نحن وبوش.. ومعاداة السامية

معتصم حمادة
2004 / 10 / 26

من المتوقع، بل من المؤكد، أن قانون بوش سوف يتجاوز حدود الدفاع (المزعوم) عن اليهود ليصبح دفاعاً عن إسرائيل وسياستها وممارساتها الدموية. فمن سيتصدى للضغوط الأميركية، عندما تصل إلينا، لتفرض علينا التطبيع وإعادة صياغة بـرامجنا التعليمية والإعلامية والثقافية، في إطار ما يسمى مكافحة «معاداة السامية»
الحدث الأميركي الأكثر أهمية، بالنسبة لنا، كان توقيع الرئيس بوش قانوناً جديداً، يلزم وزارة الخارجية في بلاده بإحصاء الأعمال المسماة معادية للسامية حول العالم وتقويم موقف الدول من هذه المسألة.
والحدث، رغم أهميته القصوى، مرّ في الصحف العربية مرور الكرام، حتى أن صحفاً كبـرى، تجاهلت الحدث تماماً، ولم تشر إليه لا من قريب أو بعيد.
كما اللافت، أن الطرف الوحيد الذي اعترض على إصدار القانون، كان وزارة الخارجية الأميركية نظراً لما سوف يحدثه من ارباكات، ستقع أعباؤها على وزارة كولن باول، والذي يقال إنه مرشح لمغادرة منصبه، إذ ما فاز بوش بولاية ثانية.
وهكذا نلاحظ أنه خلال أقل من ستة أشهر يوقع الرئيس الأميركي والكونغرس، قانونين، يلزمان الولايات المتحدة بسياسة تتطابق مع السياسات الإسرائيلية ولا تكتفي فقط بالتقاطع أو الالتقاء معها.
القانون الأول، وهو تحويل ضمانات بوش لشارون (14/4/2004) إلى قانون يلزم الولايات المتحدة بما جاء في رسالة الضمانات، باعتبارها سياسة ثابتة، لا تتغير مع تغير الرؤساء في البيت الأبيض. وقد وصف ديوان شارون ذلك القانون بأنه الحدث الأهم منذ ولادة دولة إسرائيل، فهو يعترف لها بضم المستوطنات والقدس الشرقية، وإسقاط حق العودة.. وكل الحقوق الوطنية الفلسطينية الأخرى..
القانون الثاني هو القانون الخاص «بمعاداة السامية» والذي وقعه الكونغرس، ثم بوش وقد شاء أن يكون توقيعه استعراضياً، ففعل ذلك في مهرجان خطابي في إطار حملته الانتخابية لتجديد ولايته في البيت الأبيض.
وقد يحاول البعض منا، لتخفيف وطأة الحدث، أن يدعي أن ما فعله بوش غير ذي قيمة، وأنه يندرج فقط في إطار تنافسه الحاد مع خصمه كيري لكسب أصوات اليهود في الولايات المتحدة.
لكن الوقائع الدامغة تدحض مثل هذا التقرير، وتؤكد لنا، في تتابعها، أن ما فعله بوش، إنما يشكل خطوة جديدة في سياق توثيق التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل.
ويحق لأي مراقب أن يتساءل، ما الذي يدعو بوش لتوقيع قانون ضد «معاداة السامية»، ولماذا الحرص فقط ـ كما يدعي بوش ـ على حماية اليهود من الاضطهاد مع أن اتباع الديانات الأخرى، السماوية، وغيرها، يتعرضون هم أيضاً لاضطهاد وتمييز ضدهم. ألم يشكو العرب والمسلمون (على سبيل المثال) من سياسة الاضطهاد، مع أن أتباع الأديان الأخرى، السماوية، وغيرها، يتعرضون هم أيضاً لاضطهاد وتمييز ضدهم. ألم يشكو العرب والمسلمون (على سبيل المثال) من سياسة الاضطهاد، التي يتعرضون لها على يد الأجهزة والإدارات الأميركية بعد أحداث 11/9، وأليس في العالم من يضطهد المسيحيين، هنا أو هناك، فقط لأنهم مسيحيون. ودون أن ننتظر جواباً من بوش، أو من أي من أركان إدارته، فإن القانون الجديد يبدو لنا واضحاً في استهدافاته. وهو يذكرنا، بشكل أو بآخر، بالحرب الأميركية على ما يسمى بالإرهاب.
فقد رفضت الولايات المتحدة ـ وما زالت ـ أن تعرف الإرهاب، وأن تضع له مسطرة معينة، بموجبها تقاس الأعمال وتحاكم على أنها إرهاب. وكان واضحاً أن مثل هذا الرفض إنما يهدف لإبقاء يد الولايات المتحدة حرة في التصنيف وتوزيع الاتهامات. فعمل ما هنا يصنف إرهاباً، وعمل مماثل هناك، يصنف على أنه مقاومة للإرهاب. وهكذا تنقلب المقاييس، فتتحول مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال على سبيل المثال إلى إرهاب، وتتحول الأعمال العدوانية والدموية الإسرائيلية إلى جزء أساسي من الحرب الدولية ضد الإرهاب، والتي تقودها الولايات المتحدة في العالم كله. وتساند الولايات المتحدة، في سياقها حربها المزعومة، عدداً من الأنظمة العسكرية الديكتاتورية المسماة صديقة لها، وتمارس بالمقابل ضغوطاً هائلة، على أنظمة أخرى، لم تستحق حتى الآن «درجة الصداقة بمرتبة الشرف» لتجري في داخلها ما تسميه الولايات المتحدة إصلاحات، يبين التدقيق في مضمونها، أنها تهدف إلى تعميق تبعية هذه الأنظمة للولايات المتحدة وسياساتها على المستوى العالمي.
