العلاقات العراقية الكويتية / لعبة التاريخ والجغرافيا والتدخل الخارجي

ياسين البكري
2011 / 7 / 19

العراق والكويت حتمية التصاق جغرافي ونزاع تاريخي تعددت فصوله ومروياته في التاريخ الحديث للدولتين ، تغير الحكام وتبدلت العلاقة بين اللطافة والشك والصراع والنزاع ومحاولة الامحاء ، ومع كل هذه المتغيرات بقي العراق عراقا وان بصور مختلفة ، وبقيت الكويت كويتا ، وبقي النزاع والشك يحكم العلاقة بين الطرفين اكثر من المودة والتعاون .
وهنا يطل سؤال محوري مهم ، لماذا خصوصية الصراع تحكم العلاقة العراقية الكويتية ؟
صحيح ان صورة منطقة المشرق بعد خروجها من العباءة العثمانية وتشكل دولها القطرية بقيت صورة صراعية بصرف النظر عن الشعارات التي كانت تغلف هذه العلاقة في الظاهر العلني ، غير ان نزاعات الحدود بين دول تتفاوت في المساحة وامكانات القوة والموارد كانت مستمرة ، وكانت الرغبة من بعض الدول في ابتلاع او على الاقل التوسع على حساب بعضها ظاهرة ليست غريبة ، والمتتبع لهذه النزاعات سيجد العديد من الملفات التي كان لها شأن في توتير العلاقة بين دول المشرق وتحديدا في دول الخليج العربي ، ومع ذلك بقي الملف العراقي الكويتي اهمها واشدها واكثرها تداعيا على المنطقة والاقليم والعالم .
قصة تأريخ العراق الحديث مع الكويت ، من الملك غازي ومرورا بعبد الكريم القاسم حتى صدام حسين ، هي قصة جغرافيا اكثر منها قصة اشخاص ، مؤثرات اكثر منها رغبات ، الشكل الجغرافي للعراق كان له حضوره الطاغي على تلك العلاقة والمحرك الاساس للنظرة الى الكويت وما قصص العائدية التاريخية الا معززات للتوجه الجغرافي اكثر منها حجج احقية ، وما لا خلاف عليه ان الشكل الحديث لدول المشرق العربي بحدودها المعروفة هي نتاج اتفاقية سايكس بيكو وتوازنات القوى لما بعد الحرب العالمية الاولى اي بهندسة بريطانية بالدرجة الاساس ، ولا نعني هنا كما يود ان ينظر البعض ان العراق كتسمية او كامتداد تاريخي او هوية عربية اسلامية هو من صنع بريطانيا وما نقصده هنا هو الدولة العراقية في شكلها الحديث ، لذلك فأن الركون للحجج التاريخية في اثبات العائدية غير معترف بها في القانون الدولي والا تغيرت خرائط الدول الى ما لا نهاية .
ان الحتمية الجغرافية كانت لها اليد الطولى في رسم هذه العلاقة ، لذلك نرى ان اشخاصا مختلفين في شكل النظام السياسي الذي يحكم العراق تكون لهم الدوافع نفسها ازاء الكويت وفي اشكال مختلفة من النظام الدولي .
تنطلق الفرضية الجغرافية في تحليل العلاقة العراقية الكويتية من كون العراق دولة لها مقومات قوة ، من مساحة وعنصر بشري وموارد طبيعية تعطي لها دورا قياديا في المنطقة ، ومع عناصر القوة تلك فالدولة العراقية تعاني من ضعف في الشكل الجغرافي في اكثر من مفصل ، ولكن المفصل الاهم هو المطلع البحري ، فالعراق يعاني شبه اختناق يتحسسه اكثر في اوقات القوة النسبية ، فالقوة بحاجة الى مساحة انطلاق وتأثير وتمدد ونفوذ ، وهو ما حصل بالتحديد بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية حيث خرج العراق بوصفه قوة اقليمية كبرى ، واي متخصص استراتيجي كان يمكن له ان يتوقع حركة العراق بعد العام 1988 ، ويدرك ان انسياح القوة كان لا بد له من مجال حيوي تمثل الكويت عنصر جذب قوي لتحقيق متطلباته لأهداف متنوعة يشكل فيها المطلع البحري نقطة الارتكاز في السلوك السياسي حينها .
ان التحليل الجغرافي لا يلغي محفزات اخرى تجمعت حينها في الزمان والمكان عراقيا وكويتيا ، شكلت سلوكا سياسيا قهريا غيب الوعي والمنطق وتوازنات القوى العالمية حينها ودفعت الى خطيئة احتلال الكويت وتداعياته التي ما زال العراق يعاني منها .
القاعدة الاساس المشتقة من تحليل العلاقة الصراعية بين العراق والكويت يمكن ان نجدها في ثنائية الجغرافية والقوة ، فكلما زادت قوة العراق تحسس هشاشته الجغرافية واخذ يتطلع الى الكويت .
