المسيحية ليست ( باراشوت ) نهبط بها فوق كنيسة

ليندا كبرييل
2011 / 5 / 3

نشر الأستاذ نبيل العدوان المحترم مقالاً في الحوار بعنوان ( مسلمات يبحثن عن الخلاص ) .
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=257407#236303
أرغب في إدلاء رأيي حوله .
ومقالي هذا ليس المعنيّ به منْ ترك الأديان إلى غير رجعة ، أناقش هنا من انتقل من دين إلى آخر فحسب .
كما أن هناك منْ تنصّل من أقدام السيد المسيح وارتمى عند أقدام السيد محمد هناك العكس أيضاً . وقد سمعنا بهذه التنقلات في سفريات الإنسان عبر الحقيقة على طول التاريخ ، ترى لماذا لا نسمع بهذه التنقلات في الأديان الأخرى ؟ وحتى إن حصلتْ لا يشيلها أحد من أرضها . لماذا نرى التنافس بشكل خاص بين هذين الدينيْن بالذات وتحصل زوابع من الإعلانات والتصريحات فتأخذ حيزاً من النقاش والإعلام في الوقت الذي تموج الدنيا بمشاكل خطيرة ؟
أي دين لن يُكتَب له النجاح ما لم يستعْلِ على غيره من الأديان ويقدم الجديد . من هنا لم تأتِ المسيحية لتنقض وإنما لتكمل ، وجاء الإسلام ليستوعب المسيحية التي سبقته بست مئة سنة ، بأن اعترف ببعض جزئياتها من جهة ولطشها من جهة ثانية باتهامها بالتحريف والتزوير ، ولو اعترف دين بدقائق عقيدة الآخر لما بقي له تابع واحد .
كل الأديان بما فيها الوضعية وكل مذهب بل كل طائفة وجماعة أيضاً ، تبالغ في تصوير نفسها أنها الصراط المستقيم ، وأن الله ملكها وبجيبتها وفي عروة زرّها !
إن انقلابك 180 درجة أيها المتأسلم أو المتمسيح ، يعني اعترافاً منك أنك حرّ التفكير حتى أتيح لك وضع يدك على مواطن الضعف في إيمانك السابق ، لكنك تستبطن عبودية جديدة . فالأديان تشترط العبودية وإلا لا معنى لها . والعبودية لدين معيّن يعني أن الإنسان يغلّب علاقته بربه ونبيه على حساب علاقته بأخيه الإنسان المختلف معه عقائدياً ، فنفاخر أننا أفضل من غيرنا بما نملك من مقومات هذا الدين .
والأديان السماوية بدعوتها إلى الالتزام بأوامرها فإن هدفها الأول مغالبة أهواء النفس البشرية . لكني أعتقد أن الدين ليس الضامن لصرْع نزعات النفس ، والدليل أنه مع كل رقيّ تعاليم المسيح فإن هناك منْ شذّ عنها والأمر نفسه ينطبق على كل العقائد . فترى الإنسان يصلّي من هنا ويكذب من هناك ، يصوم ويزكّي من جانب ثم يقوم بأعمال تجارية ظاهرها خدمة المؤمن كما في رحلات الحج المتميّزة أو في الصلاة بالصفوف الأولى في الحرم المكي لكنها تحمل شبهة الطمع والإثراء ويحمل المؤمن في عقله الباطن شعور التميّز والتفوق .
لكم الحق أن تتنقّلوا من دين لآخر ولنا الحق أن نرى ونعجب !
العقول لا تتغير بخطة جاهزة أو بقرار من الأعلى ، إنها تحتاج إلى الظروف الثقافية والفكرية التي تؤهلها لوضع تجاربها على المحك لتتبلور وتنتج قيماً جديدة . فالانتقال من قناعة عقائدية إلى أخرى يعبّر عن نفسه بالعطاء .لكن المتحوّل هنا يشارك ويلتزم بفريق دون آخر ، وهكذا فإن الأديان تدعو إلى الإخاء لكنها بالواقع تقصي الآخر .
كل الأديان تأتينا بالأتباع الذين عليهم الالتزام بالأوامر والنواهي حكماً ، وهذا يؤدي إلى وقف الحراك الذهني وجموده . أما الأكفاء فإنهم لا يأتون من خارج أبناء الدين مهما جادوا في تنظيراتهم وتفسيراتهم .
