العلّامة الأعرجي .. النص المختلف

ناهضة ستار
2011 / 2 / 10

قال الناقد و أحد المنظّرين لثقافة مابعد الحداثة ومابعد الكولينيالية (أدوارد سعيد ) في احدى حواراته واصفا سلوك احد الأكاديميين في امريكا : ليس أقتل للثقافة من ان تتكلم اليوم كلاما ثم تأتي بعد خمس سنوات و نسمعك تقول الشئ نفسه ...
أتذكر هذه المقولة وانا اقرأ او استمع او احاور استاذنا المرحوم د. محمد حسين الاعرجي ـبرغم اختياره المبكر للغربةـ لكن جغرافية تأثيره ووعيه الناقد و غزارة النوع و الكم في انتاجه الادبي و التاريخي و والاكاديمي والثقافي شخصت جليلة في المشهد الثقافي المعاصر فهو في ابحاثه و مؤلفاته لايعرض الظواهر كما هي عند غيره اسلوبا او معالجة او تحليلا .. يتألق في لغة البحث العلمي وكأنه يكتب شعرا في اختلاف مثر يتجلى في طروحاته في قضايا القديم والجديد والبحث عن الاسماء الابداعية المهمّشة في عصورها وما تلاها لينقلها من الهامش الى المركز و الضوء .. والنظر في ماوراء ظواهر الكارزمات المهيمنة في المشهد الثقافي و التاريخي .من هنا توافرت القيمة/ الاختلاف لأبحاث الرجل و مؤلفاته لأن القارئ لابد ان يتهيأ وهو بصدد قراءته يتهيأ وعيا و ذائقة و فكرا و مزاجا لانكسارات كثيرة في افق التوقع مما قرّ في ذهن القارئ من حقائق صارمة مهيمنة اكتسبت الشهرة والذيوع حد التصنيم .. ولأن الوعي الثقافي وعي ولود منفتح و مفكّك شفرات و حارث في ارض المعرفة السائدة ليقدم رؤية مغايرة تثبت القول المأثور في الموروث الاوربي (اذا اتفقنا على رأي واحد فأحدنا لاحاجة اليه ) بمعنى ان الاختلاف هو مصدر حركية الثقافة والمعرفة و الابداع وهنا تنصهر ثنائية الاصالة و التجديد في قلم العلامة الاعرجي لذلك رأيته يتمتع بما يحلو لي تسميته ب( فروسية الرأي) في دفاعه المجيد عن آرائه المغايرة و مواقفه الخاصة من الكثير من قضايا الادب و الثقافة والتاريخ و المنهجيات فهو وثيقة لا يستهان بها فيما تجمّع لديه من حقائق و ما تفتقت عن قلمه الجاد و الحر من اضاءات ..أذكر مرة" اختلفت معه في قضايا منهجية نرددها على أسماع طلبتنا دائما وكأنها نصوص مقدسة فتعلمت منه ان أعيد فحص أدواتي المعرفية والمنهجية على الدوام فليس كل متداول قديم مألوف هو صالح للبقاء فالمعرفة لديه تجدد وتفتّق دائم عن افق بل آفاق جديدة بنا حاجة لكثير قراءة و ووافر تأمل و شجاعة رأي من اجل تقديم المفيد و المختلف و المتطور.. وهو الى اخر لحظات حياته لم ينقطع عن القراءة و التأليف لأن الثقافة و المعرفة تمثل لديه نسق حياة و مرصد ديمومة و نصا دائم العطاء و والتجدد بما يشتمل عليه من امكانية تعدد القراءات و تنوع التأويلات ، و هنا تتوازن بل تتكامل الروح الاكاديمية و العقلية الثقافية في مقدار التمكّن من ادوات المعرفة ما يوصلنا الى المجتمع تنويرا و اختلافا اصيلا وبناءا لأنساق جديدة لحياة وفكر دائب التسارع و العطاء و التراكم المعرفي الهائل في عصر العولمة. تراه وهو اذ يعرض لأفكاره يلتزم لغة عالية وهو يحرث ارض المعرفة فيحقق توازنا مخصوصا بين (ما يقول) و (كيف يقول) وهو يتكلم عن فكره تراه يفكر بكلامه..فتتألق في اسلوبه لغة التفكير و لغة التعبير يشير ذلك الى حقيقة مغايرة عن الشائع من ان لغة البحث العلمي لغة جافة بلا روح ولا جمال ولا ماء ولقد وجدت هذا التوازن في لغة أعلامنا الكبار مثل د. علي جواد الطاهر و د. عناد غزوان و د. جلال الخياط و د. جميل نصيف د. عبد الجبار المطلبي .. و المسرد طويل تتشرف به الاكاديمية العراقية و الثقافة العراقية بتميّزها اللافت بمثل هذا الالق الاصيل الذي يجمع رصانة الفكرة وجلال الموضوع مع جمال الاسلوب وابداع الطريقة .. من هنا كان له الفعل المثري في المشهد الثقافي العراقي و العربي فهو يديم الصلة بالمبدعين والمثقفين كما هو من العلماء المبرزين في الاكاديمية العراقية والعربية لذا استحق بجدارة تكريم الجامعة العربية وغيرها من المحافل الاكاديمية و الثقافية .
لك الرحمة استاذنا الكبير ودام لثرائك المعرفي ألق الذكر الجميل و خلود الفكرة الجليلة .