الربيع العربي فرصة تاريخية أمام الأقليات للحصول على حقوق المواطنة خلال اقامة أنظمة ديمقراطية

محمد علي مقلد
2011 / 10 / 9

تحية طيبة ، إلى أسرة الحوار المتمدن
من محمد علي مقلد

1 – أيهما أهم برأيك، بناء دولة مدنية على أساس المواطنة بدون تمييز قومي أو ديني واحترام حقوق جميع القوميات والأديان، أم بناء دول على أساس قومي و أثني ، بغض النظر عن مضمون الحكم فيها؟
الأسئلة المطروحة ، كلها لا هذا السؤال وحده ، تدور حول قضيتين معاصرتين : القضية الفلسطينية ، وقضية الأقليات في العالم العربي ، ولا سيما القضية الكردية.
صحيح أن لكل من القضيتين خصوصيتها ، إلا أن الجامع المشترك بينهما يتمثل في كونهما ، رغم كل الاختلافات والخصوصيات ، من نتاج الجضارة الرأسمالية، هذه الحضارة التي أحدثت انقلابا في منظومات القيم الاقتصادية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، ما زال تأثيره ساري المفعول، وسيستمر طالما ظلت البشرية في سعي إلى فتح الباب على حضارة جديدة كان ماركس قد تنبأ بها وأطلق عليها إسم الاشتراكية ، ويبحث سواه من مريديه ومبغضيه عن أسماء ومضامين أخرى يطلقونها عليها.
قبل الرأسمالية ، كانت الأديان تلعب الدور الجامع ، وتطمس ما عداها من الجوامع " القومية"، (فكان أمرا عاديا أن ينصب صلاح الدين الأيوبي حاكما على مصر، استمرارا لتقليد بدأ مع عمرو بن العاص) .مع الرأسمالية صار الاقتصاد(في نهاية التحليل ،بحسب ماركس ، وليس في بدايته) هو العامل المهيمن والمحدد . العامل الاقتصادي اجتاح حصون الدين الحصينة وظل خلف الأضواء ، ملقيا العبء على السياسة ،إذ لم تعد الأطر القديمة(علاقات الانتاج) تكفي لقوى الانتاج النامية ، ولم تعد حدود الدويلات والولايات تتسع لطوفان من السلع تأتي من المصانع والمعامل لا من المشاغل الحرفية ، الخ . فكانت الدولة الأمة، أول نتاج سياسي لهذه الحضارة ، والجامع فيها ليس الدين بل قوة أخرى ( الاقتصاد) أقنعت القوى العاملة بأن الجوامع المشتركة لا تقتصر على إيمان وطقوس وعبادات ، بل تتعدى ذلك إلى ما هو أهم من ذلك ، إلى اللغة والتاريخ والمصالح المشتركة .
هكذا نشأت الحركة القومية في الغرب ، وعلى وجه التحديد في كل من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا ، وهي القوميات الأربع التي حددت وجه أوروبا والعالم .أما في الشرق فقد دخلنا إلى الحضارة الرأسمالية قسرا ، ولم تكن حركاتنا القومية نتاج تطور اقتصادي مادي يستلزم تغييرا في الأطر السياسية ، بل نتاج الدخول المشوه والقسري إلى الرأسمالية ، ذلك أن الحركات القومية في بلادنا نشأت بدافع الدفاع عن النفس ضد الغزو الرأسمالي ، وليس استجابة لتأمين مستلزمات حضارة تنبت في أرضها. من هنا كانت الحركة القومية العربية ، في أحد وجوهها ،ذات طابع شوفيني لأنها لم تطالب بالوحدة باعتبارها حاجة داخلية للتطور بل باعتبارها عنصرتحصين ضد الغزو الخارجي ، كما أنها وظفت شعار الحرية بمعنى التحرر من الاستعمار( ربما كان ذلك وراء ترسيخ نظرية المؤامرة ، التي تقوم على اعتبار الخارج ، أي الآخر ، هو العدو ، فغابت عن جدول عمل الحركة القومية قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية ...لأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، والمعركة هي دوما مع عدو خارجي.
الوجه الإيجابي لقيام الحركات القومية تمثل في كونها حركات تحرر من الاستبداد ، استبداد الكنيسة والأنظمة الوراثية وتخلف نمط الانتاج الاقطاعي (الخراجي بتعبير سمير أمين)في الغرب ، واستبداد الاستعمار والأنظمة الوراثية الدينية الاقطاعية في بلدان العالم الثالث .إذن يمكن القول إن نشوء الحركات القومية ، العربية في مواجهة الاستعمار ، والكردية في مواجهة الشوفينية العربية ، والأمازيغية والجنوب سودانية ، الخ ، مبررا بحكم وجود استبداد يمارس على هذه المجموعات الدينية أو الإتنية من طرف خارجي . أما وقد بدأ الربيع العربي الذي اختصر المطالب السياسية بأمر واحد وحيد ، هو الدخول إلى الحضارة الرأسمالية من بابها السياسي ، أي الديمقراطية بكل معانيها : تداول السلطة ، الاعتراف بالآخر ، حقوق الإنسان، الخ. فإنني أعتقد أن استمرار الحركات القومية على " خطها السياسي" القديم أصبح غير ذي معنى ، بل يمكن القول إنه بات كل مطلب بالانعزال في زمن العولمة وتحول الكرة الأرضية إلى قرية كونية أمراً معيقا للتقدم. بتعبير آخر ،يصبح طرح القضايا القومية في زمن التحولات نحو الديمقراطية من خارج جدول عمل التاريخ ، وأفضل مثال على ذلك تعايش عشرات "القوميات " ، أي المجموعات البشرية التي يجمعها جامع قومي ، لغوي أو إتني أو ديني ، داخل الولايات المتحدة الأميركية ، في حين تنبعث في أنظمة الاستبداد خصومات ونزاعات وصراعات استعيدت بذورها من أنظمة بائدة أيام السلاطين والخلفاء والملوك.
