صلواتهم ليست لوجه الله ، إنهم يلعبون

ليندا كبرييل
2011 / 11 / 8

مضى على إقامتي للعمل في جنوب شرق آسيا أكثر من أربع سنوات ، تنقلتُ خلالها بين دول عديدة وبالتحديد ماليزيا وسنغابور وأندونيسيا . إضافة إلى زيارات خاطفة لدول أخرى كالفيليبين وتايلاند . تعرفتُ خلال هذه المدة على بعض عادات وتقاليد هذه الشعوب التي تتقارب إلى حد ما مع عادات العرب ، كون الثقافة الإسلامية هي المسيطرة حيث أقيم .
لم يلفت انتباهي شيء كاحتفالهم بالعيدين الكبيرين : رمضان والأضحى .
أنا من بلد عربي غالبيته مسلمة ، عشتُ في جوّ مسلم عموماً ، ولم أجد المغالاة التي رأيتها مثلاً في أندونيسيا أكبر بلد إسلامي .
ولا أستطيع أن أؤكد إن كانت هذه الظاهرة التي أراها من وجهة نظري ( مغالاة ) قد تطوّرت واستفحل أمرها مع التدخل الاستثماري الخليجي ، الذي يستبطن تغلغلاً دينياً واضحاً نلمس آثاره في التشدد والتعصب الذي أخذ يطبع بعض فئات الشعب لا سيما في جزيرة سومطرة ، ونشاط المتطرفين الارهابيين في إثارة الاضطرابات بين الأديان ، واستهداف الأجانب في الأماكن السياحية في السنوات الأخيرة .. وهي في تزايد مضطرد .
رمضان السنة الأولى التي أمضيتها في أندونيسيا لم أنم ليلته حتى الصباح .
ما أن انتهى آذان المغرب حتى بدأت الصلوات من الجوامع المحيطة ببيتي استعداداً للاحتفال بعيد الفطر ، وامتدّت متواصلة حتى السابعة من صباح اليوم التالي : يوم العيد .
الصلوات تنحصر في عبارة واحدة فقط لا غير ، يتناوب على تلاوتها فرد في الغالب ومع اقتراب الفجر تبدأ مجموعات من كل الأعمار ترددها .. ليس هناك بين مرتّل وآخر أي فاصل .. ولا حتى ثانية واحدة ، فعندما يصل القارئ إلى آخر كلمتين يبدأ وراءه مباشرة القارئ التالي .
لا تسألْ عن الضجيج المتداخل من عشرات المآذن ..
يتراوح بين أصوات الأطفال والشيوخ وما بينهما ..
ويتراوح بين القبح والقبح الشديد ودرجاتهما ..
وبين الزعيق والصراخ وروافدهما ..
يطبع الجملة الوحيدة المؤلفة من بضع كلمات انفلات صوتي غير جارٍ على علامة موسيقية سليمة واحدة !!
تصورْ نفسك من السادسة والنصف مساء إلى السابعة من صباح اليوم التالي وأنت تحاول عبثاً استجلاب النوم ، تتقلّب بنفاد صبر في فراشك من ترداد جملة واحدة فقط في شبه غارة صوتية ، يتنافس فيها الأطفال بالذات ، المبتهجون كما يبدو بوقوفهم وراء المايكروفون وهم يقدحون شرارات أصواتهم الرفيعة بهستيريا محمومة !!
ظننت الأمر يتعلق بالليلة الأولى فحسب .. فإذ بي في الليلة التالية أيضاً أسهر معهم أنا وأهل بيتي حتى الصباح وقد ركبَنا عفريت العصبية !!
ولم يدهشني أن تكرر الأمر نفسه ليلة عيد الأضحى .
فوضى وصخب لا يمتّان بصلة إلى شيء اسمه صلاة إلى الله .
كنت على تحفّظي على الآيات التي ترميني بالكفر ، تذوب روحي إعجاباً بصوت المقرئ الكبير الشيخ " عبد الباسط محمد عبد الصمد " .
كأن صوته يتبع لمخلوق استوى فوق البشر .. يطالعنا من بين الغيوم كالنور .. كالألق .. كأننا لم نخلق لسماع صوت إلا صوته الرخيم ..
خيط ذهبيّ قادم من نسج شمس مبهرة ..