وإذا كان التصدي لما يسمى «معاداة السامية» هو الدفاع عن اليهود من الاضطهاد، فإن التاريخ حافل بالوثائق التي تؤكد أن «اللاسامية» ولدت في أوروبا، وأن الولايات المتحدة نفسها ساهمت في تعزيز هذه الحركة ضد اليهود. ولازال التاريخ يؤكد أن الولايات المتحدة، كانت في مقدمة من رفض استقبال اليهود الهاربين من أوروبا، من نير النازية، وكانت تدفع بهم قسراً إلى فلسطين لإنجاح المشروع الصهيوني، في إطار رؤية سياسية، أميركية ـ صهيونية، تهدف إلى استخدام اليهود في مشروع استيطاني ذي أهداف استعمارية واضحة الأهداف.
خطورة ما وقعه الرئيس الأميركي لا يتعلق بأنه سيكافح ضد اضطهاد اليهود. فليس بيننا من يقبل بالاضطهاد، أياً كان ضحيته، يهودياً أم مسيحياً، أم مسلماً. كما أننا لا نقيم علاقاتنا مع الآخرين على قاعدة طائفية أو مذهبية، بل على قاعدة سياسية. ومازلنا أوفياء للأفكار النيرة للكاتب الراحل أحمد بهاء الدين الذي حذر في الستينيات من خطورة معاداة اليهود نكاية بإسرائيل، لأن في ذلك خدمة لإسرائيل ومشروعها القائم على الإدعاء بأنها تمثل اليهود في كل بقاع العالم، بغض النظر عن جنسيتهم. كما ما زلنا ننظر باحترام إلى مواقف آلاف اليهود في العالم، الذين يحملون السياسات الإسرائيلية وزر الكره الذي يتعرض له أبناء طائفتهم، هنا أو هناك، بسبب الخلط بين اليهودية كمذهب، وبين «يهودية» الدولة الإسرائيلية. كما ننظر باحترام إلى الموقف الشجاع لمئات اليهود في فرنسا، الذين رفضوا بشجاعة دعوة شارون لهم للـهجرة إلى إسرائيل، كما رفضوا محاولاته التدخل في شؤونهم عندما تعرضت بعض أضرحتهم وأماكن عبادتهم إلى اعتداءات، مؤكدين أن هذا يعتبـر تدخلاً في الشأن الفرنسي الداخلي (تبين لاحقاً أن أطرافاً غير مسلمة وغير مسيحية تقف خلف هذه الأعمال المعادية لليهود في فرنسا).
من المتوقع، بل من المؤكد، أن قانون بوش، سوف يتجاوز حدود الدفاع عن اليهود، ليصبح دفاعاً عن إسرائيل وسياساتها وممارساتها الدموية. ومن المتوقع أن ينصب الضغط الأميركي على أصحاب الرأي في أوروبا، حيث تتصاعد الأصوات الناقدة لسياسة الاحتلال الإسرائيلي. ودليلنا إلى ذلك الضغط الذي مورس على الصحفي آلان مينارغ، مدير الأخبار في «إذاعة فرنسا الحرة» الذي أرغم منذ أيام على الاستقالة بذريعة أنه أصدر تصريحات مناهضة لليهود، اعتبـرت معادية للسامية. وجريمة منيارغ أنه صرح لمناسبة صدور كتابه الجديد «جدار شارون»، رداً على سؤال، بأن إسرائيل «دولة عنصرية»، مينارغ، كما هو واضح لم يتحدث عن اليهود، ولا اليهودية بل عن إسرائيل كدولة. هذا المثال، وقبله كثير، دليل قاطع على حقيقة السياسة الأميركية القادمة.
لذلك نحن نتوقع أن تتعرض ـ كما قلنا ـ حرية الرأي في أوروبا لحملة أميركية شرسة. لكننا نتوقع في المقابل أن تدافع الكلمة في أوروبا عن حريتها المقدسة.
يبقى السؤال، من سيدافع عن حرية الكلمة ـ المحدودة أصلاً ـ في عالمنا العربي حين تصل إليها الضغوط، لوضع حد للآراء والمواقف المسماة زوراً ـ معادية للسامية ـ والتي هي في الحقيقة معادية لإسرائيل وسياساتها، وللتطبيع معها. من سيتصدى لمشاريع إعادة صياغة البـرامج التعليمية و«تنقيحها» حتى لا تتهم بمعاداة السامية ـ طبقاً للمقاييس الأميركية ـ من سيتصدى لمشاريع إعادة صياغة البـرامج الإعلامية، لتنسجم مع دعوات «التسامح» و«تقبل الآخر»، في الوقت الذي يرفض فيه هذا «الآخر» التسامح مع أطفالنا ونسائنا وعجائزنا، ويرفض فيه أن «يقبل بنا» بحقنا في الحياة الحرة والكريمة؟
أسئلة كثيرة يطرحها قانون بوش الجديد، من ضمن الأسئلة التي تطرحها السياسة الأميركية في منطقتنا، والتي تحتاج إلى أجوبة شافية، حتى لا يبقى كل شيء معلقاً في الهواء.. على مشنقة.

رئيس تحرير مجلة الحرية الفلسطينية