هذه القاعدة ان كان تصلح لتحليل السلوك السياسي للدولة العراقية قبل 2003 ، فهي نفسها تصلح لتحليل السلوك السياسي للدولة الكويتية بعد 2003 ، فمع تغير النظام السياسي في العراق ما زالت المخاوف الكويتية نفسها ، والكويتيون بتجربتهم المرة اقدر على تحليل هذا القانون واستخلاصه ، لذلك نجدهم يحافظون على اوراق لعب ازاء العراق ، كالتعويضات التي هي حق قانوني لهم فرضته ارادة سياسية دولية مستلبة من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، ولكن التعويضات تشكل استفزازا للشعور الشعبي والرسمي العراقي ، فضلا عن ملفات اخرى في مجملها اوراق استفزاز واخضاع للعراق بإبقائه تحت طائلة الفصل السابع ، واخر الاوراق هي ميناء مبارك حيث يحاول الكويتيون منه استفزاز العراق وجره الى رد فعل غير عقلاني، بما يعطي الحجة بان العراق ما زال يشكل خطرا على الامن والسلم الدوليين ، وبالتالي ابقاء العراق اطول فترة ممكنة تحت الوصاية الدولية بما يجنبهم مخاطر متوقعة من العراق ، السلوك الكويتي تجاه العراق تحكمه دالة اساس وهي اضعاف العراق قدر الامكان ، او ربطه مصلحيا بالكويت ، وميناء مبارك يأخذ البعدين في التصور الاستراتيجي الكويتي ، فهو من جانب يقلل من انفراد العراق بمزايا القناة الجافة التي توازي قناة السويس في الاهمية وتنافسها في حال بنى ميناء الفاو الكبير، والمردودات الاقتصادية الكبيرة لهذه القناة هي في المحصلة النهائية تزيد من قوة العراق وتعيد للذاكرة ضعف مطلعه البحري وهو ما يتناقض ليس فقط مصلحيا مع الكويت بل قد يصل حد تهديد امنها وهو الهاجس الكويتي الاكبر المعزز بتجارب تاريخية ما زالت طازجة وتداعياتها ما زالت لها حضورها الكبير في الواقع ، وفي جانب اخر ، فان ميناء مبارك اذا بني بملكية كويتية خالصة او بالتشارك مع العراق فذلك يعزز من موقف الكويت كشريك مهم في القناة الجافة وهو مطلب غربي وخليجي يبغي تحييد ايران ودورها التي تسعى له في ان تكون هي الشريك الاساس للعراق في مشروع القناة الجافة ، وهنا يمكن تلمس دور الارادات الدولية وصراعها مع ايران وكبح الرغبات الايرانية في مد نفوذها الى المنطقة كلاعب اول ، وهذه العلاقة التصارعية وضغوط اللاعبون الاساس فيها ، احد عوامل الخلاف العراقي الكويتي على ميناء مبارك الذي يخفي صراع ارادات خارجية تتعدى في هذه اللحظة ثنائية العلاقة العراقية الكويتية بل يمتد ليتشارك فيه الغرب ودول الخليج العربي في مقابل الطموحات الايرانية المتصاعدة والذي يمثل فيه العراق اهم ساحات الصراع تلك ، دون ان يعني ذلك انا ابتعدنا كثيرا عن مضمون القاعدة الجغرافية في تحليل الصراع العراقي الكويتي .
الكويتيون في لعبة اضعاف العراق يلعبون لعبة توازنات قلقة وخطرة وغير مضمونة النتائج وربما تواجه بضغوط خليجية مضادة تحكمها مخاوف التمدد الايراني ، وحسب هذا التصور تكون الكويت امام خيارات استراتيجية صعبة قد يكون مخرجها في اطالة امد التواجد الامريكي في العراق ، وهنا يدخل العامل الدولي ممثلا بالولايات المتحدة الامريكية ومتطلبات مصالحها الاستراتيجية وضبط توازنات المنطقة الملتهبة لاعبا مهما في رسم حدود الصراع العراقي الكويتي وضبط ايقاعه للحفاض على تواجده العسكري في العراق بوصفه ضامنا لمصالح متناقضة في ان لا تصل الى مرحلة كسر العظم ، او خسائر قد يراها اي طرف بانها غير قابلة للدفع ، وربما الرسائل الكويتية المتلاحقة والضاغطة الموجهة للعراق تزامنا مع قرب الانسحاب الامريكي حسب الاتفاقية الامنية ، فربما تحاول تلك الرسائل ان تزيد من صعوبات الواقع العراقي وملفات ارباك وتعقيد تزيد تخبط الحكومة العراقية ومشاكلها المتورمة والمزمنة ، وبالتالي مخاوفها في ان يتفكك الواقع السياسي العراقي الى بدايات دورة عنف اشد مما شهده العراق في الاعوام 2005 ، 2006، 2007 ، وهو واقع لا تتمناه القوى السياسية الحاكمة في العراق لأنه ببساطة سيطيح بمكاسبها في الاستحواذ على السلطة ، فالسلطة حين تدرك ذاتها وتمارس عمليا وتترسخ ولو نسبيا ويتلذذ الماسكين بها بمغانمها وهيبتها ونفوذها يكون لها متطلباتها وقوتها الضاغطة على شخوصها من اجل المحافظة عليها ، وهي طبيعة السلطة في كل مكان وزمان ، وبالتالي فأن الضغوط الكويتية ستزيد من مخاوف السلطة في العراق بما يجعلها تقبل بتمديد التواجد الامريكي في العراق بعد 2011 ، كضامن لاستمرار هذه السلطة بصرف النظر عن مديات قوة الدولة العراقية ، فالتواجد الامريكي في العراق بعد 2011 ، ببساطة هو حفاظ على الوضع الهش القائم الان في العراق ، فضلا عن بقاء التحكم الامريكي بدرجة او اخرى بالقرار السياسي العراقي ، وهو مطلب امريكي ، ومن جانب اخر مطلب كويتي في ابقاء العراق هشا لتجنب انسياح متطلبات القوة تجاهها ان عاد العراق قويا ، كما ان التحكم بالقرار السياسي العراقي واستمرار التواجد الامريكي في العراق يكون ارادة كويتية بوعد امريكي لعدم تجدد خطر عراقي او نفوذ ايراني ،وربما هذا الوعد الامريكي هو الثمن المدفوع من تحت الطاولة للكويتيين مقابل الاستفزازات للعراق .