ألا ما أسعدك يا منْ شبك صوته الرخيم روحك مع الملكوت ، فمسح بيده السحرية على أوتار قلبك المتعب ، لترتفع الأمنيات الصافية وتعانق السماء ..
كانت شمس ال ( بكرة ) تخبز لنا حياة جديدة مع كل حجّ جديد صوبها مع تألق صوته فلتة زمانه .
عمّنْ أتحدث ؟
عن الأماجد عبد الباسط عبد الصمد أم عن محمد رفعت أم عن محمد المنشاوي أم ....؟
عن العمالقة الذين أتقنوا المقامات الموسيقية الشرقية من بيات ونهوند وحجاز والعجم ....
يااااه ~ أين أنا اليوم من ذلك الزمن الأغر !!
أهذه صلاة إلى الأعلى المقدس أم مظاهرة مجنونة تطالب بحق الصخب ؟؟
هاأنذا للسنة الرابعة على التوالي أعايش هذا التقليد الأرعن ، اللاضابط له ، المنفلت من عقاله ، المعتدي على حق البشر في الركون إلى السكينة والهدوء .
عجباً !
أليس هناك طريقة حضارية لتجنّب كل هذا الازعاج ؟؟ ألا يعلمون أن هناك مرضى ؟ طلاب علم ؟ أليس هذا حجْراً على حرية الناس وخصوصياتهم ؟
لماذا علينا أن نطوّع أنفسنا انصياعاً لخدمة مشاعر المسلم في الوقت الذي لا يداري مشاعر الآخر المختلف ويصفه ليل نهار بالكافر حفيد القردة والخنازير ؟؟
في السنوات الأخيرة زادت حدة التحدي المسلم لإظهار الشعائر ، فغضّ القائمون على شؤون الدين النظر عن مئات .. ألوف المآذن التي تضجّ بها المدن الإسلامية .
فالتنافس بين المؤذنين ، والتفاوت في توقيت رفع الآذان في المساجد ، سبّب تلوثاً سمعياً حاداً مع استعمال المايكروفونات ، فترى فضاء المدينة وكأنه تحول إلى معركة حقيقية ، داحس من اليمين وغبراء من الشمال ، تشحذ فيها الهممُ أصواتَها الفاجرة ، فتتهاوى الكلمات على الرؤوس كالحجارة ، وتتكسّر الحروف على الحروف ، وتأخذ المعاني بخِناق بعضها ، وينبو صوتٌ في أعاليه ليُخمِد صوتاً في وقاره ليخبو لفظ الجلالة تحت سعير أصواتهم الهائجة !
كيف يهون عليهم ذلك ؟
حسبما أعلم أن الآذان يقام في ساعة محددة ، ولنفترض أنه في مدينة كذا يبدأ آذان الظهر في الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة ، فهل من المقبول عقائدياً أن ينطلق في توقيت متفاوت ؟؟
التعليق على هذه المواضيع يُدخلك في دائرة البهتان والعنصرية !
لم يبقَ أمامنا التعليق على صفحة الرأي .. وإنما على صفحة الماء ..
أو للحقيقة لا صفحة رأي ولا صفحة ماء ،
التعليق أما أن يكون تعليكاً أو تعليقاً من رقبتك أيها المفتري ، إذ كيف تتجرأ على الاعتراض على إعلاء كلمة الله ؟؟
إن إلحاحهم باستخدام حقهم في ممارسة شعائرهم بهذه الطريقة الفجّة لن يصادف أهل فضلٍ يتفهّمون التعايش السلمي الودّي ، وسيتنامى النفور بتناسب طردي مع استهتارهم بحرية الناس وحقوقهم .
ما أصعب أن تضيق الحياة بآراء تنحو إلى العقلانية .. فتطوي أسباب حياة مشرقة انسحبتْ من عمري حاملة معها مرحلة عامرة بالذكرى الطيبة تطالبني دوماً بالوفاء لها !
لم نشعر في تلك الأيام المجيدة بهيمنة المسلم على المسيحي ، وصحيح أننا اليوم لا ندفع الجزية كما فعل أجدادنا ، لكني أرى أن الخنق الذي يمارسونه بأعمالهم هذه والتضييق علينا بشتى الوسائل هو صورة أخرى للجزية ، الخزية التي ندفعها من راحتنا !
إنهم لا يعملون لوجه الله .. بل لوجه أنفسهم ووجه الناس ووجه الطمع في المكرمات الإلهية .
