عمر اميرالاي السينمائي التسجيلي الساخر

محمد عبيدو
2011 / 6 / 28

«وُلدت في الشام عام 1944 على مرمى حجرٍ من مقام شيخنا الأكبر محي الدين بن عربي، معطّراً بروحانيته مباركاً باسمه وكنيته، وقد عاهدت نفسي مذ صرت مخرجاً أن أنذر له ذبيحتين على روحه الطاهرة كلّما رزقت فيلماً». بهذه الكلمات يُعرف الراحل عمر أميرالاي نفسه في صفحته التي على الفيس بوك . وقد توقف قلب عمر اميرلاي في الخامس من شهر شباط الماضي في غمرة انشغاله بالثورات العربية التي اندلعت شرارتها من تونس الى مصر وخذله قلبه ولم يسعفه الزمن لكي يراها وقد وصلت الى بلده سورية , وهو المبدع والمثقف المهموم بقضايا وطنه عبر مواقفه السياسية وعبر سينماه التسجيلية ذات البعد النقدي الساخر والاليم في التقاطها لتفاصيل الواقع السوري وتعريتها وتوثيقها للبؤس الكامن فيه عبر مقترحات بصرية وجمالية جديدة بالسينما العربية . سبق ان قال عمر «أريد أن أعمل سينما فُراتية، سينما متدفقة جارية غير ساكنة». وكان فيلمه الأول محاولة عن سد الفرات عام 1970. وثم فيلمه الثاني «الحياة اليومية في قرية سورية» في عام ،1972 ، يتعقب البؤس، ويمضي مع البشر في قرية «مويلح الجنوبي»، حيث يلتقط عبر عينه السينمائية قسوة الطبيعة وانعدام أدنى شروط الحياة، و ويعود لنفس المكان من خلال فيلمه الأخير طوفان في بلاد البعث الذي أنتجه عام 2003.
ولد عمر أميرالاي في دمشق عام 1944 في بيئة تمازجت فيها الثقافات الشرقية وانفتحت على عوالم عربية وتركية وشركسية، . درس الفن المسرحي في مسرح الأمم في باريس عامي 1966-1967. ومن ثم انتقل إلى دراسة السينما في معهد (IDHEC) ثمّ التحق بالمعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، لكنّه انقطع عن الدراسة بسبب أحداث الطلبة عام 1968. وظل عمر وفيا لرهانه على السينما التسجيلية كفضاء ابداع وتغيير ، وعبر عن هذا العشق بقوله: «الفيلم التسجيلي لم يخذلني على مستوى التعبير ولا على مستوى علاقتي بالواقع، لأنّه بالنسبة لي الفيلم هو نتاج عَرَضي لعلاقة جديدة أبنيها مع الواقع عند كل مشروع فيلم، والفيلم يأتي كمحصلة لهذه المغامرة الجديدة التي أرمي نفسي فيها في الحياة وفي اكتشاف الناس"
وفي جعبة عمر اكثر 20 من فيلما تسجيليا هاما منها:
الدجاج 1977،. وعن فيلمه الدجاج يقول: إذا كان الدجاج حقيقة فالبشر هم المجاز، وهو فيلم يدرس البشر بلغة الحيوان، كما فعل الجاحظ، الفيلم التسجيلي لم يخذلني على مستوى التعبير، ولا على مستوى علاقتي مع الواقع . . في الثمانينيات، قدم أميرالاي أفلاماً خارج سورية، مثل «مصائب قوم» 1981عن الحرب اللبنانية، وفي مصر صوّر «الحب الموؤود»، و{العدو الحميم» عن المهاجرين العرب في فرنسا، وهذه جميعها من إنتاج التلفزيون الفرنسي .
رائحة الجنة 1982، ، فيديو على الرمال 1984، ، سيّدة شيبام 1988، شرقي عدن 1988،إلى جناب السيّدة رئيسة الوزراء بنظير بوتو 1990، نور وظلال 1994،عن رائد السينما السورية نزيه الشهبندر . فاتح المدرّس 1995، وهو بورتريه للفنان اضاء للمشاهدين من شخصيته وتجربته و آرائه . والفلمين الاخيرين صنعهما بالتعاون مع ومحمد ملص وأسامة محمد
" في يوم من أيّام العنف العادي، مات صديقي ميشيل سورا..." 1996، عن صديقه ميشال سورا صاحب كتاب «الدولة المتحوشة» الذي اغتالته عام 1986 جماعة تطلق على نفسها اسم «الجهاد الإسلامي في لبنان».
و" هنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدّث عنها المرء " 1997، وفيه يقدم شهادة جارحة للكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس , في ايام مرضه الاخيرة لتكون وصية جيل حلم وانكسرت احلامه مع هزيمة حزيران وما تبعها .
وجاءت هذه البورتريهات السينمائية التي انجزها بمثابة تساؤلات حول المجتمع والحراك السياسي والتاريخي في المنطقة من خلال تصوير الأفراد .
فيلمه " طبق السردين " انتاج 1997 هو اطلالة وجدانية على الماضي عبر ذكريات المخرج ايام طفولته عند خطوط التماس مع اسرائيل . ويقوم الفيلم بجولة في منطقة الجولان المحتل مستحضرا تفاصيل عدة من ذاكرة المكان والناس وفيلم الرجل ذو النّعل الذهبي 1999 عن علاقة المثقف برجل السلطة والمال عبر بورتريه تسجيلي لرفيق الحريري .
. قبل وفاته، كان أميرالاي يستعد لإخراج فيلمه الجديد «إغراء تتكلم» الذي يتطرق إلى حياة النجمة السينمائية السورية المعتزلة نهاد علاء الدين التي أطلقت عليها صحافة السبعينات لقب «بريجيت باردو الشرق»، وحول مشروعه هذا قال أميرالاي: «بعد صمت طويل واعتزال مندد بمواقف ساسة ومديري الفن والسينما في سورية تجاهها؛ ستخرج إغراء إلى الوجود للحديث عن سيرتها السينمائية التي لن ترضي كثراً. هذه الفنانة النجمة التي انزوت لسنوات من دون تكريم أو اعتراف بدورها في الترويج للسينما السورية، لأن القيمين على شؤون السينما ينظرون إليها كممثلة أفلام تجارية. ومشروعي هو إعادتها بحقيقتها إلى الشاشة، فقد كان لهذه النجمة المفتونة بالفن السابع مشروع قاتلت لأجله لسنوات، وهو مشروع يتعارض مع الأمر الواقع والمفاهيم السائدة، وهي تملك من الجرأة التي تحسد عليها، وهي مثال للمرأة الحرة، وأعتقد أن مَن يتملقون جواريهم ويجلدون زوجاتهم لن يعجبهم هذا الفيلم».