شطحات عن الديمقراطية وبعض الديقراطيين!

حبيب فارس
2011 / 5 / 18

أعيش منذ ثلث قرن (أو ثلثي عمري) في إحدى "واحات" الديمقراطية الغربية. وعلى عكس العديدين من رفاقي القدامى المهاجرين، من لبنان إلى تشيلي، ومن اليونان إلى اليوروغواي... لم أكتسب "نعمة" التخلي عن أفكاري الاشتراكية لصالح الرأسمالية. وعلى عكسهم أيضاً، لم "ينعم الله" عليّ بابتلاع صنّارة الديمقراطية الغربية، رغم دسم "الطعم" الذي يغلفها.
***
أتذكّر أنني مع بدء فكّي حرف اللغة الإنكليزية، ولسنوات عديدة، أدمنت على زيارة "حديقة الحريّة" في وسط مدينة سيدني، بعدما تأكد لي أن بإمكان المرء هناك "نشر حريم" من يريد (طبعاً ما عدا "صاحبة الجلالة" التي "لا تكش ولا تنش"!). أقلعت عن ذلك الإدمان، بعدما اكتشفت أن سببه حاجتي ل" دوبامين" نسيان سكين الضابط اللبناني "تمعط" شعري في مظاهرة طلابية بحرم الجامعة اللبنانية؛ إتلاف والدي "الدكنجي" للصحف القديمة التي كان يتبرع له بها الرفاق الشيوعيون، ليلفّ فيها "الحلاوة الجوزانية" لزبائنه، لدى إطلالات خوذات الجيش اللبناني من كل جهات بلدة عيترون الجنوبية، كي يملؤوا شاحناتهم ب "الحزبيين" - ومنهم لا يعرف معنى مفردة حزب- سعياً وراء ممارستهم تمارين "الفلقة" الدورية؛ الدركي الذي كتب ضبط بأحد المزارعين العائد من حقله، لأن قبة قميصه وسخة؛ الدركي "أبو علي" الذي كانت ترتعد من "وهرته" فرائس اللاجئين الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر...و...و...و
***
ولإقلاعي عن إدمان "حديقة الحرية" ألف سبب وسبب. أعترف أمام كلّ من كنت أشرح له قبل هجرتي، معنى القيمة الزائدة، أنني لم أكن نفسي أفقه هذا المعنى، بل أحفظه حفظاً. لم أكن بحاجة لأكثر من أسبوع واحد في أستراليا، حتى أهضم هذا المصطلح والمئات من مصطلحات الإقتصاد السياسي والديالكتيك المادي ل كارل ماركس. وذلك بعدما عملت في مصنع لإنتاج كاتم الصوت "إشكمان" (Muffler )، كان الجزء الذي أقوم به يساوي ربع العمل المطلوب لصناعة الكاتم الواحد مضروب بأربعمئة في اليوم يساوي مئة كاتم، مضروبة بعشرين دولار سعر سوق الكاتم الواحد، يساوي مئتي دولار، مضروبة بخمسة أيام عمل تساوي ألف دولار. كان معاشي الأسبوعي أقل من مئة دولار. فهمت بسرعة أين ذهب القسم الأكبر من ال تسعمئة دولار المتبقية. هل كانت سترف شعرة واحدة في جسد "مستر ستيفن" لو "زعقت" ضده عشرة ساعات في "حديقة الحريّة"؟...بالطبع لن يسمع ب"زعيقي"، وإذا ما سمع، سيكون في اليوم التالي طابور من "الزاعقين" العاطلين عن العمل حاضرين لاحتلال مكاني "المرموق"!
***
دعنا لا نستغرق كثيراً في المسائل الطبقية، التي أصبحت مزعجة لآذان العديدين من رفاقي القدامى، في الوطن الأم والوطن الثاني. هل تسمعون ب "روبرت مردوخ"؟ إنه أحد مواطنيّ الأستراليين (يا حنقن!). وبحسب التقاليد الغربية الأسترالية أستطيع أن أناديه باسمه الأول، بل أستطيع أن أستبدل "روبرت" ب "روب" وحتى "بوب" دون سيد ولا إستاذ ولا حضرة ولا فخامة (شايفين قديش أنا محظوظ؟!). المشكلة الوحيدة مع "بوب" أنني لا أستطيع نشر "رسالة إلى المحرر"، حتى في صحيفة ضاحية من آلاف الصحف والمنابر الإعلامية التي يتربع على رأس أمبراطوريتها صديقي العزيز "بوب"، إذا كانت هذه الرسالة خارجة عن "الأصول"، والمعني بالأصول كل نقد يطال "المردوخيين" من أصغرعضو مجلس بلدي إلى سيد البيت الأبيض وبينهما أي "ساميّ" آخر!
