حول مقال : في نقد علمانية الدكتورة وفاء سلطان

ليندا كبرييل
2010 / 12 / 2

نشر الأستاذ نقولا الزهر مقالاً بعنوان : في نقد علمانية الدكتورة وفاء سلطان وهذا رابطه :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=236498
أرغب بإدلاء رأي حول الموضوع بشكل عام فأرجو أن تتفضلوا بقبول رأيي وشكراً
أعتقد أن مهمة الكاتب تنتهي عند تسجيل أفكاره لتبدأ مهمة أخرى تقع على عاتق المتلقي ليفسر ويقرأ السطور البيضاء وما بينها . والقارئ الذي لا يستنبط جوهر الفكرة التي يرمي لها صاحبها ، لهو قارئ كسول .
برأيي أن السيدة وفاء سلطان لم تؤسس مشروعاً بقدر ما أسستْ ( مفهوماً لمشروع حضاري )، وقد انتهجتْ نهجاً مغايراً تماماً للمشاريع المستقبلية التي طُرِحتْ حتى الآن . السيدة ليست إختصاصية في علم الإجتماع والسياسة والاقتصاد لتنظر إلى القضية المطروحة 180 درجة وتتناولها بالبحث والمعالجة العميقة ، إنها من زاوية اختصاصها تتناول نقد التراث الذي وقف أمامه المسلمون كمقدس لا يمكن الاقتراب منه . لست معنية بالدفاع عن آرائها فهي الأقدر ، كما أرى أن منْ يدخل هذه الغابة ينبغي أن يعلم مخارجها أيضاً . بجهدٍ فردي استطاعتْ السيدة أن تُنطق الحقائق وعينها بعيننا ، تزعق في الوجوه أن نطوي ببصرنا إلى أنفسنا لنمعن النظر في ظلامها قبل أن تضعنا على بداية الطريق ، وتسلمنا لقافلة أخرى من التنويريين الذين يجهدون بالبحث عن أسباب الانتكاسة الحاصلة في مجتمعنا العربي .
لفت نظري قولك أستاذ نقولا إن الفكر الديني الاسلامي لم يكن السبب الرئيس في الإرهاب ، بل حصرت الأسباب في العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولم تغفل الاشارة إلى العدوان الاسرائيلي . اسمح لي أن أعرض رأياً متواضعاً ولا أدعي العلم والمعرفة المتبحرة في هذه الشؤون وأرجو أن أوفق في إيصال فكرتي إلى حضرتك .
أرى أننا كنا ضحايا مرحلة سياسية غاية في الغباء ، حيث أقنع القوميون جيلنا بفكرة : أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج ولا تحتاج إلا لقائد أوحد ليحقق أمانيها . حكام فشلوا في بناء الوحدة فنكلوا بالمعارضين للبقاء في السلطة التي جاؤوها على دباباتهم ، ومن هزيمة لأخرى فقد الانسان العربي حماسه لقضاياه القومية والوطنية فانفتح الباب على مصراعيه أمام الأصوليين الذين رفعوا شعار الوحدة الاسلامية كبديل عن الوحدة العربية . وكان لا بد للحاكم أن يلجأ إلى ورقة الدين ليكتسب العصمة بالتفويض الالهي .
تحالف الدين والسياسة لا يخفى على أحد . أشهر عشيقيْن في التاريخ . عشيقان انتهازيان : هو يرفع الصوت إلى أقصاه ليتمكن من إغرائها والسيطرة على أضعف ما فيها ، وهي تتذرع بالمسكنة والضعف حتى يستسلم لها فتنقضّ عليه دون رحمة . ما عرف تاريخنا لحظات إشراق تدق إسفيناً بينهما .
إن كل أصولياتنا من دينية وقومية يحكمها منطق البداوة ، وقد فشل العرب منفردين ومجتمعين ومنقسمين عن مجابهة التغييرات العالمية ، فهم نجحوا في الأخذ بالتحديث لأنهم يملكون وسائله لكنهم فشلوا في الأخذ بالحداثة لأنهم لا يملكون أداتها الأساسية وهي العلمانية التي لا تقوم لها قائمة ما لم تنقطع العلاقة بين مؤسستي السلطة الدينية والسياسية .
ذهنية العنف تنحصر أسبابها في الاستبداد السياسي الضارب جذوره في ثقافتنا والذي يسحق كل حراك سياسي واجتماعي ويقضي على النخبة من الأكفاء ويأتينا بالأتباع الذين اعتادوا على مقولة : بالروح بالدم ، فيفدون أنفسهم في سبيله مادياً _ الأرواح _ ، ومعنوياً _ الأفكار _ ، وبأضعف الإيمان الوقوف في صف الهتيفة ، فيولّد اليأسُ العنفَ أو يدفع إليه ، لكن نقطة البدء الأساسية في العنف هي العقل بدون أي شك .
لم تكن فلسطين وإسرائيل موجودتين عندما قام رائد التأويل المتطرف ( المودودي ) الهندي ومن بعده سيد قطب بتأسيس التطرف . وكانت النتيجة أن بدأ العنف بموقف ضد الكفر وليس ضد أميركا وربيبتها إسرائيل ، مرتبط بالدين وليس بالشرف الوطني ، لكن الأصولية المتطرفة دخلتْ بقوة لتقدّم نفسها بديلاً عن الشعور الفاجع بالهزائم المتوالية ، فتبنوا الجهاد ضد اسرائيل وأميركا وقد أصبح الحال أن أرسوا مفهوماً أننا نعادي كفاراً ومحتلين بوقت واحد ، يجب دحرهم تحت مسمى الجهاد المقدس . وجود الأساس الديني يسهّل عمليات الارهاب ويضفي صبغة مقدسة . مسؤولية أميركا أنها خلقت ظروف انتشار الفوضى وسهلتْ مهمة الإرهاب ( وليس عن خلق الإرهاب من العدم )، وهذا رد على القول بأن أميركا ساعدت على تكوين عصابات طالبان في أفغانستان .
