حذار من «اتفاق الإطار»

معتصم حمادة
2010 / 10 / 2

تركزت اهتمامات المراقبين، في متابعة المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، عند نقطة «الاستيطان» باعتبارها العقدة التي تهدد مصير العملية السياسية. واحتل يوم 27/9/2010، والتواريخ الأخرى ذات الصلة، موقعا مميزا في اهتمامات المراقبين، باعتباره موعدا فاصلا على ضوء القرار الإسرائيلي من مسألة تمديد تجميد الاستيطان. وعلى وجاهة هذه القضية ومحوريتها، وما تعكسه من نتائج وتداعيات على مجمل العملية التفاوضية، فإن الملاحظ أن المراقبين، بانشغالهم بقضية الاستيطان هذه، لم يسلطوا الضوء، حتى الآن، على باقي عناصر العملية التفاوضية التي انطلقت في 2/9/2010، وعلى القضايا المثارة في سياقها، وعلى جدول أعمالها وآلياتها.
في هذا السياق، نلاحظ أنه، في ضوء الاختلاف على نقطة البداية في جدول الأعمال: بين الجانب الفلسطيني، الذي يطالب أن تكون الحدود هي القضية الأولى الواجب حسمها، لمعرفة «الأرض الفلسطينية التي ستقوم عليها «الدولة»، والتي يفترض أن يتوقف فيها الاستيطان بشكل تام، وأن يبت بمصير المستوطنات القائمة فيها، وبين الجانب الإسرائيلي الذي يصر على أن تكون مسألة «أمن إسرائيل» هي الأولى، وعلى قاعدتها ترسم الحدود بين «الدولتين»، وعلى قاعدة التسليم الفلسطيني بأن هدف المفاوضات هو ضمان أمن إسرائيل، أولا وقبل كل شيء، فإن الراعي الأميركي استدرك الأمر، وتهرب من القضيتين معا، لصالح بديل ثالث هو ما يطلق عليه الآن، على لسان المتفاوضين، «اتفاق الإطار»، بين الجانبين، يرسم الاتجاه العام للحل، على أن يولد هذا «الإطار» خلال فترة زمنية سقفها عام واحد، تحقيقا لـ«وعد أوباما». وعند توقيعه، تقام لهذا الإطار احتفالية عالمية، برعاية الرئيس الأميركي شخصيا، على غرار الاحتفالية الكبرى لولادة اتفاق أوسلو الذي روج له على أنه اتفاق سلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي (وانتهى باجتياح «السور الواقي» للضفة الفلسطينية عام 2002)، وما زلنا نعيش تداعياته: (شطب عرفات من المعادلة السياسية ثم اغتياله. اعتقال سعدات والشوبكي ورفاقهما. إبعاد المعتصمين في كنيسة المهد...)، وعلى غرار احتفالية إطلاق مفاوضات أنابوليس (التي انتهت بالحملة الدموية المسماة «حملة الرصاص المصهور» التي مازال قطاع غزة يعيش تداعياتها المأساوية حتى الآن بينما المجرم طليق)، وعلى غرار الاحتفالية بإطلاق «المفاوضات المباشرة»، والتي يبحث الجانبان الإسرائيلي والأميركي عن صيغة لمدها بعنصر الحياة ولتبقى في الوقت نفسه غطاء للاستيطان الصهيوني. وليس مستبعدا أن «يفي» أوباما بوعده، بحيث يتم، مع ولادة «اتفاق الإطار» الإعلان عن ولادة الدولة الفلسطينية التي وعد بها، وأن تصبح هي (وليست م.ت.ف.) العضو الدائم في المنظمة الدولية للأمم المتحدة، وأن يستبدل عنوان «السلطة الوطنية الفلسطينية» بعنوان آخر هو «الدولة الفلسطينية»، ويعلن الطرفان نهاية النزاع بينهما، والوصول إلى سلام دائم، له استحقاقاته السياسية الكبرى على الدول العربية، المتوجب عليها، وفقا لمبادرة السلام العربية، أن تعترف بإسرائيل، وأن تتبادل معها التمثيل الدبلوماسي، كإعلان عن نهاية النزاع العربي ـ الإٍسرائيلي. ثم، وبعد الانتهاء من الاحتفالات، وتوزيع القبل، والهدايا، وتقبل التهاني، يعود الطرفان إلى استئناف المفاوضات، لكن بين «دولتين» هذه المرة، للاتفاق (مرة أخرى) على آليات تنفيذ «اتفاق الإطار» والسقف الزمني لذلك، بما يحقق (كذلك) «نبؤة» أوباما ونصيحته لنتنياهو: الوصول إلى اتفاق خلال عام، والتنفيذ خلال عشرة أعوام. وهكذا يكون الجانبان الأميركي والإسرائيلي قد باعا الأوهام باعتبارها حلا للصراع، وتبعث من بين الركام أفكار شارون الداعية إلى تحويل الحل الدائم، إلى حلول مرحلية. في كل مرحلة يتم بحث واحدة من قضايا الحل الدائم، ولا يتم الانتقال إلى القضية التالية إلا بعد الاتفاق على القضية الأولى، وتطبيق ما تم الاتفاق عليه، وبحيث تتأكد إسرائيل أن الاتفاق وتطبيقاته في هذه القضية لم ولن يلحق الضرر بها.
