ملامح العراق القادم في ضوء ازمة المالكي / الهاشمي .

ياسين البكري
2011 / 12 / 24

خلق اتهام نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي بالوقوف وراء عمليات ارهابية صدعا في العملية السياسية وحالة ترقب كبيرة من قبل الشارع العراقي ، وكذلك السياسيين العراقيين عن مغزى هذا الاتهام ؟ وصدقيته ؟ والدوافع التي تقف ورائه ؟ وتوقيته ؟
القراءة الاولى (من جانب سياسي وليس قانوني) تتجه الى ان هناك مرحلة جديدة في تصورات المالكي اعد لها مسبقا من خلال الهيمنة على الاجهزة الامنية وبناء تحالفات خفية تعيد رسم خارطة توازنات القوى داخليا لانفراد كامل للسلطة في بغداد وهذه المرحلة تتزامن مع الانسحاب الامريكي الكامل والتصورات الاقليمية لمستقبل الصراع في المنطقة .
ما هو التصور الامريكي لمحور السلطة في بغداد ؟ وما هو التصور الايراني لهذا المحور ؟
في ضوء الانسحاب فان هناك معركة بين ايران وامريكا وحلفائها في المنطقة بوسائل جديدة ، وهذا المستوى هو الراجح من هذه الازمة التي لا يمكن تصورها على ضوء خصومة شخصية بين المالكي والهاشمي فهذا التصور تسطيحي للازمة يلغي البعد الدولي والاقليمي لواجهة المسرح في بغداد وهو الاهم بعد الانسحاب ، بمعنى ان بغداد هي مسرح للاعبين خفيين وصراع قوى تتجاوز الابعاد الشخصية والانية والداخلية للازمة .
ما يجري هو صراع امريكي ايراني في ضوء مشهد اقلمي اوسع يحتاج الى اعادة رسم وتحديد مناطق النفوذ على ضوء مسلمة ايرانية امريكية وهي ان نظام الاسد في لحظاته الاخيرة .
ايران تريد ان تخلق نظاما مواليا لها بشكل كامل في بغداد وتعويض خسارتها في دمشق .
امريكا تخطط لخنق كامل لايران عبر نزع حليفا الاسد وقلب موازين القوى في بغداد .
في سيناريو اتهام الهاشمي اي التصورين الاستراتيجين يعمل ، الايراني ام الامريكي ؟.
الانطباع الاول يشير الى السيناريو الايراني ، ولكن السؤال في اي اتجاه يرغب المالكي ؟ من الذي يحقق طموحاته الشخصية والوطنية ؟
المالكي يدرك ان اي تحالف مع ايران سيكون محفوفا بمخاطر جمة . ايران تبحث عن تابع كامل خصوصا وان ادواتها الداخلية من قوى سياسية تضعف نزوع الاستقلال النسبي لاي حاكم في بغداد لو اراد اتخاذ خطوة تتقاطع مع ايران .
تجربة المالكي مع الامريكان تشير الى انهم دعموه في اكثر من معركة مع خصومه داخل الطائفة وخارجها وليس اخرها تثبيته كرئيس للوزراء لدورة ثانية .المالكي يبحث عن مجد شخصي ووطني .
ايران لا تمنح هذه الميزة والتحالف الكامل معها يجعله تابع ، تجربة الحكم لدورتين بالنسبة للمالكي عدلت الاولويات فان تكون حاكما لبغداد اهم من ان تكون تابعا لايران . درجة الاغراء للاولى اشد وتستحق المغامرة بمكاسب لم تعد تمنح الارضاء الكامل للمالكي ، اذا المالكي يتجه لامريكا التي تدعم انموذجا فرديا باطر ديمقراطية للحكم في بغداد ، وهذا ما يؤكده اولا الدعم المستمر من امريكا للمالكي ، وثانيا التوقيت لاتهام الهاشمي بعد العودة من زيارة امريكا ، وثالثا القبول العربي والتركي لدور عراقي في الازمة السورية ، اي ان المعادلة بعد اسقاط الاسد ان تكون بغداد ابعد عن ايران واكثر استقالية وبدعم امريكي وقبول عربي مع دعم لحكم المالكي لدورة رئاسية جديدة او اكثر ودعم اقتصادي خليجي لبغداد وقبول بالتضحية بالوجوه الراديكالية للسنة ،
هل نحن امام استنساخ لتجربة دعم صدام حسين ولكن بوجه حكومة شيعية في بغداد ؟ والاهم من الزاوية الامريكية هل نحن امام مرحلة جديدة في ادارة الملف الايراني والصراع معها ؟ هل ادركت اخيرا امريكا ودول الخليج ان الموازن الحقيقي لدور ايراني مهيمن في المنطقة هو العراق فقط ؟ هل ادركت اخيرا امريكا ودول الخليج ان الصراع مع ايران من البوابة العراقية هي اقل كلفة واكثر نجاعة ؟
الاجابة بنعم على التساؤلات السابقة توضح التوجه الجديد وحركة المالكي لإسقاط خصومه الراديكاليين من المشهد السياسي .
باختصار قواعد اللعبة تغيرت والاولويات تم اعادة صياغتها في ضوء متغير الانسحاب واسقاط الاسد في دمشق ، اي القبول امريكيا بحاكم مهيمن في بغداد ، والقبول خليجيا بحكومة شيعية والثمن تقليم اظافر ايران وهي بالنتيجة مصلحة تركية لدورها الاقليمي ومصلحة اسرائيلية في قطع شريان التمويل والدعم لحزب الله وحماس عبر البوابة السورية .

