لجنة المتابعة العربية وزمن الضياع العربي

معتصم حمادة
2010 / 11 / 17

يبدو أن حسابات الزمن لدى اللجنة العربية للمتابعة تختلف عن حسابات الزمن لدى الكون كله. فالشهر، لدى اللجنة العربية، قد يكون أربعة أسابيع، وقد يكون خمسة أو ستة أو حتى ثمانية أسابيع. هذا ما يتضح من خلال متابعتنا لأعمال لجنة المتابعة وكيفية إدارتها للملف الفلسطيني، والمفاوضات مع إسرائيل.
ففي السادس من الشهر الماضي، منحت لجنة المتابعة العربية إدارة الرئيس أوباما مدة شهر (شهر واحد فقط لا غير) لتتحرك وتضغط على حكومة نتنياهو لتمديد تجميد الاستيطان، بما يفتح الباب لاستئناف العملية التفاوضية. ووفقا للحسابات العادية، فإن مهلة الشهر تنتهي، كما هو معروف يوم الخامس من الشهر الحالي، ولا بأس إن هي امتدت إلى السادس منه. أما في الحسابات السياسية للجنة المتابعة العربية فإن مدة الشهر قد تمتد إلى ما بعد عيد الأضحى، الواقع في السادس عشر من الشهر الحالي، أي قد تمتد إلى نهاية الشهر (هذا إذا كنا في أفضل أحوالنا تفاؤلا وإذا ما تحلينا بحسن النوايا وابتعدنا عن الظنون، فإن بعض الظن إثم).
وقد أفصح رئيس دائرة المفاوضات في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، عن حقيقة مكنونات صدر لجنة المتابعة العربية، وحقيقة مكنونات صدر الفريق الفلسطيني المفاوض، حين صرح بأن الطرفين (لجنة المتابعة والفريق الفلسطيني) اتفقا على ضرورة منح إدارة أوباما أسابيع إضافية لإنجاح مسعاها في توفير الظرف المناسب لاستئناف المفاوضات. أي بتعبير آخر، فإن لجنة المتابعة والفريق الفلسطيني أدركا أن فترة الشهر قد انتهت، وأن إدارة أوباما فشلت في مسعاها، وأن نتنياهو يرفض تمديد تجميد الاستيطان، وأن الكرة باتت في الملعب العربي ـ الفلسطيني. وأن على أصحاب هذا الملعب أن يقرروا أين يقذفون الكرة. لكنهم، وبدلا من أن يتحملوا مسؤولياتهم، ويلتزموا بما كانوا قد تعهدوا به، في البحث عن خيارات بديلة للمفاوضات في حال واصلت حكومة نتنياهو التعنت، فضلوا إعادة الكرة إلى اللاعب الأميركي، تاركين له ـ ولهم ـ فرصة جديدة للذهاب إلى المفاوضات باعتبارها الخيار الأفضل، بل والخيار الوحيد، حتى الآن.
* * *
مثل هذا الموقف، المزدوج، يكشف عن أزمة يعاني منها الطرفان، ويحاولان، جاهدين تجنب استحقاقاتها، لأنها تتعارض وإستراتيجية كل منهما.
* فالجانب الفلسطيني المفاوض، لا يتوقف عن التأكيد أن خياره الوحيد والدائم هو الوصول إلى تسوية عبر المفاوضات، والمفاوضات وحدها. ولأجل ذلك قدم تنازلات واسعة بحيث تخلى عن رؤيته للمتطلبات الثمانية لاستئناف المفاوضات، كما رسمها الرئيس محمود عباس نفسه، واكتفى بواحد منها فقط هو تجميد الاستيطان، إلى حين التوصل إلى رسم الحدود بين الدولة الفلسطينية وإسرائيل. وعندما اصطدمت العملية التفاوضية بعراقيل الاستيطان، وجد المفاوض الفلسطيني نفسه أسير مواقفه، فاضطر تحت ضغط هذا الأسر، وتحت ضغط الحالة الشعبية وقواها السياسية، إلى الانسحاب من العملية التفاوضية، على أمل أن ينجح «الراعي» الأميركي في ترميمها خلال شهر.
في الوقت نفسه، بدأ المفاوض الفلسطيني يلوح بورقة الذهاب إلى الأمم المتحدة لإعلان قيام الدولة الفلسطينية ومطالبة مجلس الأمن بالاعتراف بها. وادراكا من الفريق الفلسطيني المفاوض لحقيقة مواقف الأطراف المعنية بالعملية التفاوضية. ناشد الجانب الأميركي أن لا يلجأ إلى استعمال حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. كما تحدث المفاوض الفلسطيني عن سبعة بدائل، يخبئها في حقيبته، رافضا الافصاح عنها إلى أن يحين وقتها، دون أن يوضح متى سيحين هذا الوقت المنتظر. وتلويح الفريق المفاوض بورقة الإعلان من جانب عن قيام الدولة المستقلة، شبيه إلى حد بعيد بتلويح الرئيس الراحل ياسر عرفات باستعداده للاعتراف بالقرار 242. ولأن التلويح زيادة عن اللزوم، ولأن استعمال الورقة السياسية متأخرا، من شأنه أن يحرقها، وأن يفقدها تأثيرها، فإن موافقة الرئيس عرفات على القرار 242 جاء في الوقت الخطأ، حتى أن هذا القرار فقد مضمونه، خاصة مبدأ عدم الاستيلاء عن أراضي الغير بالقوة، وتحول بعد سلسلة مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، إلى أن ما يتفق عليه الطرفان، يكون هو التطبيق العملي للقرار 242. ولأن الطرف الإسرائيلي هو الأقوى، وهو الذي يفرض إرادته إلى طاولة المفاوضات خاصة تحت سقف اتفاق أوسلو، فإن الاعتراف بالقرار 242 أعطى مردودا معاكسا، ولم يقدم للحالة الفلسطينية أي مقابل كان يفترض أن يكون ثمنا له. والآن، والمفاوض الفلسطيني يلوح بورقة الذهاب إلى مجلس الأمن، في ظل التردد وغياب الإرادة السياسية، من شأن ذلك أن يحول القضية إلى مهزلة، وأن لا يستقبل «التهديد» الفلسطيني بالجدية المطلوبة، الأمر الذي يعني أن معركة مجلس الأمن ستكون خاسرة، وأن لا ضمانات بالمقابل أن تكون معركة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا حق فيتو لأحد، رابحة بالضرورة.
