الحل الفلسطيني.. بين الواقع والخيال

معتصم حمادة
2010 / 12 / 26

هل يكفي أن يعترف العالم بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، حتى «تتحرر» الأرض الفلسطينية من الاحتلال والاستيطان، أم أن العنصر الفلسطيني الذاتي سيبقى هو الأساس في صناعة الحل الوطني للقضية؟!
نظرة إلى المشهد الفلسطيني الذي يرسمه الفريق المفاوض بتحركاته المختلفة، تقودنا إلى القراءة التالية:
* الرئيس عباس يطلب إلى ممثل م.ت.ف. في الأمم المتحدة السفير رياض منصور تقديم شكوى إلى مجلس الأمن ومطالبته بإصدار قرار حاسم بوقف الاستيطان، وإدانته، وفرض عقوبات على المستوطنات، باعتبارها تشكل انتهاكا للقوانين الدولية، ولقرارات صدرت سابقا عن مجلس الأمن وعن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
* وسائل الإعلام تنقل عن «مسؤولين فلسطينيين يرفضون الكشف عن أسمائهم»، قولهم أن خطوة الذهاب إلى مجلس الأمن بشأن الاستيطان، ستتلوها خطوة لاحقة ستطالب المجلس بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بحدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس؛ خاصة بعد أن تأكد عقم العملية التفاوضية.
* من جهته، وفي تبسيط سياسي، يقول عزام الأحمد العضو في اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي (المشلول) أن لا جديد في اللجوء إلى مجلس الأمن. فلقد سبق وأن لجأت إليه م.ت.ف. كما سبق له أن اتخذ سلسلة قرارات بشأن وقف الاستيطان. فضلا عن ذلك فإن هذه الخطوة لا تصطدم مع السياسة الأميركية التي مازالت تطالب بوقف توسيع الاستيطان في الضفة الفلسطينية.
* المستشار السياسي للرئيس عباس، نبيل أبو ردينة، يصف اللجوء إلى مجلس الأمن بأنه لا يعني طي صفحة المفاوضات، فالجانب الفلسطيني ـــ يقول أبو ردينة ـــ مازال متمسكا بهذا الخيار، وأن اللجوء إلى مجلس الأمن خطوة وظيفتها أن تزيل عقبة الاستيطان من أمام طريق العملية التفاوضية.
* الموقف ذاته أعاد التأكيد عليه الرئيس عباس في استقباله الوفد الإسرائيلي بألوانه السياسية المختلفة حين أكد على ضرورة تجنب كل أشكال العنف، متمسكا في الوقت نفسه بالخيار التفاوضي، داعيا للضغط على نتنياهو وحكومته للاستجابة لمتطلبات العملية التفاوضية وفي مقدمها وقف توسيع الاستيطان.
* وخلافا لموقف أبو ردينة وعباس، يتطوع نبيل شعث، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، والمبعد عن طاولة المفاوضات منذ زمن طويل، لنعي العملية التفاوضية، ويحمل نتنياهو مسؤولية موتها السريري الذي تعانيه الآن.
* ويلتقي شعث، نسبيا، مع ياسر عبد ربه، الذي تطلع إلى فضاء العملية التفاوضية، فلم يلحظ غيوما، واستبعد بالتالي أن تمطر هذه السماء حلحلة للعملية التفاوضية.
*الصامت الأكبر، هو صائب عريقات، رئيس دائرة المفاوضات في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس الوفد الفلسطيني المفاوض. وهو صمت يحمل في طياته معان سياسية لن يتعذر على «الخبير» في الشأن الفلسطيني أن يقرأها بوضوح.
* * *
ماذا يمكن أن نقرأ في مجمل هذه التصريحات والمواقف والخطوات.
يمكن لمتابع أن يقول إن ما نشاهده وما نسمعه لا يعدو عن كونه تعبيرا عن حالة الفوضى التي تعم صفوف الفريق الفلسطيني المفاوض، المصدوم بتعنت إسرائيل ورفضها وقف الاستيطان، للعودة إلى المفاوضات، والمصدوم كذلك بالموقف الأميركي «العاجز» عن الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، والداعي، بالتالي، للاستسلام للإرادة الإسرائيلية واستئناف المفاوضات مع استمرار الاستيطان وتواصله. هذه الفوضى سببها، كما يمكن القول، أن المفاوض الفلسطيني أسر نفسه داخل خيار وحيد هو العملية التفاوضية، وهو لا يرغب أن يغادرها، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يعود إليها. أي، بتعبير آخر، إن هذه التصريحات والمواقف إنما تعبر عن أزمة يعيشها الجانب الفلسطيني المفاوض، عبرت عن نفسها بوضوح.
خطورة مثل هذه الفوضى، ليس في أنها وقعت في لحظة سياسية مفصلية من حياة العملية التفاوضية. خطورتها تكمن في مسألتين:
* الأولى أن المفاوض الفلسطيني لا يعترف بوجود هذه الفوضى، لأنه لا يريد أن يعترف أنه يعيش أزمة. والأزمة هنا ليست أزمة العملية التفاوضية كما وصفها الرئيس عباس، حين وصلت إلى مسامعه أنباء فشل الولايات المتحدة في إرغام نتنياهو على وقف الاستيطان. بل هي أزمة خيارات سياسية لدى دوائر القرار الفلسطيني. إذ إن الاعتراف بأزمة الخيارات يشكل نصف الطريق نحو البحث عن خيارات بديلة. أو النصف الطريق لامتلاك إرادة سياسية لإتباع هذه الخيارات البديلة، والتي لم تعد تدخل في باب الأسرار السياسية، بل جرى تداولها على أوسع المستويات السياسية وباتت تشكل الرأي السائد عند الصف الواسع من فصائل العمل الوطني الفلسطيني وقادتها على اختلاف اتجاهاتهم.
