أين هي المقاومة الشعبية السلمية أيها السادة؟

معتصم حمادة
2010 / 9 / 4

يستمد هذا السؤال مشروعيته من موقع المساءلة السياسة لرئيس الحكومة سلام فياض الذي كان قد أعلن عن مشروعه لقيام الدولة الفلسطينية في آب (أغسطس) من العام القادم.
ويقوم مشروعه في ثلاث دوائر: الأولى توفير البنية التحتية للدولة، والثانية العملية السياسية التي يديرها الرئيس عباس. أما الثالثة فهي المقاومة الشعبية السلمية. ويلاحظ أن الدائرتين الأولى والثانية ماضيتان في مساريهما، بغض النظر عن موقفنا من هذين المسارين ومضمون كل منهما. يبقى السؤال عن الدائرة الثالثة أي عن المقاومة الشعبية السلمية التي بشر بها فياض.
وعندما نتحدث عن المقاومة الشعبية فإننا نتحدث، بالضرورة، عن اشتراك فئات الشعب وشرائحه في «معركة بناء الدولة المستقلة». كذلك نتحدث عن حركة شعبية ديمقراطية، بالمعنى العميق والواسع للديمقراطية. أي حركة شعبية تنطلق في تحركاتها من قناعاتها بأهمية الدور الذي تقوم به وأحقيته، ترسم أهدافه انطلاقا من إدراكها لمصالحها الوطنية، تضع آليات تحركها بما ينسجم مع خصوصية أوضاعها، لا يقيدها سقف سياسي لهذا الطرف أو ذاك. علما أننا لا نتحدث عن تحركات عفوية وعشوائية، بل نتحدث عن حركة شعبية واعية ومدركة لحقيقة ما تقوم به، تختزن في صفوفها آلاف الكوادر والعديد من الكفاءات، كما تختزن الخبرات العميقة التي تراكمت عبر سنوات النضال الطويلة في مواجهة الاحتلال والاستيطان، وكذلك في مواجهة محاولات الخروج عن البرنامج الوطني وتقديم تنازلات تطال الحقوق الوطنية غير قابلة للتصرف، كما صاغتها الهيئات الوطنية المعنية، وصادقت عليها واعترفت بها الهيئات الدولية وفي مقدمها منظمة الأمم المتحدة. هذه المقاومة الشعبية، بالمواصفات التي ذكرناها، مازالت هي الحلقة المفقودة من ضمن الحلقات الثلاث التي تحدث عنها سلام فياض. وبطبيعة الحال، فإننا لا نحمل فياض، أو الرئيس عباس مسؤولية عدم قيام المقاومة وانطلاقتها، دون غيرهما. لكننا نحمل فياض، وكذلك الرئيس عباس، مسؤولية إعاقة قيام هذه المقاومة، وزرع العراقيل في طريقها، كما نحملهما مسؤولية تهميشها، وتجاهلها، عبر الآليات المتبعة من قبل الطرفين في إدارة الشأن العام، على المستويين الداخلي والخارجي.
* * *
يتحمل فياض المسؤولية في إقدامه على أكثر من خطوة تعيق قيام المقاومة الشعبية، بما فيها تلك «السلمية» التي دعا لها. ولنا في ذلك أكثر من مثال:
• المثال الأول قراره بإلغاء الانتخابات البلدية والمحلية. ولعّل فياض، وهو الذي يقدم نفسه رجل دولة من طراز جديد، يتجاوز النماذج السابقة في إدارة الشأن العام، يدرك الدور الذي تلعبه المجالس البلدية والمحلية والقروية المنتخبة في توفير مقومات الصمود لمناطقها، عبر استنهاض القوى والعناصر والقدرات والإمكانات المحلية، وإلغاء روح الاتكالية وتكريس روح المبادرة والإقدام والمثابرة على العمل. كما يدرك الدور الذي تلعبه هذه المجالس المنتخبة في تنظيم الصفوف، وتوحيد الأوضاع في مواجهة الطوارئ والتداعيات المتأتية عن معارك الصمود في وجه الاحتلال والاستيطان. إن جوهر المسألة يتلخّص في أن اللجوء إلى انتخاب المجالس البلدية والمحلية والقروية من شأنه أن يضع الحالة الشعبية أمام مسؤولياتها المباشرة عن إدارة شؤونها العامة، وتعزيز روح الديمقراطية بين المواطن والمسؤول، وتعزيز روح المساءلة. وهذه كلها عناصر مهمة ومهمة جداً لمن يدعو إلى قيام مقاومة شعبية تتحمل مسؤولياتها التاريخية في الدفاع عن مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة. وبالتالي فإن من يتجرأ على إلغاء الانتخابات البلدية والمحلية والقروية، يتناقض مع نفسه، ويكشف زيف دعواته لقيام مقاومة شعبية، ويؤكد في السياق نفسه، أن الحديث عن «المقاومة الشعبية السلمية» ما هو إلا لأجل الاستهلاك فقط، ولا يشكل محورا جديا من محاور مشروع فياض.
