عهدها سياسياً»، وذلك بالرغم من رأي قائدين سياسيين مرموقين كروزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت. ومعروف أن «اليساريين» قد أخطأوا. وهذا وحده ما يقضي رأسا وبشكل جذري على الموضوعة الزاعمة بأن البرلمانية قد «ولى عهدها سياسياً». وأن «اليساريين» ملزمون بأن يعللوا لماذا لم تعد غلطتهم البينة السابقة غلطة في الوقت الحاضر. إنهم لا يأتون حتى بشبه تعليل ولا يستطيعون الإتيان به. إن موقف الحزب السياسي من أخطائه هو واحد من أهم وأصدق الأدلة على جدية الحزب وتنفيذه في الواقع واجباته إزاء طبقته والجماهير الكادحة. إن الاعتراف جهاراً بالخطأ، والكشف عن علله، وتحليل الظروف الذي أدى إلى ارتكابه، والبحث باهتمام في وسائل إصلاح الخطأ -إنما هو علامة الحزب الجدي، إنما هو تنفيذه لواجباته، إنما هو تربية وتعليم الطبقة ومن ثم الجماهير. فإن «اليساريين» في ألمانيا (وفي هولنده)، إذ لا ينفذون واجبهم هذا ولا يبذلون منتهى الانتباه والعناية والحيطة في فحص خطئهم البين، ويثبتون بذلك أنهم ليسوا حزب الطبقة، بل حلقة، وليسو حزب الجماهير، بل زمرة من المثقفين والعمال القلائل ممن يتخلقون بأسوأ صفات المثقفين.
ثانيا، في ذات الكراس العائد لفرقة «يساريي» فرانكفورت، والذي اقتبسنا نحن منه أعلاه فقرة مسهبة نقرأ ما يلي:

«… إن الملايين من العمال الذين لا يزالون يتبعون سياسة الوسط» (حزب «الوسط» الكاتوليكي) «معادون للثورة. وبروليتاريا الأرياف تقدم فيالق من القوات المعادية للثورة» (ص3 من الكراس المذكور).

إن هذا القول، حسب كل الدلائل، مفرط في التعميم والمبالغة. لكن الحقيقة الأساسية الواردة هنا لا جدال فيها، واعتراف «اليساريين» بها هو شهادة بينة للغاية على خطئهم. إذ كيف يمكن أن يزعموا أن «البرلمانية قد ولى عهدها سياسياً»، إذا كانت «الملايين» و«الفيالق» من البروليتاريين لا تزال تؤيد البرلمانية بوجه عام، وليس هذا وحسب، بل أنها أيضاً «معادية للثورة» مباشرة!؟ واضح أن البرلمانية في ألمانيا لما يول عهدها سياسياً. وواضح أن «اليساريين» في ألمانيا قد اعتبروا رغبتهم وموقفهم السياسي والفكري واقعاً موضوعيا. وهذه هي أخطر غلطة يرتكبها الثوريون. ففي روسيا حيث ظلم القيصرية البهيمي والوحشي للغاية خلال مدة طويلة جداً وفي أشكال متنوعة جداً أوجد ثوريين من مختلف الاتجاهات، ثوريين مدهشين من حيث الإخلاص والحماسة والبطولة وقوة الإرادة، في روسيا شاهدنا نحن عن كثب غلطة الثوريين هذه، وتفحصناها بانتباه كبير، ونعرفها جيداً جداً ولذلك فهي واضحة لنا كل الوضوح عندما يرتكبها الآخرون. إن البرلمانية قد «ولى عهدها سياسياً»، طبعاً، بنظر الشيوعيين في ألمانيا، ولكن، القضية هي بالضبط في أن لا نعتبر ما ولى بالنسبة لنا، قد ولى عهده كذلك بالنسبة للطبقة وبالنسبة للجماهير. إننا نرى هنا أيضاً أن «اليساريين» لا يستطيعون الحكم على الأشياء كما لا يستطيعون أن يسلكوا سلوك حزب الطبقة، حزب الجماهير. عليكم الاّ تهبطوا إلى مستوى الجماهير، إلى مستوى الفئات المتأخرة من الطبقة. وهذا ما لا جدال فيه. عليكم أن تفضوا إليها بالحقيقة المرة. عليكم أن تسموا أوهامها الديموقراطية البرجوازية والبرلمانية أوهاماً. وعليكم مع ذلك أن تتابعوا على نحو سليم الحالة الحقيقية لوعي واستعداد الطبقة كلها بالذات (لا طليعتها الشيوعية وحسب)، الجماهير الكادحة جميعها بالذات (لا أفرادها المتقدمين وحدهم).