فترى المرتّل يتلو مقطعاً من أنشودة دينية ثم يتحوّل فجأة من طبقة صوتية لم تناسب حنجرته الذهبية إلى أخرى ، ولا بأس أن يُنهي الأنشودة كلياً وهو ما زال في منتصفها ليبدأ بأخرى أجْمل وأفْرح لمواهبه الاستثنائية ، ومسموح لطفل طبعاً أن يزعق بملء صوته مع المرتل لتسمعه أمه وهي قاعدة في بيتها ..
يقف ( لعّاب ) في أول طلعته الشبابية وراء المايكروفون ويبدأ بتمرين صوته النشاز بأسماعنا ، يتلو جملتين ثم يتوقف ثواني طويلة ليلتقط نفساً أعمق ، وما هي إلا لحظات .. حتى يجأر بصوت تهتز لقبحه الحقول وبساتين الورد التي أعطت النقاء والطراوة لأصوات أساتذة تلك الأيام .. ليستأنف الصبي الأرعن دون جدوى معاودة التقاط نفَس يهرب من صدره هرباً فتخرج الكلمات مدغومة ، يقطعها مهرّجون آخرون يتابعون اللعب من الخلف ليطلق المايكروفون إلى أقصى مدى أصواتاً عالية عاوية زاعقة ماحقة !
إنه تهريج ولعب وولدنة ..
ولو لم يكن كذلك لما سمحوا لأهل الكفر أن يسخروا من آذان منطلق من مايكروفون معطوب منذ أكثر من ستة أشهر لم يتطوع مسلم صالح لتصليحه ، فيرتفع الآذان متقطعاً مسيئاً إلى اللفظ القدسي وهو يتهاوى فلا يظهر منه إلا :
الله أكبر اَلْ...هُ... أشه.....ن لا إله......اااه أشهد .... محمد ....... الله
حيَّ .....لا.... ..يَ....لا ...ا..ا..... حي على ...ا ...ا ... ا....ا... اح ...
....أكبر .... لا إله ............. !!!!!!!
أجاركم الله ~ أما من راشد ؟
ذهبتُ إلى المسجد وهو بجوارنا وقلت للمشرف : ألا تخجلون يا أخي ؟ اخرجْ واسمعْ وافهمْ وقل لي إن كانت هذه صلاة إلى الله أم لا ؟ اصعدْ إلى المئذنة واتبعْ سنة الصالحين التي كانت على عهد الرسول وصلِّ بصوتك .
هل كان يوجد مايكروفون في ذلك العهد ؟ حتى لو لم يصلْ صوتك إلى كل الناس فكلهم يعلمون وقت الصلاة بل يجب أن يعلموا حتى بدون آذان ، أليس أفضل من هذه المهزلة ؟؟
المسلمون في هذه البقعة من الأرض لا يعلمون شيئاً عن دينهم . فهم لا يقرؤون العربية وإن قرؤوها فبلا فهم ، ويكتفون بما يلقنهم الشيوخ المتدربون في مدارس التشدد العربية .
أكثر ما يثير دهشتي الأناشيد الدينية المعروضة في التلفزيون بمرافقة الآلات الموسيقية من جاز وكمان وجيتار وطبلة ، السيدات منهم يتمايلن كغصن البان ، وهنّ والمذيعات أيضاً متلفحات بالحجاب الملون المزخرف المشنشل بالخرز والماكياج الثقيل ، فأصبحْن يلفتن النظر أكثر مما لو كنّ سافرات .
أعجبُ للقائمين على الدين كيف لا يحتجون على هذه المظاهر القادمة من الغرب !
.........
أصبح طقساً بديعاً أن أجلس كل يوم على بلكون بيتي أرقب غروب الشمس وأنا أشرب القهوة ..
ألتفت بين حين وآخر إلى طلاب إعدادية في مدرسة دينية يتدربون على بعض الأناشيد الدينية الجميلة .
سمعتُ لحناً منهم يمجد الله ورسوله .. أعرفه .. ولكن ما هو ~~ أين سمعته ؟؟ أين .. أين ~~~
أخذتُ أردد الموسيقى معهم وإذ بالكلمات تنساب على لساني ..
جمد فنجان القهوة في يدي !
