وقفة مع لجنة المتابعة العربية

معتصم حمادة
2010 / 10 / 16

لم يكن قرار لجنة المتابعة العربية مفاجئا، وهو يصادق على القرار الفلسطيني بوقف المفاوضات المباشرة، إلى حين وقف الاستيطان الإسرائيلي بشكل كامل، في الضفة الفلسطينية بما في ذلك القدس المحتلة. فلقد مهدت لهذا القرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعها الذي خصص لهذا الغرض.
غير أن الإيجابية في قرار لجنة المتابعة لا يلغي جوانبه السلبية. وفي هذا السياق نتوقف أمام نقطتين وردتا في القرار وأثارتا تعليقات المراقبين:
النقطة الأولى قرار لجنة المتابعة منح الرئيس الأميركي باراك أوباما مدة شهر لـ«الضغط» على إسرائيل لوقف الاستيطان، والعودة إلى المفاوضات المباشرة. وإن كان هذا القرار يدل على شيء، فإنه يدل على أن السياستين العربية والفلسطينية الرسميتين، ما تزالان تراهنان على أن بإمكان الولايات المتحدة رسم الحل للأزمة المستعصية للعملية التفاوضية. وبأن خيار المفاوضات، ما زال هو، حتى الآن، الخيار العربي والفلسطيني الرسميين، وأن سقف هذه العملية التفاوضية هو الولايات المتحدة الأميركية. قرار لجنة المتابعة العربية هذا، يشكل استجابة واضحة وصريحة لموقف المبعوث الأميركي جورج ميتشل الذي كشف أن الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني المفاوض، طلبا إليه مواصلة التحرك لأجل استئناف العملية التفاوضية وإعادة الدماء إلى شرايينها. وواضح أن الموقف العربي لم يأخذ بعين الاعتبار التجارب الأميركية مع الاستيطان الإسرائيلي. منها تجربة بوش الأب، الذي قدم لحكومة رابين ضمانات بعشرة مليارات دولار، ولم يستطع مع ذلك الضغط عليها لوقف الاستيطان، لذلك استقطع من هذه الضمانات ما صرف من المبلغ للاستيطان. ومع ذلك تواصل الاستيطان، ولم يتخذ البيت الأبيض أي إجراء إضافي لوقفه. الأمر نفسه تكرر مع الرئيس كلينتون الذي بقي الاستيطان في زمنه في أوج نشاطه وامتد إلى قلب القدس دون أن يتخذ البيت الأبيض ما يزعج تل أبيب و«يقنعها» بوقف الاستيطان. ومع الرئيس بوش الابن كان الأمر أكثر فجاجة، فهو الذي وقف مذهولا أمام خريطة جدار الفصل والضم العنصري، وصفه بالحية التي تتلوى في قلب الضفة الفلسطينية، ورأى فيه، كذلك، عائقا أمام قيام الدولة الفلسطينية التي كان قد وعد بها. ثم تراجع بوش الابن عن «ذهوله» وعن «تقديره» لمستقبل الدولة الفلسطينية واقتنع بضرورة هذا «الجدار» باعتباره حاجة أمنية لإسرائيل.
في كل الأحوال، لا بد أن لجنة المتابعة العربية تدرك جيدا أن الإسرائيليين لا يقدمون شيئا بالمجان، لا للفلسطينيين ولا للأميركيين. وما يدور على صفحات الصحف من مشاورات أميركية ـ إسرائيلية حول جوائز ترضية كبرى سيقدمها أوباما إلى نتنياهو، مقابل وقف مؤقت للاستيطان، لا بد من أخذه على محمل الجد، خاصة وأن ما يوصف بأنه اقتراحات أميركية، يتطابق بشكل شبه تام مع «متطلبات» إسرائيل الأمنية كما تراها حكومة نتنياهو والمؤسسة العسكرية في إسرائيل. وإلى أن ينتهي الشهر، الفرصة الممنوحة عربيا لأوباما، لنا لقاء آخر مع اللجنة العربية للمتابعة.
***
النقطة الثانية هي دراسة الخيارات العربية والفلسطينية في حال أن أوباما، قد فشل في إرغام إسرائيل على وقف الاستيطان، وعلى هذه القاعدة استئناف المفاوضات. قرار لجنة المتابعة العربية مثير للقلق، ويحمل في طياته ما يدعونا إلى التخلي عما تبقى فينا من ثقة باللجنة العربية (وهذا ما كنا لنتمناه).