*واللجنة العربية بدورها، لا تجد غضاضة في محاربة إسرائيل بالبيان تلو البيان، وقذفها بكل النعوت الدالة على أن إسرائيل تعرقل العملية التفاوضية وليست طرفا يؤمن بالسلام، وأنها عامل توتير وعدم استقرار في المنطقة. اللجنة العربية على استعداد أن تفعل هذا كله، دون أن تخطو ولو خطوة عملية واحدة، تترجم فيها موقفها اللفظية اجراءات عملية، لا نحو الأوروبيين، ولا نحو الأميركيين، ولا نحو أي من الأطراف الدولية، لفرض العزلة والعقوبات على إسرائيل، كما تفعل الولايات المتحدة وأوروبا، على سبيل المثال، مع إيران على خلفية الملف النووي. لذلك تسارع اللجنة العربية وهي تدرس اقتراح «المفاوضات غير المباشرة» إلى التهويل والتهديد بالذهاب إلى الأمم المتحدة لعرض القضية هناك والخروج بقرار بقيام الدولة الفلسطينية، في حال أن إسرائيل عرقلت الوصول إلى تقدم ملموس في المفاوضات غير المباشرة. ثم تتراجع اللجنة العربية عن تهديداتها، وتوافق على ذهاب الفلسطينيين إلى «المباشرة» لمنح السلام فرصة، كما قالت، ثم تؤيد القرار الفلسطيني بالانسحاب من المفاوضات ، إلى حين تجميد الاستيطان. لكنها بالمقابل تمنح واشنطن شهرا لحل الأزمة. ثم تمدد الشهر بضعة أسابيع إضافية (أي شهرا إضافيا) وكلها آمال أن تنجح واشنطن في مسعاها. وليس هناك من يؤكد أن اللجنة العربية، إن هي اجتمعت، سوف تذهب حتما إلى مجلس الأمن. فاللجنة العربية تبذل كل الجهود لتؤخر، حتى اللحظة الأخيرة، ذهابها إلى مجلس الأمن، حتى لا تصطدم بالأميركيين. ويبدو أن الأطراف العربية الفاعلة في اللجنة العربية ترى أن مصالحها القطرية في الوقت الراهن، وأن حالة الضعف التي أصابت أوباما، على ضوء الانتخابات التشريعية النصفية، تتطلب عدم الصدام مع الولايات المتحدة، لا في مجلس الأمن، ولا خارجه. لذلك ارتأت اللجنة أن تجتمع بعد عيد الأضحى دون أن تحدد موعدا معينا لهذا الاجتماع.
* * *
سياسة الانتظار لم تعد ظاهرة خاصة بالفريق الفلسطيني المفاوض، بل باتت أيضا ظاهرة تخص اللجنة العربية. وهكذا التقى الطرفان الفلسطيني والعربي على ضرورة التهرب من الاستحقاق التاريخي، وتأجيله إلى أبعد مدى زمني ممكن. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن لا فرق، بين الذهاب إلى المفاوضات في ظل الاستيطان، أو مقاطعة المفاوضات في ظل تواصل الاستيطان. الاستيطان ناشط في الحالتين. بل إن نتنياهو يواصل الاستيطان، ويتهم الفلسطينيين بعرقلة المفاوضات. وباتت القضية كيف ينجح الأميركيون، واللجنة العربية في إعادة الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، ولم تعد القضية كيف ينجح الفلسطينيون، وإلى جانبهم العرب، في وقف الاستيطان.
ومن الآن، الموعد المفترض أن تكون فترة الشهر ـ الإنذار العربي قد انقضت، وإلى أن يحين موعد اجتماع اللجنة العربية للبت بالموقف في ظل فشل أوباما في الضغط على نتنياهو لتجميد الاستيطان، سوف تتواصل عمليات تهويد حي سلوان، وستصادر منازل إضافية وتبتلع أراضٍ أكثر، ويبقى الاستيطان هو الحاضر الوحيد، في ظل غياب فعل عربي وفلسطيني مؤثر.
الإسرائيليون ذاهبون إلى المزيد من الاستيطان، وأوباما ذاهب إلى معالجة جراحه التي أصيب بها في معركة الانتخابات التشريعية النصفية، والعرب والفلسطينيون ذاهبون للاحتفال بالعيد الأضحى. كل عام وأنتم بخير.