وإذا كانت مجرد أقلية لا بأس بتعدادها، ناهيك عن «الملايين» و«الفيالق»، من العمال الصناعيين تسير في أثر القسس الكاثوليك، ومن العمال الزراعيين تتبع الملاكين العقاريين والكولاك (Grossbauern)، ينجم من هذا دون شك، أن البرلمانية في ألمانيا لما يول عهدها سياسياً، وأن الاشتراك في الانتخابات البرلمانية وفي النضال من على منبر البرلمان أمر لا بد منه لحزب البروليتاريا الثورية وكذلك بالضبط لأغراض تربية الفئات المتأخرة من طبقته هو، وبالضبط لأغراض إيقاظ وتنوير جماهير القرويين المبلدة والمظلومة والجاهلة. وما دمتم عاجزين عن حل البرلمان البرجوازي وسائر أنواع المؤسسات الرجعية، أياً كانت، فلا بد لكم أن تعملوا في داخلها، بالضبط لأنه لا يزال هناك عمال ممن خدعهم القسس وتبلدو في بيئة الأرياف النائية، وإلا فقد تصبحون مجرد مهذارين.

ثالثا، يسهب الشيوعيون «اليساريون» في الأقوال الطيبة بحقنا نحن البلاشفة. وبودي أحيانا أن أقول: حبذا لو قللتم من كيل المديح لنا، وأكثرتم من التمعن في تكتيك البلاشفة ومن التعرف به! لقد اشتركنا نحن في انتخابات البرلمان البورجوازي الروسي -الجمعية التأسيسية- في سبتمبر- نوفمبر سنة 1917. فهل كان تكتيكنا صحيحاً أم لا؟ فإذا لم يكن صحيحاً، ينبغي أن يقولوا ذلك بوضوح وتثبتوه، فذلك أمر ضروري من أجل وضع تكتيك صحيح من قبل الشيوعية العالمية. وإذا كان صحيحاً، فينبغي أن تستنتجوا من ذلك عبراً معينة. بديهي أنه لا يمكن أبداً اعتبار الظروف في روسيا والظروف في أوروبا الغربية متساوية. ولكن فيما يتعلق بالمسألة الخاصة، مسألة ماذا يعني مفهوم أن «البرلمانية قد ولى عهدها سياسياً» لا بد من مراعاة تجربتنا مراعاة دقيقة، إذ أن مثل هذه المفاهيم تتحول بسهولة كبيرة جداً، في حال عدم مراعاة التجربة الملموسة، إلى عبارات جوفاء. أفلم يكن من حقنا، نحن البلاشفة الروس، في سبتمبر-نوفمبر سنة 1917، أكثر من أي من الشيوعيين الغربيين، أن نعتبر البرلمانية في روسيا قد ولى عهدها سياسياً؟ بالطبع كان ذلك من حقنا، لأن القضية ليست في كون البرلمانات البرجوازية موجودة من أمد بعيد أو قريب، بل في مقدار استعداد الجماهير الغفيرة الكادحة (استعداداً فكريا وسياسياً وعملياً) لقبول النظام السوفييتي وحل (أو السماح بحل) البرلمان البرجوازي الديموقراطي. أمّا أن الطبقة العاملة في المدن والجنود والفلاحين في روسيا في سبتمبر نوفمبر سنة 1917 كانوا بحكم بعض الظروف الخاصة مهيئين بصورة ممتازة لقبول النظام السوفييتي وحل أكثر البرلمانات البرجوازية ديموقراطية، فهذا واقع لا جلل فيه مطلقاً وحقيقة تاريخية مقررة تماماً. ومع ذلك لم يقاطع البلاشفة الجمعية التأسيسية، بل اشتركوا في الانتخابات، سواء قبل أو بعد ظفر البروليتاريا بالسلطة السياسية. وأما أن هذه الانتخابات قد أعطت نتائج سياسية قيمة للغاية (ومفيدة للبروليتاريا فائدة فصوى)، فهذا ما أجرؤ على الأمل بأني قد أثبته في المقالة المذكورة أعلاه، والتي تحلل المعطيات المتعلقة بانتخابات الجمعية التأسيسية في روسيا تحليلاً وافياً.
