امراة النرجس للشاعرة التونسية منى بسباس السلامي

محمد عبيدو
2011 / 4 / 18

ان دراسة مجموعة شعرية جديدة لاتعني الاطلاع عليها من خلال القراءة المكثفة والمتكررة وحسب , بل معايشتها ومعاناتها .. حيث في كل نص شعري جميل وفريد تنساب سيولة جمالية خبيئة ادخرت لك وحدك , ان كنت قادر على استشفاف عذوبتها نصف الصامتة , ومن ثم اظهارها للناس لكيما يساهمونك رؤياك .

في هذه المجموعة " امرأة النرجس " للشاعرة التونسية منى بسباس السلامي - الصادرة بدمشق باللغتين الفرنسية والعربية , عن دار انانا - تشرق القصائد بين طقوس التجربة الانسانية كأنها طقوس قريبة من أوردة عميقة نتلوها في خرائط الشوق والحب والمعاناة , مبالغة قليلا ومتعاطفة كثيرا في تعدديتها , في إضافات تملك الرغبة في قول مختلف . وهي في قصائد المجموعة تضعنا في المنطقة المحرمة , منطقة الرأس الذي يقول كل شيء منطقة الهواجس والأفكار والتجارب الحقيقية والتطلعات المتخيلة بصدق صادم :
" نفضت ذاكرتي بلطف كما اعتدت أن افعل مع سجادتي الفارسية العتيقة
بأطراف أناملي برفق شديد خوفا من تلاشيها و انمحاء رسومها القديمة الرائعة أو ذبول بريق ألوانها الشرقية عبر الزمن
الزمن انا أنكر هذه الكلمة وأزجها مجددا من حيث أتت
من والى عالم اللاوعي
و من دون حسره أو ندم أفارقها وانفيها إلى النسيان مع من يحبون نشق غبار اللحظات الميتة
أو غبار فجوات الذاكرة الذي يعتلي رفوف وجودي الحزين و يرمق من علو سنواته الماضية سجادتي الفارسية العتيقة
التي نذرت نفسها للصمت و العفة للبقية المتبقية من وجودي و وجودها
لكن ذاكرتي تتصارع وحيده مع أطياف ساحة حرب قد محا الزمن آثارها "

" امرأة النرجس " هو كتاب ، كلماته تأتي من المطارح المصابة بالأوجاع القصوى، حيث لا يكفي الألم وحده للوصف. هنا الألم يعثر على ضالته في العدم، في شعرية العدم أعني، وهو في كتابة الغياب يعرف كيف يصنع لهذه المجموعة الشعرية تألقها

لا نحتاج الكثير من العناء في التقاط المشاهد للاستدلال على مهمة القصيدة في سعيها لإثبات مقولة الحقيقة والحاجة الانسانية للسلام والحب , فلو فتحنا المجموعة كيفما اتفق لطالعتنا بهذه المهمة :
" صوت غير مألوف لمطر يسقط فوق أرضيه شرفتي
له وقع حمام ينعش فتوه
ينقي الأجساد و الأرواح المضطهدة
يمحي داخلها المخاوف و الأحزان
ثم يرمي بأفكاري من جديد في سبات لذيذ
كان ذلك يوم أحد حزين
مطر اذار يغمر وحشتي ويخنق عبراتي
يشعل مجددا ألامي الدفينة تحت ركام صداقاتي الباليه
مطر طهر و نقاء
ماء غير منتظر ,غير مرتقب , هو بلسم لكل جروحي المهملة الغائرة
وربما هو افتداء لي من كل النزوات الماضية .. و القادمة أيضا لما لا..
مطر غريب , غير مرتقب , في خضم هذا الأحد الحزين
يأتي بغتة لتغيير منظر لوحتي المألوف
مطر مفاجئ
ماء لحديقتي الحزينة الموحشة "

نجد أننا, أمام النص المحمّل بالدلالات, , التي تحاول أن تُثبت منظراً تراه الشاعرة, لا باعتباره موضع سقوط عين الشاعرة على بقعة ما, بل باعتباره "باباً" الى العالم, هنا, فإن القصيدة على رغم كثافتها الشديدة تقدم لأعيننا وأرواحنا وأذهاننا, هذا الباب الواسع الى العالم المملوء بالتناقض, والذي تحيا فيه البراءة لصق الجريمة والفرح بجانب الألم والمتعة قرب الهلاك :
" صداقه وليده صدفه
فراق خلق من فضاء
حب لقيط لغضب جامح
عشق كلمات لقلوب حاقدة
متعه قواف منحوتة على جلودنا
خوف من تراتيل مملة تهشم أنغامنا
ضياع سوداوي ميت لزمننا
ميلاد بارقة صغيره من أحلامنا
كانت تائهة عن أشعارنا "

ينطوي نص منى بسباس السلامي على خبرة روحية , خبرة تاتي عادة من نوع من هلاك حسي , حيث يأتي النص من رماد هذا الهلاك ذاته فيصبح الشعر هنا تجديدا للروح ولمعنى الابداع