كيف ترى يا أستاذ أن الفكر الديني الاسلامي لم يكن السبب الرئيس في الإرهاب ؟
لم يعرف تاريخنا مرحلة هدوء إلا في أزمنة قصيرة جداً لا يقاس عليها . أما آن الأوان لنشير بإصبعنا إلى مسؤولية الدين عن العنف ؟ أين ذهبتم بالمرارات التاريخية ؟ لقد وقف البابا يوحنا في قداس يوم 12 مارس 2000 واعتذر عن أخطاء الكنيسة الكاثوليكية تجاه اضطهاد اليهود واعتذر عن العنف ضد الكنيسة الأورثوذكسية ، لكنه رفض الاعتذار عن الحروب الصليبية لأنه اعتبرها جزءاً من أخطاء متبادلة والأمر يستوجب الاعتذار من الجانبين ، هل يمكن أن يقوم شيخ الأزهر بشجاعة للاعتراف بالأخطاء التاريخية والراهنة ؟ هل تتفضل فتشرح لنا معنى المساواة الوطنية والإنتماء للوطن في دولة تعلن في دستورها أن دينها هو الاسلام ؟؟ ألا تعتبر هذا انتقاصاً من مواطنة الشرائح الدينية الأخرى ؟ وهل جميعنا نتمتع بنفس الحقوق ؟ لماذا يحق للمسلم أن يبشر بدينه أو يبني بيت عبادته ويرفع المئذنة لتناطح الغيوم ولا يحق كل ذلك لغيره ؟ إن الذين يقولون إن الإسلام غير مسؤول : لا يفهمون الاسلام ولا يتبعون تعاليمه . فكرة الجهاد والقتال فريضة من الأصول الخمسة في الدين ، والقرآن كما السنة والحديث مليء بالتناقض ، فإما أن ندير معنى ( الجهاد ) على حَوَل في رؤوسنا أو نضرب كفاً بكف متعجبين ونحن نسمع البعض يدعو إلى القرآن المكي فقط مع الانتقاء من المدني وهم في الحقيقة لا يجرؤون أن يحذفوا نقطة واحدة وهي إنجاز بشري وفي وقت متأخر !
شمس الاستعمار لم تغرب عن إهانة وإذلال معظم شعوب العالم ، لماذا لم يردّ الصينيون ؟ اليابانيون ؟ الفيتناميون ؟ الأفارقة ؟ الذين يحدثونا عن هيروشيما وناغازاكي أسألهم كيف كان رد اليابانيين على أميركا وليقارنوا برد العرب في هذه العمليات الانتحارية ، في تلك الحرب كانوا يستهدفون عدواً عسكرياً معلوماً ، نقاطاً عسكرية معينة , لا تفجير أجسادهم في الأسواق وأماكن العبادة . الصراع في البوسنة والهرسك كان صراعاً قومياً وليس مسيحياً إسلامياً . الصراع بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا كان سياسياً بالدرجة الأولى وحتى لو افترضت أنه صراع ديني فإنه ( لم يمتد خارج دائرة الصراع )، لم يذهبوا إلى بلاد العالم ليفجروا قطاراتهم أو أماكنهم السياحية أو مراكز تجارية ، وهذا ردي على بعض الآراء التي أشارت إلى هذا الأمر . العنف في النص ، والذي يقول أن الدين غير مسؤول ما عنده الجرأة ولا الشجاعة للاعتراف بأن تعاليمه تحض على القتال الذي يبدأ من الفكر، ابحثوا عن التفسير المتطرف الذي ينخر في العقول بدعم من كل الشيوخ ومساجدهم وخطبهم وقنواتهم حيث تجد التوعية الدينية تنصب على عدم مخالطة أهل الأديان الأخرى وعدم التشبه بهم .
التعليقات المحتقنة التي رأيتها على صفحتكم وفي مقالات أخرى لا يمكن أن توجد إلا بسبب حضور مناخ ديني محتقن كاره للآخر .
فلْيخرجوا بالمظاهرات العالمية لإدانة عمليات التقتيل والذبح كما فعلوا يوم الرسوم الكاريكاتورية ، وليصرخوا ضد الارهاب ، أم أن ألسنتهم الرياضية لا تعمل إلا عندما يتعلق الأمر بأميركا واسرائيل أو تطول عند تكفير الكتاب ؟ إن لم يرهبوك بالنص وفرضه عليك فإن إرهابهم بإقصائك , سياسياً واجتماعياً وفكرياً , وبأضعف الحالات يرهبونك بالنظرة , بقلوبهم التي تأسست على كره الآخر . كفاية تعليق المخازي على شماعة الغرب .
الساخر الضاحك الأكبر علينا هو اسرائيل , إنها ترتفع وترتقي على اتهاماتنا لها .
لكل هذه الأسباب ولأخرى خاصة بالسيدة وفاء لست معنية بعرضها، تناولت الدكتورة وفاء سلطان الاسلام بالنقد .