الاستنتاج من ذلك لا جدال فيه إطلاقا: فلقد ثبت أن الاشتراك في البرلمان البرجوازي الديموقراطي، حتى لبضعة أسابيع قبل انتصار الجمهورية السوفييتية، وحتى بعد هذا الانتصار، لا يضر البروليتاريا الثورية، بل يسهل لها إمكانية أن تثبت للجماهير المتأخرة لماذا تستوجب هذه البرلمانات الحل، وهو يسهل النجاح في حلها، ويسهل «إزالة» البرلمانية البرجوازية «سياسيا». إن عدم أخذ هذه التجربة بعين الاعتبار، والادعاء في ذات الوقت بالانتماء إلى الأممية الشيوعية، التي ينبغيس أن تضع تكتيكها أممياً (لا كتكتيك وطني ضيق وذي جانب واحد، بل بالضبط كتكتيك أممي)، يعني ارتكاب أفحش غلطة، والتراجع عن الأممية فعلاً، مع الاعتراف بها قولاً.
والآن فلنلق نظرة على الحجج «اليسارية الهولندية» تأييداً لعدم الاشتراك في البرلمانات. إليكم ترجمة (عن الانجليزية) لأهم موضوعة من موضوعات «الهولندية» المذكورة أعلاه، ونعني بها الموضوعة الرابعة:
«عندما يكون تحطيم نظام الانتاج الرأسمالي قد تم ويكون المجتمع في حالة الثورة، يفقد النشاط البرلماني بالتدريج أهميته بالقياس إلى نشاط الجماهير نفسها. وعندما يصبح البرلمان، في مثل هذه الظروف، مركز العداء للثورة وهيئته، بينما الطبقة العاملة تصنع، من الجهة الأخرى، أداة سيطرتها بشكل السوفييتات، قد يكون حتى من الضروري الامتناع عن كل اشتراك أيا كان في النشاط البرلماني».
إن الجملة الأولى غير صحيحة بشكل بين، لأن أعمال الجماهير، كالإضراب الكبير مثلا، هي أهم من النشاط البرلماني على الدوام، وليس فقط في زمن الثورة أو في حالة توفر الوضع الثوري. إن هذه الحجة البينة بطلانها، وغير الصحيحة من الوجهة التاريخية والسياسية، تبين بوضوح خاص أن واضعي هذه الموضوعات لا تأبهون أبداً لا للتجربة الأوروبية العامة (الفرنسية قبيل ثورتي سنتي 1848 و1870، والألمانية لسنوات 1878-1890 وغير ذلك) ولا للتجربة الروسية (راجع ما ذكر أعلاه) فيما يخص أهمية الجمع بين النضال العلني والسري. وهذه المسألة على جانب هائل من الأهمية، سواء من الوجهة العامة أو الخاصة، لأنه يقترب بسرعة في جميع البلدان المتمدنة والمتقدمة وقت يصبح فيه مثل هذا الجمع (وقد أصبح جزئياً) أكثر فأكثر أمراً لا بد منه لحزب البروليتاريا الثورية، وذلك بحكم اختمار واقتراب الحرب الأهلية بين البروليتاريا والبرجوازية، وبحكم الملاحقات القاسية التي يتعرض لها الشيوعيون من قبل الحكومات الجمهورية والحكومات البرجوازية بوجه عام من أبلغ الشواهد على ذلك) الخ.. وهذه المسألة الهامة للغاية لم يدركها بتاتاً الهولنديون واليساريون جميعهم.
