مشهدان عربيان متنافران

معتصم حمادة
2010 / 8 / 11

مشهدان عربيان احتلا المسرح السياسي الأسبوع الماضي الأول لبناني والثاني فلسطيني.
المشهد اللبناني يقول إن لبنان، وفي ظل ما تسرب من أنباء عن القرار الظني الذي من المتوقع أن تصدره المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، عاش أياما من التوتر الشديد، مما هدد بجر البلاد مرة أخرى إلى الفتنة، ومما أعاد إلى الأذهان حوادث أيار (مايو) 2008. وعاش الجميع على أعصابهم، وهم يترقبون أيلول (سبتمبر) القادم، الموعد المنتظر لصدور القرار الظني للمحكمة الدولية. وانشغلت البلاد، كما انشغل العباد، بهذا الأمر، واتجهت أنظار المراقبين إلى بيروت، لقراءة المواقف وردود الفعل، وتقدير الموقف. وامتدت التداعيات إلى العواصم العربية، وحيث مراكز القرار: الرياض، شرم الشيخ، دمشق، ثم إلى بيروت حيث انعقدت قمة ثلاثية حضرها إلى جانب الرئيس اللبناني ميشال سليمان، كل من ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس السوري د. بشار الأسد. وصارت بعبدا، مقر الرئيس سليمان، هي محط أنظار المراقبين، الذين راقبوا الدخان الأبيض يتصاعد من مدخنة القصر الجمهوري، فاستبشروا خيرا، وزاد استبشارهم خيرا اللقاء بين رئيس مجلس النواب نبيه بري، والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وأدرك الجميع أن قمة بعبدا نجحت في سحب صواعق التفجير من الألغام التي اعترضت العيش المشترك في البلاد.
وكان واضحا للمراقبين أنه ما كان للتحرك العربي أن يكون، بالشكل الذي تابعناه لولا أن الأطراف المعنية، في الحالة اللبنانية، كانت تمتلك أوراق قوة، وكانت إلى جانب هذا، تمتلك إرادة سياسية تمكنها من تفعيل أوراق القوة هذه، واستعمالها في الاتجاهات والمواقيت المناسبة، بما يفيض بآثاره وتداعياته على الحالة اللبنانية نفسها، ليطال الأطراف الفاعلة في الحالة العربية. لذلك وجدت هذه الأطراف نفسها مدعوة إلى الالتقاء، والتشاور، والتفاهم، وصولا إلى تحقيق ما تابعناه وما تم الكشف عنه بعيدا عن الأضواء. الدرس المهم في هذا كله أن الأطراف اللبنانية المعنية بالأمر وهي تمتلك أوراق القوة، وتمتلك أيضا الإرادة السياسية، نجحت في الضغط على الحالة العربية التي هرعت إلى بعبدا لاستباق الانفجار الذي كان متوقعا والحؤول دون وقوعه. ولم تستطع الحالة العربية أن تقف متفرجة، كما لم تستطع أن تكتفي بأن تقول رأيها وتمشي. كانت مدعوة، تحت ضغط الحالة اللبنانية، وعناصر القوة والإرادة السياسية لدى أطراف هذه الحالة إلى الفعل، ففعلت، وكان، كما أوضحنا لقاء بعبدا.
***
المشهد الفلسطيني يقول إن الفريق المفاوض أخذ يتعرض لضغوط أميركية ثقيلة، وصلت حد التهديد، للانتقال من المفاوضات غير المباشرة، إلى «المباشرة»، في خطوة تمثل مكسبا صافيا للجانب الإسرائيلي. ذلك أن «غير المباشرة» لم تحقق المرجو منها فلسطينيا، فضلا عن أن متطلبات نجاح «المباشرة» لم تتوفر بعد، كالمرجعية، والسقف الزمني، ووقف الاستيطان وفك الحصار عن القطاع.