إنه اللحن العبقري لأغنية ( يا صلاة الزين ) للفنان محمد عبد المطلب ، فهل سيدهشني بعد ذلك إذا سمعت منهم لحن الأغنية الرائعة ( مقادير ) للفنان محمد عبده ؟ أو موسيقى ( قدّك المياس يا عمري ) ؟؟
يا عمري ~~
كله مقبول .. إلا أن يأتي اليوم الذي س ( تتَعجْرم ) و ( تتَهيْفأ ) و ( تتَزغْبب ) و ( تتَألْيس ) الأناشيد الدينية !!!
هذه طاقة روحية غير رشيدة .
لستُ ضد أن يتّقد القلب بالمسرات الإلهية .. وإنه لشيء مفرح أن يعبّر الإنسان عن انصبابات فؤاده وخلجات قلبه ، فيَصِل ما بين الأرض والسماء بجسر من التطلعات الوردية ، تكاد تشعره أنه وُلد من جديد .
يشتعل الوجدان ونحن نهلّل للمناسبات الدينية ..
التهليل فرح ، والفرح عادة لا يحمل طابعاً أنانياً ملك فرد ، وإنما هو حصيلة جهود فردية وجماعية .. ومن طبيعته أن يزدهر وينتشي ويغتني بوجود المجموع .
حق للمؤمنين أن يمارسوا احتفالاتهم بطريقتهم ، لكني أعتقد أنه لا بد للقائمين على الدين الإسلامي أن يبذلوا جهداً لجعل دينهم ملائماً لشروط الحياة العصرية .
فالذي يقبل بما أفرزته هذه الحياة من وسائل حديثة ولا يد له فيها وفي صناعتها .. فركب أفخر السيارات والطائرات ، ولجأ متحمساً لوسائل الاتصالات كالموبايل والكومبيوتر ، واستعمل الأجهزة الكهربائية ومنها المايكروفون ...
الذي يقبل بكل هذه الإرهاصات للحياة المدنية لا بدّ أن يقبل أيضاً بأسبابها .
فتصرفاتهم تشير إلى تعارض مع طبيعة العصر الذي انخرطوا فيه بقوة لكن بعقليةٍ لا تتفق والسلوك المدني .
إنهم يعيشون في وسط حضاري بعقلية مفارقة للحداثة .
أبدعوا في التحديث بفضل أموال نفطهم ، لكنهم فشلوا في الحداثة .
يستقبلون بشائر العصر الحديث بحفاوة وتهليل .. لكنها حفاوة مصلحة .
أخذنا اختراع المايكروفون من الكفار لنلعنهم بواسطته ليل نهار .
بوجود المايكروفون انتقلت الصلوات من مرحلة مخاطبة الملكوت لتصبح صراعاً ضارياً .
أصواتهم ذهبية دون شك ، لكنهم أخطؤوا بوضعها في المكان غير الملائم .
مكانها الوحيد هو وراء المايكروفون يزعقون في وجه الفقر الذي يشمل عامة الشعب ، في وجه البطالة التي بلغت 6,6 بالمئة ، في وجه زحام مروري لا يطاق ، وشوارع غير صالحة للمشي الآدمي . هذا هو مكانها الوحيد .
إننا ننقص من قدْر مُنشديْ الأمس الطيب لو قلنا إنهم أرقى وأجمل وأروع من هَذّاريْ اليوم عرباً كانوا أم غير عرب !
نفتقد أيام زمان بشدة ..
أيام كان القارئ يغمض عينيه بخشوع ويرفع وجهه إلى العزة الإلهية فتأتي عذوبة أناشيده لتتخلل أرواحنا .
تضفي نبراته الشجية غسولاً على أعماقنا بكثافتها الوجدانية المضيئة ، فنعيش جواً تطهيرياً .. لنرتقي فوق أنفسنا .. فوق العالم .. فوق المادة ..
يرنّ الصدى الإلهي بين جنبات قلوبنا فتأخذنا نشوة ترفع منسوب الصفاء في العقول وتمتصّ أدران الشهوات لتختلج الأفئدة بالخير .
إشاعة البشاعة طابع اليوم .
هذا نوع من العنف الفكري ، يصادرون من خلاله حقوق الآخر ويرفضون الاحتكام للمنطق ، بل ينطلقون من نقطة أنهم الأقوى والأكثر والأعلى ومالكو الحقيقة التي تخولّهم أن يحتكروا نقاوة المسلك والتفكير .
" إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "