المناشدات اللفظية لن توقف الاستيطان

معتصم حمادة
2010 / 7 / 11

تكمن أزمة المفاوض الفلسطيني أنه يعالج الاستيطان بأسلوب غير فعال يقتصر على المناشدات اللفظية، بينما يلجأ العدو الإسرائيلي إلى كل عناصر القوة، بما فيها القوة العسكرية لفرض الوقائع الاستيطانية على الأرض.
دخلت العملية التفاوضية «غير المباشرة» سلسلة من الدوامات، بحيث لم تقترب حتى الآن من تناول القضايا الكبرى الواجب حسمها للخلاص من الاحتلال والاستيطان. وما زالت التصريحات، خاصة تصريحات الرئيس محمود عباس، تنفي تحقيق تقدم في هذا المسار. ويؤكد عباس في تصريحاته المتكررة أنه وجه إلى الجانب الأميركي وثيقة حدد فيها حدود الموقف الفلسطيني، في العملية التفاوضية، وطرح في سياقها سلسلة من الأسئلة حول حدود الموقف الإسرائيلي. واشتكى عباس، في السياق نفسه من أنه لم يتلقَّ حتى الآن أية ردود على وثيقته وتساؤلاته، في وقت يتوقع فيه الكثيرون، من مراقبين، ومحللين، أن تتجاهل إسرائيل وثيقة عباس، وتساؤلاته، لأنها لا تريد أن تقيد نفسها بمواقف واضحة والتزامات محددة إزاء العملية التفاوضية خاصة في موضوع الاستيطان.
وبات واضحا أن موضوع الاستيطان هذا، تحول إلى أحجية، ومعضلة، ومسألة مطاطة، تدور حولها النقاشات والمباحثات والسجالات، والتصريحات والتصريحات المضادة، إن في الميدان الإسرائيلي أو في الميدان الفلسطيني. والاستيطان كما هو معروف، يعني في المعادلة البسيطة: الأرض. وبالتالي المطالبة بوقف الاستيطان، تعني المطالبة بوقف مصادرة الأرض، والمطالبة بمنع تكديس آلاف جديدة من المستوطنين فوق الأرض الفلسطينية المحتلة، وفرض وقائع ميدانية تعكس نفسها على مفاوضات الحل الدائم. علما أن الحديث عن الاستيطان في الضفة، يعني في السياق الحديث عن مستوطنات، ومناطق نفوذ لهذه المستوطنات، تحتل ما نسبته 42% من مساحة الضفة الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يعني أن المسألة دخلت مرحلة شديدة الخطورة، في ظل إصرار إسرائيلي، واضح وصريح، على مواصلة الاستيطان وبناء آلاف الشقق في الضفة الفلسطينية وفي قطاع غزة.
***
ولعل الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات واشنطن عامي 1991 و1992، كان السباق إلى إدراك خطورة الاستيطان، لذلك رهن الدخول في المفاوضات بالوقف التام للاستيطان. وعلق هذا الوفد العملية التفاوضية، ورمى الكرة في الملعبين الأميركي والإسرائيلي، متسلحا بأعصاب حديدية، مدعوما بموقف شعبي رأى في هذا الموقف تجسيدا حيا للمزاج العام، الذي اعتبر الأرض محور الصراع، واعتبر أن وظيفة المفاوضات ليس الحديث عن السلام، كأغنية ترددها أمام وسائل الإعلام، بل الخلاص من الاحتلال والاستيطان. ويلاحظ في السياق التاريخي للعملية التفاوضية أن المسار التفاوضي يصاب بالعسر الشديد، ويتهدد مصيره الفشل، كلما طرح الجانب الفلسطيني القضية من جذورها، أي وقف الاستيطان، بمعنى وقف الاستيلاء على الأرض، ووقف مصادرتها، باعتبارها أرضا محتلة، يفترض أن تقود العملية التفاوضية إلى إعادة هذه الأرض لأصحابها وعلى قاعدة المبدأ الدولي القائل بعدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة. كما يلاحظ بالمقابل، أنه كلما تناولت المفاوضات قضايا جانبية، تقفز عن موضوع الاستيطان، وعن موضوع الأرض، كلما خيل للمتفاوضين أنهم حققوا خطوات مهمة إلى الأمام، على سبيل المثال في بحث ملف «العلاقات بين الدولتين» أو البحث في ملف «الأمن» أو غير ذلك من العناوين التي يقصد الجانب الإسرائيلي تقديمها في جدول الأعمال على غيرها. لكن الحقيقة سرعان ما تعود وتفرض نفسها على المتفاوضين، عندما يعودون للبحث في قضايا الحدود، والأرض، وفي السياق المستوطنات ومصيرها. لأن القضية، أيا كانت المحاولات لإعادة صياغة ملامحها، والتمويه عليها، ستبقى بالضرورة قضية الأرض، موضوع النزاع والصراع بين الجانبين، منذ وصول الدفعة الأولى من المستوطنين اليهود إلى فلسطين، وحتى اللحظة.
