رأي في مقال السيدة مكارم ابراهيم

ليندا كبرييل
2010 / 10 / 4

تحية للأستاذ مصطفى حقي الذي أتاح لي الفرصة للتعبير عن رأيي في مقاله , وجدت أن تعليقي سيتجاوز الألف حرف ففضلت نشره كمقال وأنا أخشى أن أدلي بدلوي في موضوع العلمانية ذلك أني لست متخصصة أو باحثة فيها . أود أن أتوجه إلى السيدة مكارم ابراهيم في الرد على مقالها المنشور الآن _ سؤال إلى الكاتب مصطفى حقي _ .
سيدة مكارم : الأمر لا يحتاج إلى اعتراف من الأستاذ حقي ( بالفئة الأخرى التي تكافح ضد الاستبداد والتطرف _ ويتصارعون مع الحضارة العصرية للوصول إلى العلمانية _ ) . لقد بيّن الأستاذ رأيه بوضوح وأعجب أنك لم تتوصلي إلى الاقتناع به . ما معنى أنكم تتصارعون مع الحضارة العصرية ؟ هل هذه جملة صحيحة ؟ أليس الأفضل أن تقولي : الصراع مع التخلف للوصول إلى أسس الحضارة العصرية التي لولا العلمانية لما قامت لها قائمة ؟ الصراع يفترض طرفين على نقيض فهل أنت على عداء مع الحضارة العصرية الغربية لتتصارعي معها ؟ ثم .. فوقها تريدين الوصول إلى العلمانية ؟ جملتان متناقضتان .
أما سؤالك : ( هل العلمانية مقتصرة على الفرد الغربي لأنه ولِد بالغرب ولا يمكن للشرقي أن يكون علمانياً صرفاً حتى لو تغلّب على الصراعات الثقافية لأنه جاء من الشرق ؟ ) فقد أوقعتِ نفسكِ بنفسك في تناقض عندما ذكرتُ لكِ أن هناك من المثقفين الذين في أوج قوتهم دافعوا عن العلمانية ثم بدؤوا بالتغير والتراجع عندما تتناقص درجات سلم العمر أو تتطلب المصلحة الشخصية , فوافقتِني على رأيي واعتبرتِ ذلك لخشيتهم من التيار الاسلامي , حيّرتِنا سيدتي , هؤلاء المثقفون المتراجعون ألم يتغلّبوا في شبابهم على الصراعات الثقافية ثم نكصوا عنها ؟ وماذا يضمن لي أنك أنتِ أيضاً في قادم الأيام لن تتراجعي ؟ فإن كنت الآن مستعدة لأن تكوني علمانية فأنت تأتين بمثال فردي لا يُقاس عليه , وأمثالك هم عينات في المجتمع لكنهم ليسوا قاعدة ثابتة .
ثم كيف تقطعين أن يكون الانسان علمانياً صرفاً ؟ العلمانية ليست صرفة حتى في عقر دارها التي ولدت فيه , أما أن يكون عندكِ أمل للوصول إلى العلمانية فهذا يعني أنك وضعت قدمك على الدرجة الأولى من السلم وتحتاجين لوقت لاستيعاب أسس العلمانية لإحلالها مكان الذهنية الجامدة التي تربيت عليها في مجتمعك الأول ,وتحاولين قدر الإمكان أن تتواءمي مع مجتمعك الجديد ,العلمانية كسلوك وتفكير تظهر في شخصك الآن ويجب أن تترسخ في الأجيال التالية , ليس المعول عليك في الأمل بل .. على منْ سيأتي بعدك . منْ قال أن تجلسي وتندبي حظك أنك خلقتِ في مجتمع لا يعرف معنى الديموقراطية والعلمانية ؟ عملك الآن أن تجاهدي لتتركي هذا العالم في حالة أفضل من أجل أحفادك .