***
ليست هي المرة الأولى التي يلجأ فيها الطرفان، الفلسطيني والإسرائيلي، إلى حل «اتفاق الإطار». فلقد سبق وأن لجأ إليه الرئيس الراحل ياسر عرفات مع إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل، في شرم الشيخ في 5/9/1999. وقد نص على تمديد المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تكون قد انتهت في 4/5/1999، وعلى إعادة التفاوض على قضايا انتقالية، كان قد تم التفاوض حولها مع حكومة نتنياهو وعلقت إسرائيل تنفيذها. كما أقر دمج ما تبقى من المرحلة الانتقالية مع قضايا الحل الدائم،على أن تستأنف المفاوضات بما لا يتعدى 13/9/1999 ،وتنجز اتفاقية إطار حول كل مسائل مفاوضات الحل الدائم خلال خمسة شهور(13/02/2000) ويتم التوصل إلى اتفاق شامل حول كل مسائل مفاوضات الوضع الدائم خلال سنة (أي في 13/9/2000).
وبذلك تخلى الجانب الفلسطيني عن النبضة الثالثة لإعادة الانتشار في الضفة، بحيث بقيت المنطقة «ج» تحت السيطرة الإسرائيلية، ومساحتها 60% من الضفة، تضم كل ما هو خارج المدن والمناطق السكنية المكتظة (أي الأرض المرشحة لتحويلها إلى مستوطنات وطرق التفافية، وتخوم هذه المستوطنات). كما حول الاتفاق مفاوضات الحل الدائم، المفترض أن تنجز دفعة واحدة، إلى حلول مرحلية، تفاوضيا وتطبيقا، كما حول «اتفاق الإطار» نفسه إلى مرجعية للعملية التفاوضية بديلا لقرارات الشرعية الدولية، أي أنه حول ميزان القوى المختل لصالح إسرائيل، إلى المرجعية التفاوضية، بحيث تفسر إسرائيل الاتفاق بما يخدم مصالحها. وانتزع من بين أيدي الفلسطينيين حقهم في التخلص من قيود اتفاق أوسلو (التي تنتهي مرحلته الزمنية في 4/5/1999، وإعلان الدولة المستقلة من جانب واحد (تحت بند «عدم اللجوء إلى خطوات أحادية» دون أن ينص على وقف الاستيطان، ووقف عمليات التهويد في القدس، وتوسيع البنية التحتية للمستوطنات في المنطقة المسماة «ج»). وهكذا يكون «اتفاق الإطار» بين عرفات وباراك، قد أعاد تعريف الحل الدائم، وحوله إلى حلول مرحلية، كما أعاد تعريف القضايا التفاوضية وغير مضمونها، كقضية اللاجئين (التي رسم لها حلا مغايرا للعودة)،و القدس (التي رسم لها حلا يقود إلى بقاء الاحتلال فيها). جوهر «اتفاق الإطار»، كما تم التوصل إليه آنذاك يستند إلى الرأي الإسرائيلي القائل أن «الجدول الزمني الشامل لتطبيق الاتفاق حول الوضع الدائم هو الفترة اللازمة لإنجاز هدف حل هذه القضايا، وهذه الفترة طويلة بالضرورة، الأمر الذي يعني التوصل إلى اتفاق إطار (أو مبادئ) أولا، ومن ثم تفصيلي لاحقا، ينطوي على ترحيل قضايا جوهرية تكون مؤجلة البت بها نظريا لكنها محسومة لصالح إسرائيل من الزاوية العملية، وبمفاعيل الأمر الواقع التراكمية، مما يجعل طرحها اللاحق والتفاوض حولها يصطدم بصعوبات جمة بفعل التقادم. وقد أوجز باراك هذا كله حين دعا إلى «اتفاقيات انتقالية طويلة المدى حول بعض القضايا الحساسة،» يكون مجموعها التسوية الدائمة.
***
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تدرك حجم الخلاف بين الجانبين، وتدرك صعوبة الوصول إلى حل خلال عام، «متوازن»، يستطيع الرئيس عباس (ويمتلك شجاعة) توقيعه. وتدرك أن الجانب الإسرائيلي لن يستجيب لاستحقاق التسوية، خاصة في معظم (إن لم يكن كل) قضايا الحل (الأرض، القدس، السيادة، اللاجئون، المياه) وما «اتفاق الإطار» إلا التفاف على كل هذا، بحيث يستعيد الإسرائيليون حل «الدولة ذات الحدود المؤقتة»، وتتحول العملية التفاوضية إلى هدف بحد ذاته، في وقت يتواصل فيه الاستيطان، وفي سباق محموم مع الزمن.