- ما موقفك من إجراء عملیة استفتاء بإشراف الأمم المتّحدة حول تقریر المصیر للأقليات القومية في العالم العربي مثل الصحراء الغربية وجنوب السودان ويشمل أقليات أخرى في المستقبل، مع العلم أنّ حق تقریر المصیر لکلّ شعب حقّ دیمقراطي وإنساني وشرعي و يضمنه بند من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ عام ١٩٤٨؟
ــ ما هي برأيك الأسباب الرئيسية للموقف السلبي من قبل الدول الكبرى تجاه إقامة دولة كردية مستقلة، تجمع أطرافها الأربع في دول الشرق الأوسط ، وهو مطلب شعبي كردي وحق من حقوقهِ ، ولماذا يتم تشبيه الحالة الكردية على أنها إسرائيل ثانية من قبل بعض الأوساط الفكرية والقومية في العالم العربي ؟
استنادا إلى كل ما تقدم ، يكون جوابي على الأسئلة المتعلقة بحقوق الأقليات كلها ، بما في ذلك الأقلية الكردية، هو أن بناء دولة ديمقراطية على أساس المواطنة بدون تمييز قومي أو ديني ، الخ . أهم من بناء دول على أساس قومي، خصوصا وأن فكرة الأقلية ليست ناتجة من حسابات عددية بل هي ناجمة من طبيعة النظام السياسي الذي لا يساوي بين المواطنين على أساس الانتماء الوطني ، أي المواطنة ، بل يفاضل بينهم على أسس أخرى مستمدة من أنظمة سابقة على الديمقراطية . هذا فضلا عن أن العالم اليوم ، في ظل الرأسمالية ، أو في ظل التجربة الاشتراكية المنهارة، أو حتى في ظل أوهام تقع فيها أنظمة الأصوليات الدينية ( شعار الأمة الإسلامية) ، يتجه نحو إقامة أنواع من الوحدات ، لا نحو الشرذمة ، لا سيما وأن الشرذمة ، كما حصل في جنوب السودان ، ليست في صالح شطري السودان ، بل هي تدفع الشمال نحو مزيد من الأصولية والجنوب نحو مزيد من التخلف.
بهذا المعنى ، أعتقد أن نتائج متل هذه الاستفتاءات معروفة سلفا ، لا سيما في ظل صراع مستحكم بين الإثنيات طال مداه ، وهو لا يعني سوى إجازة بتقسيم البلاد بين الإثنيات المتنازعة . هذا ما أجيز له أن يحصل في السودان أو في قبرص التركية أو في شطري تشيكوسلوفاكيا السابقة ، أو في الباكستان وبنغلادش ، ولم يجز له أن يحصل في لبنان وكردستان الموزعة بين دول أربع أو في سواهما ، وذلك لحسابات تضعها الرأسمالية العالمية في خارطة صراعاتها السياسية ومصالحها السياسية والاقتصادية، ولحسابات " قومية عربية" شوفينية لم تعترف بالكيانات العربية القائمة وعدتها من نتائج المؤامرة الاستعمارية التي حيكت في اتفاقية سايكس بيكو في أعقاب الحرب العالمية ، والتي بموجبها توزع العالم العربي بين النفوذين الإنكليزي والفرنسي ، وإنشئت دولة إسرائيل ، ولذلك يحسب أن كل دولة جديدة تقام على الأرض العربية هي بمثابة إسرائيل ثانية ، هذا ما قيل عن كردستان وعن جنوب السودان أيضا، وهو تشبيه في غير محله.
- هل يمكن للتغیّرات الراهنة في المنطقة - الانتفاضات والمظاهرات الأخيرة – من أن تؤدي إلى خلق آفاق جديدة أرحب للقومیّات السائدة کي تستوعب الحقوق القومیّة للأقليات غير العربية مثل الأكراد، إلي حدّ الانفصال وإنشاء دولهم المستقلة ؟
- هل تعتقدون بأنّ المرحلة القادمة ،بعد الربيع العربي، ستصبح مرحلة التفاهم والتطبیع وحلّ النزاعات بین الشعوب السائدة والمضطهدة ،أم سندخل مرحلة جدیدة من الخلافات وإشعال فتیل النعرات القومیة والتناحر الإثني ؟
إن الربيع العربي فرصة تاريخية أمام جميع الأقليات المنتشرة من المشرق إلى المغرب، الأكراد في العراق وسوريا، العلويون في سوريا ، الشيعة والمسيحيون والدروز والسنة في لبنان ، الشيعة في السعودية ، الأقباط في مصر ، الأمازيغ في المغرب العربي ، الإثنيات المختلفة في السودان ، الخ ، للحصول على حقوق المواطنة من خلال إقامة أنظمة ديمقراطية لا تميز بين المواطنين على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو الإثنية أو غير ذلك مما يميز المجموعات البشرية التي تعيش في هذه المنطقة .بل يمكن القول إن كل سعي خلاف ذلك ليس سوى تبديل شكلي ومؤقت في أشكال الاستبداد الذي يمارس أو يمكن أن يمارس ضد الأفراد أو ضد الجماعات في ظل انظمة حكم وراثية أو فردية أو حزبية على الطريقة التي كانت سائدة في الأنظمة " القومية" في العالم العربي .

