رجل فَقَدَ البوصلة

معتصم حمادة
2010 / 11 / 4

لو أن عزام الأحمد يمتلك القدرة على قراءة التاريخ جيدا، وفك رموز الحاضر وفهم تداعياته، والنظر إلى المستقبل نظرة عميقة، لما تساءلأين هو اليسار الفلسطيني، ولما طلب إلينا أن ندله عليه؟
يبدو أن عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئيس كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي، ورئيس وفدها إلى الحوار مع حماس، أصيب مؤخرا بضعف النظر، وبحول سياسي مريب، كما تراجعت لديه القدرة على الإحساس السليم، حتى أنه لم يتردد في أن يطلب العون من الآخرين، ردا على سؤال، ليساعدوه في البحث عن اليسار الفلسطيني. إذ اشتكى الأحمد أنه لا يرى يسارا فلسطينيا ولا يشعر به.
ولا يستطيع أي مراقب مهما كان محايدا إلا أن يربط بين ضعف نظر عزام الأحمد، وتراجع قدرته على الإحساس، وبين حوار «المصالحة» الذي استؤنف بين فتح وحماس، ومراهنته ـ هو شخصيا ـ في أكثر من لقاء، في السر وفي العلن، أن الحوار سوف يصل إلى خواتيمه الإيجابية، وأن الحركتين سوف تتصالحان، وتتجاوزان نقاط الخلاف بينهما، وسوف تتوصلان إلى اتفاق محاصصة جديد، حول مسائل الأجهزة الأمنية وتقاسمها، وحول لجنة الانتخابات (وتقاسمها أيضا) وحول مسائل أخرى، تتصل هي أيضا بشؤون السلطة وملفاتها السلطوية، ولا تمت بصلة إلى القضايا السياسية.
كما لا يستطيع أي مراقب، مهما كان محايدا، إلا أن يقرأ في مواقف عزام الأحمد، مايشير، رغم الخلافات القائمة، والانقسام في الحالة الفلسطينية، إلى أنه في العديد من القضايا أقرب إلى حماس منه إلى فصائل اليسار، وأنه يلتقي مع حركة حماس حيث يختلف مع فصائل اليسار، وأن مصالحه الفئوية تتقاطع في مسائل السلطة مع مصالح حماس، وتتناقض إلى حد بعيد مع رؤى فصائل اليسار، إن لم يكن كلها، فعلى الأقل مع التيارات الغالبة فيها. وحتى لا يكون كلامنا جزافا، سنعود مع عزام الأحمد بالذاكرة إلى محطتين رئيستين، تركتا بصماتهما على مجمل الحالة الفلسطينية. وباتتا مرتكزين مهمين من مرتكزات السياسة الفلسطينية وتطلعها نحو الإصلاح والتغيير، هما محطة مؤتمر الحوار الفلسطيني في القاهرة 2005، الذي صدرت عنه الوثيقة الشهيرة المعروفة بوثيقة 2005، ومؤتمر الحوار الوطني الشامل في رام الله وغزة والذي صدرت عنه وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة 2006). ولابد، لكي نعطي للمقارنة دورها في التوضيح أن نعرج، ولو قليلا، على الورقة المصرية التي هي نتاج حوار ثنائي بين فتح وحماس.
* * *
*في حوار 2005، ما أن انتهت جلسة الافتتاح حتى تسلل وفدا فتح وحماس لحوار ثنائي نتج عنه بيان هزيل اكتفى بالإعلان عن اتفاق على هدنة جديدة مع العدو الإسرائيلي. يومها وقف وفد الجبهة الديمقراطية برئاسة أمينها العام نايف حواتمه موقفا تاريخيا حين أعلن رفضه البيان وهدد بالانسحاب من الحوار، مؤكدا أننا لم نأت إلى القاهرة للاتفاق على الهدنة، وذكر أن الرئيس محمود عباس كان قد استحصل من حماس، في شباط 2005 على موافقة على الهدنة، وأنه ابلغ شارون في شرم الشيخ في 8/2/2005 موافقته على الهدنة. وبالتالي لم تكن الهدنة هي موضوع المؤتمر بل الوصول إلى خطوات إصلاحية لأوضاع السلطة وأوضاع م.ت.ف. وتحت ضغط وفد الجبهة الديمقراطية، ومعها باقي الفصائل، سقط بيان فتح ـ حماس، وتوصل الأطراف إلى ما توصلوا إليه: إعادة بناء مؤسسات السلطة بانتخابات وفقا لقانون انتخابي جديد (وفسر الأمر آنذاك: قانون بنظام التمثيل النسبي الكامل) وكذلك تشكيل لجنة عليا للإشراف على عملية إصلاح أوضاع م.ت.ف. وانتخاب مجلس وطني جديد بالتمثيل النسبي الكامل. وأشار البيان إلى ضرورة وقف الاستيطان لأنه عامل تفجير للأوضاع في المناطق المحتلة. ومن حضر مؤتمر 2005 يذكر جيدا كيف حاول نواب فتح التصدي لفكرة القانون الجديد والتمثيل النسبي وشعارهم في ذلك أن «التشريعي سيد نفسه»، وهو قول حق أريد به باطل. لأن عددا غير قليل من نواب فتح، ومن بينهم عزام الأحمد، كان يريد الدائرة نظاما دائما ويرفض التمثيل النسبي. وقد أقر عزام الأحمد بذلك حين قال «في التمثيل النسبي أنا لا أضمن أن يحتل اسمي موقعا في لائحة فتح يضمن لي الوصول إلى المجلس التشريعي. أما مع نظام الدائرة فإن عشيرتي وأزلامي، وكل الذين خدمتهم يوم كنت وزيرا للأشغال العامة سوف ينتخبونني. إن مصلحتي مع نظام الدائرة وليست مع التمثيل النسبي». وهكذا يؤكد عزام الأحمد مسألتين: الأولى أن قانون الانتخابات يلعب دورا مهما، ويرسم مقدما نتائج الانتخابات. والثانية أنه وقف ضد الإصلاح خوفا على مصالحه الخاصة. أي أن مصالحه الخاصة تتعارض مع إصلاح أوضاع المؤسسة الفلسطينية في السلطة وفي م. ت. ف.