المسارات المحتملة للقوى الرئيسية في العراق من الازمة :
ترافق مع الازمة ارسال رسائل الى كل من القيادي في القائمة العراقية ووزير المالية رافع العيساوي بملفات مشابهة للهاشمي مع احتمالية عدم معرفته بها اي ان القائمين بأعمال ارهابية مع انهم من المقربين منه الا انها بغير علمه ، هذا الضغط والتلويح بمخرج يبغي تحييد العيساوي من اسقاط الهاشمي واضعاف جبهة الهاشمي .
موقف نائب رئيس الوزراء والقيادي في العراقية صالح المطلك سيكون قريبا من موقف العيساوي فهناك ملفات تنتظره وهو على علم بها من خلال تسريبات ، وهو امام خيار القبول باسقاط الهاشمي والاحتفاظ بمنصبه دون معارضة .
اسامة النجيفي لن يبالي باسقاط الهاشمي وتفرده بقيادة المكون السني ، وهو مدعوم من قبل تركيا الداخلة في التصور العام للمرحلة المقبلة ، اي ان قبوله باسقاط الهاشمي يترافق مع اعتراف المالكي له بتمثيل السنة في العراق .
موقف الشارع السني قد يكون حياديا من ازمة الهاشمي بعد ان خسر الكثير من تأييده الشعبي في معركة الحصول منصب نائب الرئيس وطريقة تعامل المالكي مع هذا الملف بشكل ذكي .
النتيجة في القائمة العراقية هو تفتتها واعادة علاوي الى المشهد كممثل لها ولكن بقوة اقل ، وقد يكون علاوي ادرك خطا التحالف مع الاسلاميين وانزوائه في الظل ، وعودته الان بصورة نقية كوجه علماني سيكون مرحلة التحضير للانتخابات القادمة .
الاطراف الشيعية تؤيد توجه المالكي الذي يروج لها بحكومة شيعية مستقرة دون منافسة سنية ، وهذه اولوية بالنسبة للأطراف الشيعية ، مع تحفظات على توجه المالكي الانفرادي ، غير ان حسم الصراع بوجهه الطائفي يمثل اولوية تتجاوز الخلافات الجزئية ، فالتيار الصدري يعتقد ان له قوة على الارض قد ترجح الكثير من رؤاه في مرحلة قادمة في الصراع البيني داخل الطائفة بعد حسم الصراع مع الطائفة الاخرى .
المالكي يدرك هذه القوة للتيار ويرسم معالم تحالف مع عصائب اهل الحق التي ستكون ضمن لعبة الصراع بينه وبين التيار الصدري ذراعه العسكرية الضاربة والموازن الحقيقي لقوة الشارع الصدري .
المجلس الاعلى له تحفظاته على سلوك المالكي ، غير انه بعيد عن دائرة التأثير الحكومي بعد نتائج انتخابات مجالس المحافظات 2009 ،والتغير في خطابه السياسي في مرحلة عمار الحكيم الذي يعتمد على القوة الناعمة والخطاب التجميعي والعراقي والابتعاد عن كل ما قد يشكك في ولائه الوطني واقترابه من ايران .
اما اقوى الكردستانية فهي تؤيد اي صراع عالي المستوى في بغداد فهو الاساس في دورهم اذ يلعبون على الصراع الطائفي واضعاف القوى الرئيسة فيه ، ومن جانب اخر يدعمون تفرد المالكي بالسلطة في بغداد الذي سيكون مبرر لاحتمالية اعلان دولتهم الكردية في نوروز 2012 ، التي كثرت التسريبات عنها . اذا هم سيدعمون رفع التوتر في قضية الهاشمي ويحافظون على مستواها العالي دون حل سريع فكل فوضى في بغداد وصراع تصعيدي يقربهم من اعلان الدولة .


الخلاصة
الازمة تشير الى :
- على المستوى الداخلي اعادة صياغة توازنات القوى ومحاولة المالكي تحييد اشد خصومه من الطائفة الاخرى بدعم امريكي وموافقة عربية خليجية لإعلان المالكي رجل العراق القوي .
- اعادة العراق لدور عربي واقليمي جديد كموازن لايران واعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة بسقوط الاسد وانزواء مصر .
- بالضرورة ستعمد ايران لصياغات جديدة تحاول افشال التصور الامريكي الخليجي التركي ، مديات المقاومة الايرانية قد تؤدي الى فوضى كبيرة في العراق .
- الفوضى في العراق لن تكون بعيدة عن تصورات امريكا وان حصلت فهي ضمن المصالح الامريكية فعدم الاستقرار احدى ركائز امريكا او هو البديل لاستقرار ليس في صالحها وبوابة لعودة جديدة للعراق تحت غطاء الفصل السابع والامم المتحدة .