* الثانية إن استمرار هذه الفوضى لفترة قد تطول نسبيا، من شأنه أن يلحق المزيد من الأضرار في الحالة الفلسطينية. فالاستيطان متواصل دون أية عوائق سياسية أو ميدانية. وسياسة هدم المنازل في القدس متواصلة هي الأخرى، في خطة باتت واضحة تستهدف ما تبقى من الملامح العربية والفلسطينية لهذه المدينة، باعتبارها «العاصمة الأبدية» لدولة إسرائيل، في ظل صمت مخيف، وحالة عجز مرعبة تعيشها الحالتان الفلسطينية والعربية إزاء هذا الملف الخطير.
* * *
في كل الأحوال، وأيا كانت مواقف المفاوض الفلسطيني، ومدى استعداده للاعتراف بمأزقه التفاوضي، ومدى انعكاس ذلك على مجمل المصالح والحالة الفلسطينية فإن الأمر الذي لا يمكن للمفاوض الفلسطيني إنكاره أن دعوات الفصائل الفلسطينية لتبني إستراتيجية بديلة، كالتي أعلنت عنها مؤخرا اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية بدأت تكتسب المزيد من المصداقية في أعين الشارع الفلسطيني، وفي أعين أصدقاء الشعب الفلسطيني وحلفائه. خاصة وأن الموقف الأميركي بدأ يخطو إلى الوراء خطوات لا يستشف فيها سوى مراعاته لمصالح الجانب الإسرائيلي على حساب المصالح الوطنية والقومية الفلسطينية والعربية.
لا بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك في القول أن عددا لا بأس ممن يعيشون على ضفاف الفريق الفلسطيني المفاوض لم يعودوا يخفون يأسهم من العملية التفاوضية وماذا يمكن أن ينتج عنها. كما لم يعودوا يخفون قناعاتهم ببعض ما تطرحه القوى الديمقراطية من حلول بديلة للمفاوضات، خاصة وإن ثمة أسئلة بدأت تطرح نفسها على جدول الأعمال وتحتاج للرد عليها، إلى شجاعة وإرادة سياسية.
*هل تستطيع العملية التفاوضية تحت إدارة الولايات المتحدة وبأشرافها، وبعيدا عن مرجعية الشرعية الدولية أن تعيد للفلسطينيين القدس المحتلة، وأن ترغم إسرائيل على الجلاء عنها؟
*السؤال نفسه يطرح بشأن الكتل الاستيطانية الكبرى التي تحولت إلى مدن تحتل مواقع إستراتيجية في أنحاء مختلفة من الضفة الفلسطينية وتلعب دورا مركزيا في الحياة السياسية، والحالة الاقتصادية الإسرائيلية.
*هل يملك المفاوض الفلسطيني من أوراق القوة الميدانية ما يمكنه من فرض رؤيته للحل على الجانب الإسرائيلي والأميركي، وهل يعتقد المفاوض الفلسطيني أن عاما من المفاوضات (والرئيس عباس يتحدث عن أشهر قليلة «إذا ما حسنت النوايا») قادر على حل القضايا الكبرى كالمياه، والحدود واللاجئين، إلى جانب ما أشرنا إليه أعلاه حول القدس والمستوطنات.
*هل يكفي أن يعترف المجتمع الدولي «بغالبيته العظمى» بالدولة الفلسطينية المستقلة بحدود الرابع من حزيران «يونيو» وعاصمتها القدس، كما فعلت البرازيل والأرجنتين والأورغواي وبوليفيا، حتى تتحرر الأرض الفلسطينية من الاحتلال والاستيطان أم أن على المفاوض الفلسطيني أن يملك إستراتيجية بديلة، تكون هذه الاعترافات عنصرا من عناصرها الرئيسية. وبعبارة أخرى هل ستقرأ إسرائيل في هذه الاعترافات موقفا دوليا يرغمها على حمل عصاها والرحيل عن الأرض الفلسطينية المحتلة أم أن دعم الولايات المتحدة لها، سيمكنها ويوفر لها القدرة لتحدي العالم، كما تحدته في أكثر من محطة سياسية وضربت بالرأي العام عرض الحائط، ما دامت الولايات المتحدة توفر لها الضمانات السياسية والأمنية والاقتصادية.
خلاصة الكلام، إن الحلول، أيا كانت، سترسو في نهاية الأمر عند المحطة الفلسطينية. والعنصر الفلسطيني سيكون العنصر الحاسم في صناعة هذه الحلول، دون أن نسقط من الحسابات الفلسطينية عناصر الدعم العربي والدولي الصديق.
غير أن هذه العناصر معرضة لخطر التبخر في الفضاء، إذا لم تستند إلى العنصر الفلسطيني الفاعل.