ومتابعة بسيطة لمناقشات الليكود، والكنيست، والدوائر الإسرائيلية الأخرى تثبت لنا أن المسألة الرئيسية، على جدول أعمال هذه الهيئات والمؤسسات هي كيفية تكبيل أيدي المفاوض الإسرائيلي لمنعه منعا باتا من تقديم «تنازلات» في موضوع الأرض وموضوع الاستيطان. انطلاقا من إدعاء باطل، يتفق الإسرائيليون في الائتلاف الحكومي على تثبيته كواقع لا تراجع عنه، يهدف إلى تحويل الاستيطان حالة غير قابلة للنقاش أو التفاوض حولها.
***
تكمن أزمة المفاوض الفلسطيني أنه، في معالجته لقضية الاستيطان، يسلك أسلوبا غير فعال، وغير منتج، يقتصر على المناشدات اللفظية، والعمل الدبلوماسي، في وقت يلجأ فيه الجانب الإسرائيلي إلى كل عناصر القوة، بما فيها القوة العسكرية لفرض الوقائع الاستيطانية على الأرض. وتزداد أزمة المفاوض الفلسطيني تفاقما حين يحيل القضية إلى الراعي الأميركي، ويقدم له، في السياق، تأكيدات وضمانات أنه لن يلجأ للعنف، ولن يسمح لأحد أن يلجأ إلى العنف لحل مسألة الاستيطان مشددا على رفضه، رفضا تاما عودة الضفة الفلسطينية إلى الانتفاضة الشعبية، والعودة مرة أخرى إلى اعتماد الكفاح المسلح، سبيلا نضاليا إلى جانب باقي السبل الأخرى.
وتاريخ الصراع يؤكد أنه كلما تصاعد الكفاح المسلح، وتصاعدت الانتفاضة في الأرض المحتلة، كلما تراجع عدد المستوطنين وكلما مالوا إلى مغادرة إسرائيل بحثا عن الاستقرار خارجها. وأنه كلما ساد الهدوء الأرض المحتلة، وكلما لجأ الفلسطينيون إلى السكينة (مرغمين أم غير مرغمين) كلما ازدهر الاستيطان، وكلما زاد عدد المهاجرين اليهود وكلما غزا المستوطنون الأرض الفلسطينية المحتلة.
مما يقودنا إلى نتيجة، ما زال المفاوض الفلسطيني يرفض الاعتراف بها ـ أن المفاوضات وحدها لن توقف الاستيطان. وأن المناشدات لن توقف الاستيطان. وأن الوساطة الأميركية لن توقف الاستيطان. وحده التصدي بالقوة الفلسطينية هو الكفيل بوضع العراقيل أمام الاستيطان، ووحدها المقاومة الشعبية كفيلة بأن «تقنع» العدو الإسرائيلي بإعادة النظر بسياساته الاستيطانية.