أما قولك ( حتى الغرب لم يعيشوا جميعاً هذه الشعارات بحذافيرها ولم يشاركوا جميعاً بالثورات الفكرية ) أتأمّل هذه العبارة وأعجب لتفسيرك , طبعاً سيدتي , هم لم يعيشوا في ذلك العصر وما شاركوا بالثورات لكنهم اليوم يعيشون نتائج تلك الثورات بحذافيرها , ويجب ألا يغيب عن بالك أن الحركات النسائية والشعارات والثورات الفكرية التي ظهرت في نهاية الستينات هيأت لها أسس العلمانية التي خرجتْ من رحم الثورتين الفرنسية والأميركية فرسخت معاني حقوق الانسان , لقد ألغيت بشرحك جهود المصلحين الاجتماعيين الممهدين للثورات والأفكار التي شقتْ طريقها إلى العقول والنفوس وغيرتْ _ خارطة الانسان الفكرية الجينية _ .
إن كانت النظريات الانسانية في رأيك لا تنطبق على جميع الناس نظراً للخلفية الثقافية والبيئية حتى لو ولدوا في نفس مكان نشوء النظريات فسبب ذلك أن لا ناقة لنا ولا جمل ولا حتى طرف إصبع في تلك الجهود , والعربي المهاجر يعيش ثمرات تلك الجهود دون أن يبذل أي جهد , لقد دخل العربي طارئاً على هذه النتائج ولم يعشها كالغربي على مدى أجيال روحاً وفكراً وقلباً وقالباً , وهذا بالذات الذي قصدته من عبارتي عند الأستاذ حقي : يتمثل العلمانية تمثيلاً . وأجزم أن الشرقيين لا يمكن أن يكونوا علمانيين صرفاً , إلا أني أؤكد أن أحفاد هؤلاء الشرقيين سيكونون علمانيين في المستقبل .
سؤالي لك الآن الثورات التي أوصلت الغرب إلى العلمانية , كيف لم تكن ثورات دموية كما ذكرتِ ؟ هل وصلوا إليها بانقلاب أبيض ؟ أو بالاعتماد على الأدب والمسرح كما تفضلتِ ؟ ما هذه الرومانتيكية ؟ الفكر الغربي يا سيدتي مهّد لثورات رهيبة قضت على جيل انغسل مخه بالترهات والعفن الفكري وخلقت جيلاً آخر مطّهر العقل والنفس , يعيش نتائج العلمانية بحذافيرها حتى لو لم يشارك بتلك الثورات التطهيرية . الثورات استهلكت أجيالاً حرقتها نفتها أعدمتها , لم تظهر شرعة حقوق الانسان بين ليلة وضحاها , احتاجت الثورات إلى الوقود البشري لترسخ هذه المفاهيم , فهل بكم سنة هجرة سيصبح الانسان علمانياً ؟ وهل لمجرد أن طرح دينه ونكره واستهان بفكرة الزواج وأكل الخنزير وشرب الخمرة ؟
ليس كل منْ قال : أنا علماني أصبح علمانياً .
فالمجتمع الذي عشتِه حضرتك قبل الهجرة لم يعرف القطيعة بين المؤسستين الدينية والسياسية , كذلك لا حاجة لأشرح لكِ النظام المعرفي المتخلف الذي عشناه وما زلنا جميعاً , أما وضع المرأة في مجتمعنا الذكوري .. هاهاها , المستعلي , المسلّع , القاهر لإنسانية المرأة , فقد مررتِ به بالضرورة والحتمية قبل هجرتك , ومن الصعوبة بمكان أن نقتنع بعلمانية الانسان العربي الذي جُبل تفكيره ونفسيته على النواقص السابقة وجرتْ في دمائه الشوارد السلبية , ومهما فعل الانسان فإنه لا يستطيع التحرر من جيناته , لكن مردود النتائج الإيجابية على المجتمع عموماً سيظهر بفضلك عند الأحفاد , جيل الغد .