وتحت وطأة الضغط الأميركي، وجد الفريق الفلسطيني المفاوض نفسه عاريا، فالتجأ إلى لجنة المتابعة العربية. دخلها شاكيا باكيا، يحمل بين يديه ملفات تفاوضية لا تحتوي على ما هو مهم وجدي. جولات من المفاوضات العبثية، العدمية، في ظل تواصل الاستيطان، وهدم المنازل العربية أو مصادرتها وطرد أصحابها من القدس الشرقية المحتلة. وفي ظل حصار على القطاع، وعربدة عسكرية في سمائه وصولا إلى القصف الجوي.
الفريق الفلسطيني جاء يطلب النجدة من الحالة العربية وهو مجرد من أوراق القوة في مواجهة العربدة الإسرائيلية والغطرسة الأميركية وحالة الض0عف والتفكك العربية. جاء إلى لجنة المتابعة يطلب إليها أن تنوب عنه في تفكيك صواعق التفجير من الألغام التي تعترض طريقه. وأن تنوب عنه في مواجه العربدة الإسرائيلية. وأن تنوب عنه في التصدي للغطرسة الأميركية وأن تهبه بعضا من قوتها، وهي التي تشكو أصلا من ضعف مزمن. أهم ما في الأمر أن الفريق الفلسطيني المفاوض، لا يملك، بسبب خياراته الخاطئة، ما يضغط به على الحالة العربية، وما يلوح به مهددا بتداعيات وتطورات تفيض عن حدود الحالة الفلسطينية، لتطال حالة الاستقرار والاطمئنان العربية. لذلك وجدت لجنة المتابعة نفسها في حالة استرخاء، استمعت إلى الفريق الفلسطيني المفاوض، واتخذت القرار الذي كان ينتظره منها الجميع، والذي خلا من أية مفاجأة: الاستجابة للضغط الأميركي والذهاب إلى مائدة المفاوضات المباشرة. كان قرارا «منطقيا» وفقا للحسابات التي بني عليها قرار الذهاب إلى «غير المباشرة». فالأميركيون كانوا واضحين: «غير المباشرة» ما هي إلا تمهيد للمفاوضات المباشرة، والطريق إليها، ومن يدخل «غير المباشرة». لا بد أن يستكمل خطواته نحو «المباشرة». الجديد في القرار العربي، والمفاجئ في الوقت نفسه (وهو مفاجأة غير سارة على الإطلاق) أنه ترك للفريق الفلسطيني أن يحدد، بمفرده، الوقت المناسب ليلتحق بالمفاوضات المباشرة. أي أن الحالة العربية تركت للفريق الفلسطيني، هذه المرة، وحيدا، يقلع شوكه بيديه، حملته مسؤولية قراره وتنصلت هي من مسؤولياتها.
***
مسافة شاسعة تفصل بين المشهد اللبناني والمشهد الفلسطيني والفارق بين المشهدين بسيط ولا يحتاج إلى كثير من الجهد لاكتشافه. فنحن لسنا أمام أحجية، بل نحن أمام مشهدين متنافرين، تبدو الفروقات بينهما صارخة. في المشهد اللبناني ثمة أوراق قوة وثمة إرادة سياسية وهما الأمران الغائبان في المشهد الفلسطيني.
يبقى السؤال: ما هو سبب افتقار الفريق الفلسطيني المفاوض إلى أوراق القوة. هل لأنها غير موجودة في الأساس. أم لأنه يتجاهلها ويرفضها بل ويحاول أن يحرقها حتى قبل استعمالها؟.
الجواب جاهز ومعروف: أن أزمة الفريق الفلسطيني المفاوض أنه حصر خياراته في اتجاه واحد وحيد، هو المفاوضات، وتخلى عن باقي الخيارات التي من شأنها أن تمنح خيار المفاوضات عناصر قوة وتأثير، وتستحضر الأطراف العربية والإقليمية لتتدخل بما يخدم المصلحة الفلسطينية.
الجواب جاهز ومعروف: إن فريق فلسطيني مفاوض واهن، يعتمد سياسية واهنة، وخيارا واهنا. هذا كله أصاب القضية الفلسطينية بالوهن. وهذا ما يفسر موقف لجنة المتابعة العربية وقرارها الأخير.