فلقد سبق للجنة المتابعة العربية، وهي توافق على ذهاب الوفد الفلسطيني إلى المفاوضات غير المباشرة، أن منحت هذه العملية مدة أربعة أشهر. وقررت أنه في حال أن هذه المفاوضات غير المباشرة لم تحدث اختراقا، فإن الحالة العربية تنوي (وتقرر) الذهاب إلى الأمم المتحدة لطرح الموضوع على مجلس الأمن والجمعية العامة، لاستصدار قرارات بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بحدود الرابع من حزيران، وعاصمتها القدس. ولدعوة الأمم المتحدة لمعاقبة إسرائيل الطرف القائم بالاحتلال، وإرغامها على الجلاء عن أراضي الدولة الفلسطينية. ويفترض بنا أن نصف هذا القرار بأنه قرار جريء، لأنه يقلب الطاولة في وجه الجانبين الإسرائيلي والأميركي، ويعيد القضية إلى الشرعية الدولية لتبت بها بموجب ما كانت قد أقرته من قرارات، واعترفت به من حقوق فلسطينية مشروعة وغير قابلة للتصرف. لكن قيمة هذا القرار ليس في اتخاذه ورسمه على الورق، وإيداعه خزانات جامعة الدول العربية وأرشيفها. بل إن قيمته تكمن في توفر الإرادة السياسية الضرورية لتنفيذه. المعروف أن المفاوضات غير المباشرة انتهت بدون أي اختراق، وأن لجنة المتابعة العربية لحست قرارها، واتخذت بدلا منه قرارا بالذهاب إلى المفاوضات المباشرة. وعندما تتحدث لجنة المتابعة الآن عن نيتها دراسة الخيارات البديلة في حال أن أوباما فشل في شهر، في وقف الاستيطان، فإنها تكون بذلك قد تنكرت لقرارها السابق بالذهاب إلى الأمم المتحدة. وعندما يقول وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط أن لا ذهاب إلى مجلس الأمن في ظل المفاوضات، فمعنى ذلك أن ثمة مفاوضات غير مباشرة (وربما مباشرة!) بعيدة عن الأعين، تدار من خلف ظهر القرار الشرعي الفلسطيني، ومن خلف الحدث الفلسطيني المعلن. هذا ما جرى لاتفاق أوسلو وما بعده، وعند كل لحظة يراد أن تشكل صدمة للرأي العام الفلسطيني تذهله، ولا تترك له مجالا لأية ردة فعل سلبية، فيستمر الحدث، ويتحول إلى أمر واقع، يكبل بقيوده والتزاماته الجانب الفلسطيني بكل أطيافه.
***
حضر الفريق الفلسطيني المفاوض، وحضرت لجنة المتابعة العربية، وحضر المبعوث الأميركي جورج ميتشل. وحده صاحب القضية كان غائبا أي الشعب الفلسطيني الذي تسرق أرضه وتصادر ويشرد عنها، ويتحول إلى لاجئ، وتزرع العقبات في طريق خلاصه من الاحتلال والاستيطان. علما أن التجربة الفلسطينية الغنية أكدت أن هذا الشعب هو الأقدر على وقف الاستيطان، أو تجميده أو تخفيض منسوبه، من خلال تصديه للاحتلال ومشاريعه، في انتفاضتين وأكثر من هبة. ومن يراجع الوقائع الفلسطينية سيلاحظ أن وتيرة الاستيطان تتراجع إلى ابعد حد، حين تتحول الضفة الفلسطينية إلى ساحة قتال ضد الاحتلال، يخوضه كل رجل وكل طفل وكل امرأة. كما أكدت الوقائع أن المستوطنين في ظل انفجار الأوضاع في الضفة الفلسطينية لا يجدون لحماية أنفسهم من الغضب الفلسطيني سوى مغادرة المستوطنات والاحتماء في الداخل الإسرائيلي.
وليس مستبعدا أن تكون سياسات المماطلة لدى الفريق الفلسطيني المفاوض، ولدى لجنة المتابعة العربية، قد أخذت في الاعتبار احتمالات الانفجار الشعبي في المناطق الفلسطينية المحتلة. وهو انفجار من شأنه أن يحرج (بل وأن يطوق ويحاصر) المفاوض الفلسطيني، وأن يفرض عليه مواقف (ربما) تتعارض مع مصالح الفئات التي ينتمي إليها هذا الفريق، ولا يملك الإرادة السياسية لتبنيها في مفاوضاته مع الجانب الإسرائيلي.
وهو انفجار، من شأنه أن يقلق بعض العواصم العربية، التي لا تخفي ، على الدوام، تخوفها، من أن تمتد نيران الانفجار الشعبي الفلسطيني إلى شوارعها في هبات جماهيرية، ظاهرها (وهو صادق) دعم للشعب الفلسطيني، وباطنها (وهو أكثر صدقا) النقمة على سياسات حكومات وقياداتها السياسية والتي لا ترقى إلى مستوى المسؤوليات الوطنية والقومية.. والأخلاقية.
وهو انفجار، وهذا هو الأهم، من شأنه أن يقوض سياسات أوباما في المنطقة الهادفة إلى بيع الرأي العام الدولي أوهام السلام المزعوم ، وعلى حساب المصالح الوطنية الفلسطينية.
قد ينجحون في تأخير الانفجار الشعبي في المناطق المحتلة.. لكنهم لن ينجحوا في منع وقوعه في نهاية المطاف.