- كيف ترى سبل حل القضية الفلسطينية وتحقيق سلام عادل يضمن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وفقا للمواثيق الدولية ومقررات الأمم المتحدة؟
- كيف تقيّم الموقف الأمريكي والدول الغربية المناهض لإعلان دولة فلسطينية مستقلة بعد خطوة الزعيم الفلسطيني وتوجهه إلى الأمم المتحدة لتحقيق ذلك؟



قضية فلسطين هي الوحيدة المتبقية من الاستعمار القديم ، المتمثل باحتلال الأرض والاستيطان واقتلاع السكان الأصليين . الحلول التي طرحت لحل القضية عبارة عن سلسلة من التسويات لم تبلغ مرتبة الحل النهائي ، ولن تبلغها ، إلا بزوال الاستيطان الصهيوني عن أرض فلسطين ، لكن ذلك قد يحتاج إلى عقود طويلة ، إن لم نقل قرونا ، لأنه مرتبط بتوسع النظام الرأسمالي العالمي الذي تبنى دولة إسرائيل واعتمدها حليفا وركيزة له في منطقة الشرقين الأوسط والأدنى ، وصولا إلى القرن الأفريقي.
بمعزل عن الأسس الدينية المزعومة لقيام دولة إسرائيل ، صار هذا الكيان أمرا واقعا فرضته موازين القوى في الصراع العالمي على السيطرة على الكرة الأرضية وخيراتها . وتحول إلى احتياطي عسكري لدى المنظومة العسكرية الاطلسية ، ولذلك ليس محتملا أن يتغير الموقف الغربي في الأمد المنظور من مسألة التحالف الستراتيجي مع إسرائيل ، لكن قوة القضية الفلسطينية وتحولها من قضية لاجئين إلى قضية شعب مقتلع من أرضه ، وتطورها بفعل النضالات البطولية للشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجها ، وبسبب الفجور الصهيوني ومخالفته أبسط حقوق الإنسان التي نصت عليها مواثيق الامم المتحدة ، المتعلقة بحق الشعوب بتقرير مصيرها ،الخ. تمكن الشعب الفلسطيني من إثبات نفسه على الساحة الدولية ، ومن تكريس حقه في العودة وفي بناء دولة مستقلة على جزء من أرض فلسطين.
الحل الممكن في الأمد المنظور هو إقامة دولتين على أرض فلسطين ، واحدة لليهود وأخرى للفلسطينيين ، أما الحل القابل للحياة فهو إقامة دولة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون واليهود ، دولة تشبه ما يطمح الربيع العربي بالوصول إليه ، أي دولة ديمقراطية غير عنصرية يتساوى فيها المواطنون أمام القانون ، ذلك أن العنصرية الإسرائيلية تتنافى مع حقوق الانسان ومع الأسس الديمقراطية التي تقوم عليها الدولة في الحضارة الرأسمالية. غير أن مثل هذا الحل يحتاج ، بالتأكيد، إلى جيل فلسطيني جديد وإلى جيل إسرائيلي جديد ، وقد يحتاج إلى آليات جديدة للصراع في العالم ، لن نصل إلا في أفق تجاوز الرأسمالية وبناء نظام أكثر عدالة . من قال؟ قد تكون الاشتراكية هي الحل؟!