*المحطة الثانية هي محطة وثيقة الوفاق الوطني. ولا ندري ما إذا كان عزام الأحمد ما زال يتذكر بنود هذه الوثيقة ونصوصها. لكننا، مع ذلك، ندعوه إلى إعادة قراءتها بتمعن وتفحص كافيين. وندعوه، في الوقت نفسه، إلى مقارنة نصوصها مع نصوص الخطاب السياسي لليسار الفلسطيني وبشكل خاص نصوص الخطاب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وإذا ما افترضنا أن عزام الأحمد، سوف يتحلى بفضيلة الصدق، فلا بد أنه سيعترف (مرغما أخاك لا بطل) أن ما جاء في وثيقة الوفاق الوطني، ما هو إلا ترجمة دقيقة للخطاب السياسي للجبة الديمقراطية. قد يمتعض عزام الأحمد من هذا الكلام، ولكن ما حيلتنا مع التاريخ الذي لا يرضى إلا أن يكون منحازا إلى اليسار، ليعترف لهذا اليسار بدوره في صون البرنامج الوطني الفلسطيني، وصون م. ت. ف. ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وصون مسيرة الحركة الوطنية ضد انحرافات اليمين وانزلاقاته، وضد تطرف السياسات العدمية وهلوساتها. وعلينا، في ختام هذه الفقرة أن نذكر عزام الأحمد أن وثيقتي 2005 و2006 ما كان لهما أن تدخلا التاريخ لولا أنهما تستجيبان حقيقة لمصالح الشعب الفلسطيني ومصالح مسيرته الوطنية. وأن نذكر عزام الأحمد أنه لو ترك لفتح وحماس وحدهما أن تقررا مصير مؤتمر القاهرة 2005 لما خرجنا سوى باتفاق هدنة مكرر. ولو ترك الأمر أيضا لهما في حوار 2006 لما وصلنا إلا لاتفاق محاصصة ينطلق من المصالح الفئوية للحركتين. ولنا في حوار القاهرة 2009، و«الوثيقة المصرية» عبرة وخبرة.
* * *
«الوثيقة المصرية» والتي هي نتاج حوار ثنائي بين فتح وحماس، انكفأت عن «وثيقة الوفاق الوطني»، وانكفأت عن نتائج الحوار الوطني الشامل الذي شهدته القاهرة في آذار (مارس) 2009. النقطة الأولى في الانكفاء، هي التراجع عن نظام التمثيل النسبي، لصالح النظام المختلط (نسبي ودوائر) كي تحفظ الانتخابات، مقدما أو بشكل مسبق، حصص الذين يعتمدون على العشائرية والجهوية والخدمات والزبونية. ولمن لا يريدون للحياة السياسية أن تتقدم وبحيث تصبح الانتخابات صراعا بين برامج سياسية وليست صراعا بين مصالح فردية لأشخاص لا يرون في المجلس التشريعي سوى مكسبا خاصا، وليس مدخلا لخدمة الصالح العام.
وانكفأت عن فكرة حكومة الاتحاد الوطني، بديلا لحكومتي سلام فياض وإسماعيل هنية، لصالح لجنة تنسيق بين الحكومتين الحاليتين. وهذا إن كان يشير إلى أمر، فإنه يشير إلى أن مصالح الطرفين التقت عند مبدأ تقاسم السلطة، وأن مصالحهما في ذلك لا تتعارض مع حال الانقسام. لجنة التنسيق هي تكريس للانقسام، وليست خطوة نحو إنهائه.
والأمر الواجب توضيحه في هذا السياق، أن الورقة المسماة مصرية، هي ليست «مصرية» كما يصفونها، بل هي نتاج للحوار الثنائي بين فتح وحماس القائمة على المحاصصة. وهنا ،نلتقي مع عزام، أنه لا وجود لليسار في طيات هذ الورقة وبنودها. فاليسار لم يوقع هذه الورقة، وسجل عليها عشرات الملاحظات، بدءا بالملاحظات السياسية وصولا إلى الملاحظات التي ذكرنا، انتهاء بالتأكيد على ضرورة أن يكون الحوار وطنيا شاملا، وأن لا يكون ثنائيا، تأتي الفصائل لتوقع ما يتفق عليه الطرفان. فالحالة السياسية الفلسطينية بكل مكوناتها، هي المعنية بالوصول إلى الوفاق الوطني، ولا يكون الوفاق الوطني اتفاق محاصصة. المحاصصة التي أكدت على الدوام فشلها، وعدم قدرتها على صون المصلحة الوطنية ووصلت على الدوام إلى الطريق المسدود، بل وصلت إلى بحر الدم الذي سال ومازلنا نعيش حتى الآن تداعياته المأساوية.
أخيرا اعذروني إذ أقول: لماذا كلما ذكر أمامي اسم عزام الأحمد، يقفز إلى ذاكرتي الحاج عزام، صاحب الشخصية المعروفة جدا في الرواية المشهورة «عمارة يعقوبيان»؟