… إنهما فوق المؤسسة

معتصم حمادة
2010 / 7 / 13

شهدت الحالة الفلسطينية، محطتين مهمتين، أوضحتا، إلى أي مدى تراجع دور المؤسسة الفلسطينية، في صوغ القرار السياسي وكيف أن أفرادا، يحتلون مواقع متقدمة في السلطة وفي م. ت. ف. بات بإمكانهم أن ينوبوا عن المؤسسة في اتخاذ القرار، وفي اتجاه معاكس للرأي العام السياسي الذي تمثله أطراف الحالة الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتهم. وهو أمر، إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى البؤس الذي انحدرت إليه آلية اتخاذ القرار في الحالة الفلسطينية، كما يدل على المخاطر التي تحيط بالمستقبل والمصير الفلسطيني إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، وإذا ما استمر القرار أسيراً لمثل هذه الآلية.
• المحطة الأولى التي يمكن أن تشكل نموذجا يؤكد صحة الاستنتاج المسبق الذي أوردناه، هي قرار استئناف المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسرائيلي، استجابة لاقتراح المبعوث الأميركي جورج ميتشل.
فلقد استبق الرئيس الفلسطيني محمود عباس اجتماع اللجنة التنفيذية في م. ت. ف. كمرجعية عليا معنية باتخاذ القرار المناسب، عبر قيامه بجولة على عدد من العواصم الغربية والعربية، في ما سمي التشاور مع هذه العواصم، علما أن ما أعلنته هذه العواصم من مواقف استبقت زيارة عباس لها، أكد موافقتها على المقترح الأميركي ودعمها له، وبالتالي جاءت جولة الرئيس الفلسطيني وكأنها بحث عن غطاء سياسي عربي ودولي لقرار ينوي اتخاذه وباتت ملامحه واضحة للعيان. ولم يكتف عباس بجولتيه الغربية والعربية، بل اسند ذلك بلقاء مع لجنة المتابعة العربية، التي تتشكل بشكل رئيس من ممثلي العواصم العربية التي كان قد زارها للتشاور. وفيما عدا سوريا، فإن اللجنة العربية باركت لعباس قراره باستئناف المفاوضات في صيغتها الجديدة، ومنحته أربعة أشهر، كفترة زمنية لاختبار حقيقة النوايا الإسرائيلية. وقد فهم هذا الأمر استنادا إلى تصريحات أميركية (وفلسطينية لاحقا على لسان الرئيس عباس وفريقه المفاوض) على أن مدة الشهور الأربعة ليست إلا تمهيدا للعودة إلى المفاوضات المباشرة.
بين يديه استشاراته الغربية والعربية، وقرار لجنة المتابعة، دعا الرئيس عباس إلى ما يسمى باجتماع القيادة الفلسطينية وهي صيغة غير رسمية، فضفاضة، لا تستقر على حالة معينة، وعضويتها ليست رسمية، وبالتالي، هي خارج الهيكل الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية والهيكل الرسمي للسلطة الفلسطينية.
الاجتماع المذكور ضم أعضاء اللجنة التنفيذية، وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، ورؤساء الكتل البرلمانية في المجلس التشريعي (المعطل منذ أكثر من ثلاث سنوات) والأمناء العامين غير الممثلين في أي من الصيغ المذكورة أعلاه. كذلك دعي آخرون من خارج هذا التشكيل، مثل أكرم هنية رئيس تحرير صحيفة "الأيام" الفلسطينية.
هذا الخليط، بل هذا التشكيل الهجين، [الذي سمي مجازا بالقيادة الفلسطينية] هو الذي ناقش الموقف من الدعوة الأميركية لاستئناف المفاوضات. وكان واضحا أن هذا الخليط، ما كان ليجتمع بالشكل الذي اجتمع عليه، وما كان للرئيس عباس أن يدعوه لهذا الاجتماع، إلا لأن عباس أراد أن يتجاوز اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الهيئة المعنية أصولا، وحسب النظام الداخلي لمنظمة التحرير، باتخاذ القرار.
فعشية الاجتماع أعلنت الفصائل الفلسطينية موقفها من الدعوة الأميركية. وكان واضحا، وتأكد ذلك في الاجتماع المذكور، أن "الأغلبية السياسية" في اللجنة التنفيذية كانت ضد الاستجابة للاقتراح الأميركي، وربطت بين استئناف المفاوضات (أيا كانت صيغتها) والوقف الشامل للاستيطان. هذا ما كان عليه موقف الجبهتين "الديموقراطية" و"الشعبية" وحزب الشعب الفلسطيني، وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير العربية، وموقف د. حنان عشراوي، كعضو مستقل في اللجنة التنفيذية، وكذلك موقف أحمد قريع (أبو علاء) بصفته هو الآخر عضوا مستقلا في اللجنة.
ومع ذلك خرج ياسر عبد ربه، أمين سر اللجنة التنفيذية إلى وسائل الإعلام ليعلن "القرار الفلسطيني" بالذهاب إلى المفاوضات، متجاهلا، تجاهلا تاما، مواقف الأطراف المعارضة للقرار، وهي أطراف تحتل في الحالة الفلسطينية موقعا مؤثرا، سياسيا وشعبيا، ومستندا إلى "الأفراد" الذين حضروا الاجتماع، من موقعهم إما في هيئاتهم الحزبية، كاللجنة المركزية لحركة فتح، وبعض الأمناء العامين، أو في موقعهم في المجلس التشريعي (مرة أخرى... المعطل). هذه الصيغة في اتخاذ القرار، صيغة هلامية، يتلاعب في تشكيلها الرئيس عباس، يستدعيها متى رأى في ذلك خدمة لموقفه، ويغيبها حين يرى في هذا التغييب مصلحته السياسية.