والجملة الثانية هي، أولاً، غير صحيحة تاريخياً. فلقد اشتركنا نحن البلاشفة في أشد البرلمانات عداء للثورة، وقد برهنت التجربة أن مثل هذا الاشتراك لم يكن مفيدا وحسب، بل كان ضرورياً أيضاً لحزب البروليتاريا الثورية، بالضبط بعد الثورة البرجوازية الأولى في روسيا (1905) من أجل التحضير للثورة البرجوازية الثانية (فبراير 1917) وبعد ذلك للثورة الاشتراكية (اكتوبر 1917). ثانيا، إن هذه الجملة غير منطقية لحد مدهش. فمن واقع أن البرلمان يصبح هيئة العداء للثورة و«مركزه» (ونذكر عرضا أن البرلمان لم يكن في الواقع قط «مركزا» ولا يمكنه أن يكونه)، وأن العمال ينشئون أداة سلطتهم بشكل السوفييتات، ينجم أن العمال ينبغي أن يستعدوا، فكرياً وسياسياً وفنياً، لنضال السوفييتات ضد البرلمان، ولحل البرلمان من جانب السوفييتات. غير أنه لا ينجم من هذا أبداً أن وجود معارضة سوفييتية داخل البرلمان المعادي للثورة يعيق مثل هذا الحل أو أنه لا يسهله. إننا لم نلحظ ولا مرة، أثناء نضالنا المظفر ضد دينيكين وكولتشاك، أن وجود معارضة سوفييتية بروليتارية في معسكرهما كان أمراً لا شأن له في انتصاراتنا. إننا نعرف خير معرفة أن وجود المعارضة السوفييتية، سواء منها المعارضة البلشفية الراسخة أو معارضة الاشتراكيين-الثوريين اليساريين المتقلقلة، في داخل الجمعية التأسيسية المعادية للثورة، المقرر حلها، لم يعسر علينا تحقيق حل هذه الجمعية التأسيسية في 5 يناير سنة 1918 بل سهله. لقد التبس الأمر تماماً على واضعي هذه الموضوعة وغابت عن بالهم تجربة سلسلة كاملة من الثورات إن لم نقل جميعها، التجربة التي تشهد بأن من النافع على الخصوص في زمن الثورة الجمع بين العمل الجماهيري خارج البرلمان الرجعي وبين المعارضة المتعاطفة في داخل هذا البرلمان مع الثورة (والأفضل من ذلك: المؤيدة للثورة تأييداً مباشراً). إن الهولنديين و«اليساريين» عموماً يتناولون هذا الأمر كثوريين عقائديين لم يشاركوا قط في ثورة حقيقية أو لم يتمنعوا في تاريخ الثورات، أو يعتقدون بسذاجة أن «الرفض» الذاتي لمؤسسة رجعية ما يعني تحطيمها فعلاً بتضافر مفاعيل جملة كاملة من العوامل الموضوعية. إن أوثق وسيلة للحط من فكرة سياسية جديدة (وليست السياسة وحدها) والاضرار بها، هي السير بها إلى حد السخافة وذلك باسم الدفاع عنها. لأن أية حقيقة، إذا جعلوها «مفرطة» (كما قال ديتزكين الأب) وإذا غالوا فيها إلى حد السخافة، بل وأنها تنقلب، لا مناص، والحالة هذه، إلى سخافة. ومثل هذه الخدمة المعكوسة يقدمها اليساريون الهولنديون والألمان إلى الحقيقة الجديدة بشأن أفضلية السلطة السوفييتية بالنسبة للبرلمانات البرجوازية الديموقراطية. بديهي أن كل من يريد أن يردد الأقوال القديمة ويزعم، بوجه عام، مهما كانت الظروف، يكون على ضلال. ‘ني لا أستطيع أن أحاول هنا صياغة الظروف التي تكون فيها مقاطعة البرلمان نافعة، لأن هدف هذه المقالة أكثر تواضعاً، وهو مراعاة التجربة الروسية بالارتباط ببعض المسائل الملحة للتكتيك الشيوعي الأممي. إن التجربة الروسية أعطتنا مثالاً موفقا وصحيحاً لمقاطعة البلاشفة للبرلمان (سنة 1905) وآخر خطئاً (سنة 1906). وعند تحليل المثال الأول نرى أنه حالف النجاح الجهود الرامية إلى منع عقد برلمان رجعي من قبل السلطة الرجعية، وذلك في ظروف جرى فيها تصاعد نشاط الجماهير الثوري خارج البرلمان (وخاصة الإضرابات) بسرعة خاطفة، ولم يكن فيها باستطاعة أية فئة من فئات البروليتاريا والفلاحين أن تؤيد السلطة الرجعية أي تأييد مهما كان، وكانت البروليتاريا الثورية تؤمن لنفسها التأثير على الجماهير الواسعة المتأخرة بفضل النضال الاضرابي والحركة الزراعية. وجلي كل الجلاء ان هذه التجربة ليست قابلة للتطبيق على الظروف الأوروبية الراهنة. وجلي كذلك كل الجلاء، على أساس الحجج المذكورة أعلاه، أن دفاع الهولنديين و«اليساريين»، ولو دفاعاً مشروطاً، عن فكرة رفض الاشتراك في البرلمانات، خطئ من الأساس وضار بقضية البروليتاريا الثورية.