لماذا ؟؟
لأن الدين طريقة حياة ، ونسق فكري بما يتضمنه من مبادئ سلوكية توضع على محكّ التجارب العملية ، فتولّد خبرات تنتج خصوصيات ثقافية في المجالات الحياتية المختلفة .
وإذا كان مشروعاً في المسيحية أن تفسّر وتفلسف وتعطي معنى فنياً للمحسوس فإن هذا منتفٍ في الإسلام .
رؤية المسيحية قابضة على الرؤيا ، في حين أن
رؤيا الإسلام قابضة على الرؤية . والفارق كبير .
ليست المسيحية كنيسة وكهنة وطقوس وتقاليد فحسب ، وإنما هي إضافة لذلك منهج ثقافي شكّل مخزوناً نفسياً عبر الأجيال يفتقر إليه المتنصّر تماماً .
نحن المسيحيين ، حتى ولو لم نلتزم بالعادات نعيش ونتغذّى من ( وسط ) هذا المخزون الثقافي النفسي الذي ورثناه جيلاً بعد جيل ، إنه فعل بحد ذاته .
لكن المنقلب على دينه سيعيش حالة من رد الفعل واستسلاماً لقناعات جديدة تماماً عليه ولدتْ بالأمس القريب وليس من المرحلة الجنينية ، حالته أشبه بمنْ استند حتى الآن إلى الجهة اليمنى وجاء اليوم لنقل الثقل إلى الجهة اليسرى ، ولا غرابة أن يغير ثالثة لأنه ما من معتقد يخلو من ميتافيزيقيات غير معقولة . وكما يقول الأستاذ سامي لبيب " حماسنا لدين أو فكرة ليستْ عن قناعة وإخلاص بقدر ما هو خلق وجود لا نحسّ فيه بعبثية الحياة ، إنه ممارسة فعل وجودي يخرجنا من هامشيتنا " . صدقتَ يا أستاذ .
إن الانتقال من دين لآخر ليس أكثر من مدخل لإنتاج معادل نظري آخر يضفي مشروعية على لا معقولية يعيشها الإنسان على مستوى ذاته .
أيها الأخ المتنصر ( أو الأخت المتنصرة )
ليس المهم أن تكون مسيحياً ، المهم أن تتصرف كمسيحي ، روحاً وثقافة .
أخلاق المسيحي : ثقافة ، تراث ، ظله على الأرض .
ليس هناك دين واحد تلتقي عنده كل الضمائر والمعايير الأخلاقية !!
بل هناك ..
بلى بلى !
هو شرعة حقوق الإنسان التي من الطبيعي أن تلتقي في محتواها مع كل الأديان ، دين رحب يضمّ كل فئات البشر تحت لواء الحرية والمساواة والكرامة ، إنها الإنجاز الإنساني العظيم الذي يمنحنا قناعة تؤمن لنا اتزاناً نفسياً يساعدنا على تكييف أمورنا مع تمردات الحياة دون تدخل الآلهة .
ثم ، تعالوا نتفاهم :
على بنا متنصّرون ؟ طيب أين ذهبتم بقول المسيح ( متى صنعت حسنة فلا تصوّت قدامك بالبوق ، بل لا تعرف شمالك ما تفعله يمينك ) وأيضاً : ( متى صلّيتَ فلا تصلّ قائماً في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي تظهر للناس ، بل صلّ لأبيك في الخفاء ) .
لم تترك نجلاء الإمام أو ابن الحمساوي الفلسطيني وغيرهما محفلاً أو إذاعة أو جريدة أو زاوية وحتى اليوتيوب إلا وصوّتوا عما فعلوه . فكيف أصدقهم ؟
صوت كل متنصّر ومتأسلم ، أسمعه بحرارة مستعارة للأسف .
لهذه الأسباب من وجهة نظري ، لا أميل إلى تصديق المتنصر ولا المتأسلم ولا المتهود ، لأن الله ليس خبزة وجبنة أراه في هذا السوق ولا أراه في آخر . لا ضرورة لأن يشارك الإنسان في عضويته لدين معين حتى يثبت أنه مخلص , بإمكانه المشاركة في الثورة على نفسه بالجهاد لتخليصها من العفن المتراكم ، وتطهيرها لتقبل كل إيجابية في الحياة ومن أي دين كان ، فهذا أعظم دين .