مثل هذا الأسلوب اتبعه الرئيس عباس مع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية. فبعد أيام قليلة على انقلاب حماس في قطاع غزة في 14/6/2007، وبعد طول تغييب غير مبرر، دعا الرئيس عباس المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لاجتماع رتب على عجل، أراد منه الرد على انقلاب حماس، وتوفير غطاء سياسي لقراراته في حل حكومة إسماعيل هنية، وتكليف سلام فياض بتشكيل حكومة طوارئ لمدة شهر، وتعزيز موقعه الشخصي كرئيس للسلطة، من خلال الاستناد إلى موقعه كرئيس للجنة التنفيذية.
وواظب عباس على دعوة المجلس المركزي للاجتماع، بين شهر وآخر، ليوفر غطاء سياسيا لسلسلة القرارات والقوانين، التي اتخذها بصفته رئيسا للسلطة الفلسطينية، وبغياب المجلس التشريعي، بما في ذلك قراره بتشكيل حكومة تسيير الأعمال برئاسة فياض أيضا. هذا المجلس المركزي، الذي لجأ إليه عباس في الصراع مع حماس، هو نفسه الذي انقلب عباس على قراره في 15/4/2010، بعدما شدد المجلس على ضرورة الربط بين استئناف المفاوضات (أيا كانت صيغتها) وبين الوقف التام للاستيطان في القدس وفي الضفة الغربية. مما يؤكد، مرة أخرى، أن الصيغة التي يعامل بها عباس المؤسسة الفلسطينية، هي صيغة استخدامية وأنه يضع سلطته الفردية فوق كل السلطات، وإن كان يحاول في بعض الأحيان ذلك بصيغ هجينة كصيغة القيادة الفلسطينية التي حملها مسؤولية قرار استئناف المفاوضات دون وقف الاستيطان.
• المحطة الثانية التي تستحق التوقف عندها، وتشكل نموذجا لإبراز كيف أن القرار الفردي يتجاوز المؤسسة ويتجاهلها، كانت حين اتخذ رئيس حكومة تسيير الأعمال في السلطة الفلسطينية سلام فياض، وبناء على تكليف مباشر من الرئيس عباس، قرارا بإلغاء الانتخابات البلدية والمحلية، دون العودة إلى مجلس الوزراء لأخذ رأي أعضائه.
وخلافا لما أشيع فإن فياض لم يتخذ قرارا بتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. بل اتخذ قرارا بإلغاء الانتخابات أصلا. علما أن القرار الأول (التأجيل إلى أجل غير مسمى) في حال اتخذ يشكل مخالفة صريحة لقانون الانتخابات الذي يعطي رئيس الحكومة صلاحية التأجيل لمدة أربعة أسابيع فقط. أما القرار الثاني (أي إلغاء الانتخابات أصلا) فهو قرار ينتمي إلى عالم الأحكام العرفية، التي تتيح للحكومة تجاوز القانون وانتهاكه دون مساءلة من البرلمان.
فياض، بإلغائه الانتخابات تصرف وكأنه الحاكم العرفي للضفة الغربية وقطاع غزة. وعندما انعقد مجلس الوزراء، وبناء لطلب بعض أعضائه، بحث قرار فياض، وجرى التصويت عليه، صوت ضده ثلثا أعضاء الحكومة، وصادق عليه، فقط، الثلث الباقي. ومع ذلك بقي القرار ساري المفعول ولم يتراجع عنه فياض في خطوة شكلت احتقارا فاضحا لمجلس وزرائه.
من المعلوم أن "إلغاء" الانتخابات البلدية والمحلية، في الضفة الغربية، جاء نزولا عند إرادة الرئيس عباس، بعد أن فشلت حركة فتح في التوافق على لوائح الترشيح الخاصة بها. وبعدما يتبين أن مهزلة الانتخابات التشريعية في 29/1/2006، سوف تتكرر وسوف تتصادم لوائح فتح المتعددة في الدائرة الواحدة، بما يعد بخسارة ستمنى بها الحركة.
لذلك فضل عباس إلغاء الانتخابات البلدية، وإبقاء الفراغ سيد الموقف، مقابل ألا تخسر فتح الانتخابات. وهو أمر يوضح إلى أي مدى يسخّر عباس مصالح المؤسسة (أي المصلحة العامة) لحساب مصالح فتح الخاصة والفئوية.
خطيئة فياض، في هذا الجانب أنه ألقى بظلال الشك على صدقية مشروعه بناء البنية التحتية للدولة ومؤسساتها، تحضيرا للإعلان عنها في آب 2011، فالمجالس البلدية والمحلية، كما هو معروف، تشكل جزءا رئيسيا من هذه البنية، خاصة وأن هذه المجالس، في وضع كوضع الضفة، تشكل الأداة الرئيسية على الصعيد المحلي، لتوفير مقومات صمود المواطنين في وجه الاحتلال والاستيطان، وفي معركة الاستقلال.
قبل أن نختم لا بد أن نلاحظ أن هذه السياسات، في تجاهل المؤسسة الرسمية وتغليب القرار الفردي على قرارها، يلقى احتجاجا من قبل عدد من الفصائل، لكنه احتجاج لم يمتلك بعد القدرة على التحول إلى فعل يلجم مثل هذه السياسات أو يعرقلها. فضلا عن أن آليات العمل داخل المؤسسة الفلسطينية نفسها، تشكل في الأساس معضلة، تحول دون أن يشق الإصلاح طريقه وبما يستجيب لدعوات الغالبية من الفصائل والفعاليات والشخصيات الفلسطينية.