لقد إذا البرلمان في أوروبا الغربية وأمريكا ممقوتاً للغاية لدى الثوريين الطليعيين من الطبقة العاملة. هذا أمر لا جدال فيه. وهو مفهوم تماماً، إذ من العسير على المرء أن يتصور ما هو أكثر خسة وحطة وخيانة من سلوك معظم النواب الاشتراكيين والاشتراكيين-الديموقراطيين في البرلمان إبان وبعد الحرب. ولكن من السخافة، بل ومن الجريمة تبني هذه الروحية لدى البت بمسألة كيفية مكافحة ما هو شر بنظر الجميع. يمكن القول أن الروحية الثورية هي الآن في كثير من بلدان أوروبا الغربية «بدعة» أو قل «نادرة» كانوا من أمد جد بعيد ينتظرونها عبثاً وبفارغ الصبر، ولعل هذا هو السبب في أنهم يستسلمون لهذه الروحية بمثل هذه السهولة. صحيح أنه بدون هذه الروحية، لا يمكن تطبيق التكتيك الثوري في العمل؛ إلاّ أننا في روسيا قد اقتنعنا على أساس تجربة مديدة للغاية، وشاقة، ودامية، بحقيقة أنه يستحيل بناء تكتيك ثوري على الروحية الثورية وحدها. يجب أن يقوم التكتيك على حساب دقيق وموضوعي تماماً لجميع القوى الطبقية في الدولة المعنية (والدول المحيطة بها، وجميع الدول في المجال العالمي) وكذلك على مراعاة تجربة الحركة الثورية. ومن السهل جداً على المرء أن يظهر «ثوريته» عن طريق الشتائم وحدها يوجهها إلى الإنتهازية البرلمانية، أو فقط عن طريق نفيالإشتراك في البرلمانات، ولكن لهذا السبب بالذات، أي لكون هذا الأمر سهلاً للغاية، ليس هذا حلاً للمهمة الصعبة، بل والبالغة الصعوبة. إن إيجاد كتلة برلمانية ثورية حقاً في البرلمانات الأوروبية، لهو طبعاً أمر أصعب بكثير منه في روسيا. ولكن هذا ليس لإلاً تعبيراً جزئياً عن الحقيقة العامة القائلة بأنه كان من السهل لروسيا في ظروف سنة 1917 الملموسة، الصيلة تاريخياً منتهى الأصالة، أن تبدأ الثورة الاشتراكية، بينما الإستمرار بالثورة والسير بها حتى النهاية سيكونان أصعب على روسيا منهما على البلدان الأوروبية. لقد تسنى لي في بداية سنة 1917 أن أشير إلى هذا الأمر، وتجربتنا خلال سنتين مضتا بعد ذلك قد أكدت صحة هذا الرأي كل التأكيد. ومثل هذه الظروف الخاصة، وهي 1) إمكانية الحمع بين الانقلاب السوفييني وبين إنهاء الحرب الامبريالية التي انتهت بفضله والتي كانت قد أنهكت العمال والفلاحين لدرجة لا تصدق؛ 2) إمكانية الاستفادة، بعض الوقت، من الصراع المميت بين مجموعتي الضواري الإمبرياليين ذوي الجبروت العالمي التين لم يكن باستطاعتهما أن تتحدا ضد العدو السوفييتي، 3) إمكانية تحمل حرب أهلية طويلة نسبياً، ومن أسباب ذلك أبعاد البلد الهائلة ورداءة وسائط النقل، 4) توفر الحركة الثورية البرجوازية الديموقراطية في أوساط الفلاحين العميقة إلى حد أن حزب البروليتاريا أخذ المطالب الثورية عن حزب الفلاحين (الحزب الاشتراكي-الثوري الذي كان في أكثريته على أشد العداء للبلشفية)، وحققها فورا بفضل ظفر البروليتاريا بالسلطة السياسية؛- إن