***
وهذا ليس المهمّ. المهمّ أنني مستعد ل "مشارطة" أي "ديمأراطي" عربي من "فارس سعيد" حتى "مقرن بن عبد العزيز"، على "حلق شواربي من ميل واحد"، إذا كان أي حزب سياسي غربي قادراً على الفوز بأية انتخابات، ما لم ينتخبه إعلام "مردوخ" وأقرانه سلفاً. إلى درجة أن عبدكم الفقير، يستطيع معرفة نتائج الصناديق الإنتخابية، قبل أسابيع من تاريخ الانتخابات الأسترالية، على كل مستوياتها، من خلال قراءة عنوان رئيسي واحد، لصحيفة "مردوخية" واحدة! وهنا أؤكد بأنني لست من المدعين بأن الجمهور الغربي مجرد "قطيع غنم"، بل أن الديمقراطية الغربية "بسحر ساحر" قادرة على توظيف قيمة عملي الزائدة، مع قيمة عمل غيري، في ماكينة إعلامية، أقوى في كتم أصواتنا، من كل كواتم أصوات السيارات التي نصنعها بعرق الجبين!
***
على "سيرة الإنتخابات" تحضرني مسألة التوريث السياسي. ليس دفاعاً عن التوريث البغيض في عالمنا العربي، بل من أجل التذكير بأن هذ اللوثة ليست غريبة عن الديمقراطية الغربية، فبيت مبارك وإبن علي وصالح والقذافي والأسد والجميل ومعوض وفرنجية والحريري وغيرهم موجودون في كل الديمقراطيات الغربية، حتى من دون الحاجة لشهداء وورثة دماء. لدينا في أستراليا، مثلاً، من آل "فيرغسون" ثلاثة أخوة، كان والدهم نائب فيدرالي، وهم اليوم موزعون على مجلسي نواب فيدرالي وولاية. هذا إذا نسينا بيت "كينيدي" و"بوش" و"كلينتون" في أميركا. وأحياناً كثيرة لا أستطيع التمييز بين السيدتين نائلة وهيلاري، قبل أن أتذكر أن زوج الثانية لا يزال حياً يرزق! إلى جانب النفحتين "الاستشهادية" و"البطولية" قد يكون هناك عوامل توريثية أخرى مختلفة بين العرب والغرب. كأن يكون الوريث العربي "معتوها" (مع احترام العاهات الجسدية)، أو غير قادر على قيادة فريق فطبول وبحاجة كل (ما دق الكوز بالجرة) أن يذكرنا بأنه "محسوبكم...إبن فلان الفلاني"!
***
كل ما تقدم، لا يلغي بعض الجوانب المضيئة في الديمقراطية الغربية. ليس أقلها الفصل بين الدين والدولة، الفصل النسبي بين السلطات، الكشوفات والمحاسبة النسبية، الحد الأدنى من الحريات والحقوق المدنية والضمانات الاجتماعية. وهي الجوانب التي فرضت فرضاً على هذه الديمقراطية، ودفع ثمنها غالياً من أرواح ودماء الشعوب الغربية، وبالأخص قواها التقدمية والمعادية للرأسمالية.
***
لا يجوز الكلام عن الديمقراطية الغربية دون الانتباه لبعض المسائل الأساسية والتي في جوهرها الاستخدام العبقري والفعال، من قبل دوائر صناعة القرار، في تسويق تلك الجوانب المضيئة إلى درجة مقايضتها ب"التطنيش" عن الجوانب السيئة، بل ربما الأسوأ. وإذ لا يتسع المجال لكل هذه المساوىء، يكفي التذكير بأن الديمقراطية الغربية مثلاً ليست محصنة ضد الفساد. نعم قد تؤدي مخالفة قانونية إلى إقالة رئيس أو نائب أو وزير، لكن هؤلاء غالباً ما يكونوا ضحايا غبائهم وجهلهم تجاه إمكانية استخدام القوانين نفسها للإفلات. ناهيك عن أن القوانين والتشريعات المحلية التي يحرّم بعضها الممارسات المسيئة للحريات والحقوق، تنطوي أيضاً على مفاعيل تبرير هذه المساوىء، لدى ممارستها خارج الحدود (حقوق الشعب الفلسطيني، غوانتنامو باي، الكيل بمكيالين تجاه الانتفاضات العربية الراهنة وهلمجرا).
***
أبشّر عشاق الديمقراطية الغربية في عالمنا العربي بأنه ليس كل "فرنجي برنجي". إلى الحدّ الذي يدفعني أحياناً لطلب مقايضة "انسلابي" على يد هذه الديمقراطية ب"القمع" الموجه لأخواتي وأخوتي في البلدان العربية! (لا تسجلوا ذلك ضدي، من حقي أيضاً المبالغة، أليس ذلك ما تجيزه الحريات الفردية!). أبشرهم بأن ما يريده الغرب الامبريالي لشعوبنا العربية ليس ما تريده هذه الشعوب. يريدون قوننة الاستغلال والاضطهاد والظلم والانسلاب...لا أكثر!
***
والأنكى أن يتصدر لائحة "رواد" الديمقراطية العرب، شخص مثل سمير فريد جعجع (بشارطكم بعدو مع بعض "الديموأراطيين" العرب بيضربوا نسوانهم)!
***
نعم يريد الغرب الإمبريالي الهدوء...لكنه الهدوء المصحوب ب "تسوناميات" العولمة المتوحشة...الهدوء الذي يجعلكم ترسمون على شفاهكم البسمات ولو كانت "مصارينكم عم تتقطع"...إسألوا مجرّب ولا تسألوا حكيم!
للحديث تتمة...