• في السياق نفسه تندرج سياسية «قوننة» لجان التنسيق التي تشكلت تحت سقف الدعوة إلى قيام المقاومة الشعبية السلمية، وذلك من خلال «تفريغ» (أو توظيف) منسقي هذه اللجان، بمرتبات شهرية على ملاك رئاسة الحكومة مباشرة، بحيث يتحول المنسقون، من متطوعين، وقيادات محلية، تستلهم قراراتها من علاقاتها المباشرة مع محيطها، إلى موظفين يتلقون تعليماتهم (ومرتباتهم) من رئيس الحكومة، وهكذا يتحول منصب المنسق، من موقع نضالي يتبوأه الأكثر قدرة والأكثر خبرة، إلى موقع وظيفي يتنافس إلى الوصول إليه «الأكثر قدرة والأكثر خبرة في النفاق والتزلف والاستزلام» , مقابل المرتب الشهري. وهذا أمر لا يقل، بل ربما يزداد خطورة عن قرار إلغاء الانتخابات المحلية والبلدية.
• القضية الأخرى التي تندرج في سياق الحديث عن دور المقاومة الشعبية، هي قضية المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. هذه المفاوضات هي مفاوضات الحل الدائم، أي أن ما يتقرر بها يشكل قرارا نهائيا يمس مصير القضية والحقوق الوطنية. من هنا تستمد خطورتها وأهميتها، ومن هنا واجب أن لا تكون منوطة بطرف دون غيره، بل أن يكون قرار المفاوضات قرارا وطنيا، يتشارك في صياغته القوى السياسية على اختلاف اتجاهاتها، وشرائح المستقلين، والصف العريض من أبناء الحركة الشعبية (لجان شعبية ـ أندية ـ جمعيات ـ منتديات ـ مؤسسات ثقافية ومهنية ـ نقابات وغيرها). هذا الصف هو بالضرورة عماد أية مقاومة شعبية نريد استنهاضها. الملاحظ أن المفاوض الفلسطيني «يخوض» معركة المفاوضات متجاهلا الدور الذي يفترض أن تلعبه الحركة الشعبية. لذا تراه يبحث عن غطاء عربي، وغطاء دولي لمواقفه، ولا يمد خيوط العلاقة مع الشارع، يصارحه بحقيقة ما يدور، ويترك لهذا الشارع أن يرسم دوره المطلوب في إزالة العراقيل أمام قيام عملية تفاوضية متوازنة، تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف. من كان على قناعة بأهمية الحركة الشعبية، وأهمية المقاومة الشعبية، ومن كان على قناعة بضرورة طرح نتائج المفاوضات على الاستفتاء، يتوجب عليه بادئ ذي بدء أن يضع في حسابه أن ورقة القوة الرئيسية بيده هي الحركة الشعبية. هي أقوى من الولايات المتحدة، ومراوغاتها، وأقوى من حكومة نتنياهو وتعنته، وأقوى من لجنة المتابعة العربية وتهربها من المسؤولية. بل هي التي تضع حدا للمراوغة الأميركية والتعنت الإسرائيلي والعجز العربي، وهي التي ترسم الطريق وتضع النقاط على الحروف. وما تجاهل الحركة الشعبية، في هذا الوقت بالذات، حيث تدور «معركة» رسم أسس العملية التفاوضية، إلا تأكيد على أن أصحاب شعار «المقاومة الشعبية السلمية» لا يتحلون بالمصداقية نحو شعارهم.
***
أخيرا وليس آخرا:
إن كنا ننتقد فياض والرئيس عباس، فهذا لا يعني إعفاء القوى السياسية على اختلاف اتجاهاتها من مسؤولياتها إزاء توفير العناصر والشروط والمتطلبات الضرورية لقيام مقاومة شعبية ذات طابع ديمقراطي، ترسم طريقها بنفسها. وهذا موضوع آخر لا بد من ولوجه ومعالجته بشجاعة ومسؤولية.