مثل هذه الظروف الخاصة غير متوفرة الآن في أوروبا الغربية، وليس تكرارها أو توفر ظروف مشابهة لها بالأمر اليسير أبداً. ولهذا السبب، بالإضافة إلى جملة أسباب أخرى، يكون أمر بدء الثورة الاشتراكية في أوروبا الغربية أصعب منه عندنا. وإن محاولة «تحاشي» هذه الصعوبة بواسطة «النط» من فوق مشقة الاستفادة من البرلمانات الرجعية للأغراض الثورية، هي صبيانية صرف. أفتريدون أن تنشوا مجتمعاً جديداً؟ وأنتم تخشون الصعوبات لدى تشكيل كتلة برلمانية حسنة، مؤلفة من شيوعيين ذوي إيمان وإخلاص وبطولة، في برلمان رجعي! أوليست هذه صبيانية؟ فلئن استطاع كارل ليبكنخت في ألمانيا وز. هوغلوند في السويد أن يضربا، حتى بدون تأييد جماهيري من أسفل، أمثلة للاستفادة من البرلمانيات الرجعية استفادة ثورية حقاً، فكيف يمكن لحزب جماهيري ثوري ينمو بسرعة، وفي ظروف ما بعد الحرب، ظروف خيبة الجماهير وحنقها، ان يعجز عن تشكيل كتلته الشيوعية في برلمانات أسوأ؟! وبما أن جماهير العمال المتأخرة ولدرجة أكبر -جماهير الفلاحين الصغار متشعبة في أوروبا الغربية بأوهام الديموقراطية البرجوازية والبرلمانية أكثر بكثير منها في روسيا، لهذا السبب بالذات لا يمكن للشيوعيين أن يشنوا (بل يجب عليهم أن لا يشنوا) إلاّ من داخل مؤسسات كالبرلمانات البرجوازية نضالاً مديداً عنيداً لا يتوقف أمام أية صعوبات في سبيل فضح هذه الأوهام وتبديدهما وتذليلها.

يشكو «اليساريون» الألمان من «زعماء» حزبهم الطالحين، ويستسلمون لليأس، وينتهي بهم الأمر إلى شيء مضحك، إلى «نفي» «الزعماء». ولكن في الظروف التي يتأتى فيها غالباً إخفاء «الزعماء»، يكون إيجاد «الزعماء» الصالحين الموثوق بهم والمجربين والمتنفذين أمراً على غاية من الصعوبة، والتغلب على هذه المصاعب مستحيل بدون الجمع بين النشاط العلني والسري، وبدون أن يُمتحن «الزعماء»، فيما يمتحنون، كذلك بمحك المنصة البرلمانية. إن الاعتقاد، بل وأقسى الانتقاد الذي لا يعرف الهوادة والمسالمة أبداً، ينبغي أن يوجه، لا ضد البرلمانية والنشاط البرلماني، بل ضد أولئك الزعماء الذين لا يستطيعون، وبالأحرى ضد أولئك الذين لا يريدون، أن يستفيدوا من الانتخابات البرلمانية ومن منبر البرلمان بالطريقة الثورية، بالطريقة الشيوعية. ومثل هذا الإنتقاد وحده، على أن يقترن، طبعاً، بطرد الزعماء غير الصالحين والاستعاضة عنهم بآخرين صالحين، سيكون عملاً ثورياً نافعاً ومثيراً يربي في الوقت نفسه «الزعماء» ليكونوا جديرين بالطبقة العاملة والجماهير الكادحة، وكذلك الجماهير لتتعلم فهم الوضع السياسي بصورة صحيحة وإدراك الواجبات التي تنشأ عن ذلك الوضع، تلك الواجبات التي كثيراً ما تكون معقدة ومتشابكة [17].


**************************************************
مرض -اليسارية- الطفولي في الشيوعية
كتب في أبريل 1920
في كتاب على حدة،
في بتروغراد،
عن دار الدولة للطبع والنشر