هجمة إسرائيلية مرتدة..

معتصم حمادة
2010 / 7 / 4

معتصم حمادة
كل المؤشرات تدلل على أن الجانب الإسرائيلي بصدد التحضير لهجمة سياسية ودبلوماسية واستيطانية وعسكرية جديدة ضد الحالة الفلسطينية، في وقت ما زال فيه الفريق الفلسطيني ينتظر أن يحمل له الوسيط الأميركي الردود الإسرائيلية على أسئلة كان قد طرحها في وقت سابق!
لا يختلف اثنان على أن إسرائيل تعيش أزمة سياسية، ربما تكون غير مسبوقة في تاريخها، نظرا لتعدد طبقات هذه الأزمة، ولصلتها بالأوضاع الإقليمية والدولية، وبأطراف، كانت فيما مضى محسوبة على التحالف مع إسرائيل.
• فهناك، أولا، العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، بجانبها الأمني على مستوى المنطقة الممتدة من المغرب، غربا، إلى أفغانستان شرقا. وقد تمثل ذلك في سلسلة تصريحات، بدت أشبه بمناوشات نارية بين القيادات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، وما زالت قيد البحث والنقاش في زيارة يقوم بها إلى إسرائيل أحد كبار القادة العسكريين الأميركيين. وهو ما يطرح داخل إسرائيل سؤالا فيما إذا كانت هذه الدولة «دولة» حقا، لها استقلالها، ولها استراتيجيتها العسكرية الخاصة بها، أم أنها مجرد قطعة عسكرية في الجيش الأميركي في المنطقة.
• وهناك، ثانيا، العلاقة مع الولايات المتحدة بجانبها السياسي خاصة بما يتعلق بالعملية التفاوضية حيث يبدو واضحا أن إسرائيل تحاول على الدوام الالتفاف على متطلبات العملية التفاوضية حتى بالمقياس الأميركي، الأمر الذي أوحى بتوتر في العلاقات بين الفريق الإسرائيلي المعني بالمفاوضات (نتنياهو ـ ليبرمان) والمبعوث الأميركي جورج ميتشل، خاصة في ظل انشغال الرئيس أوباما، بقضايا أفغانستان، والتغيير في القيادة العسكرية هناك، وبالتسرب النفطي في خليج المكسيك، وغيرها من القضايا الضاغطة على جدول أعمال البيت الأبيض، وبحيث تقدمت كلها على ملف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
• وهناك، ثالثا، قضية تزوير جوازات سفر دول تعتبر، في المقاييس الإسرائيلية، صديقة، الأمر الذي وتر العلاقة مع هذه الدول، واضطر بعضها إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية (إبعاد دبلوماسيين إسرائيليين احتجاجا) أو اعتقال أفراد متورطين في التزوير، أو في جريمة اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح.
• وهناك، رابعا، الجريمة الإسرائيلية الموصوفة، وبمستوى جريمة حرب، ارتكبت ضد سفن «الحرية» المتوجهة إلى قطاع غزة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض عليه، وما تلا ذلك من تداعيات على مستوى العلاقة مع تركيا، ومع أكثر من بلد، وبحيث تهاطلت ردود الفعل، أدانت كلها إسرائيل، حتى أن الولايات المتحدة نفسها، دعت إلى التحقيق في «ملابسات» هذه الجريمة.
• وهناك، خامسا، تقرير غولد ستون، الذي يدعو لمحاكمة قادة إسرائيليين عسكريين وسياسيين، لارتكابهم جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ولانتهاكهم مبادئ القانون الإنساني، واتفاقية جنيف الرابعة.
وكخلاصة، يتفق عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الإسرائيليين، أن هناك من يحاول أن يستغل هذا كله ليقوم ـ حسب التعبير الإسرائيلي ـ بـ «نزع الشرعية» عما يسميه هؤلاء بـ «الدولة اليهودية»، وبحيث تصبح إسرائيل ـ حسب التعبير الأميركي المستعار من عهد بوش الابن ـ «دولة مارقة» أي متمردة على القانون وعلى المجتمع الدولي، وبحيث يسهل مساءلتها.
***
كان يمكن للفريق الفلسطيني المفاوض، لو امتلك الإرادة السياسية، أن يغتنم هذا الوضع، وينتهز الفرصة، ويضع خطة تحرك، على المستويات الشعبية، (أولا)، والدبلوماسية (ثانيا)، والإعلامية (ثالثا)، والتفاوضية (رابعا)، ليزيد من حشرة إسرائيل، والضغط عليها، والدفع بها نحو التسليم ببعض الحقوق الفلسطينية، مستفيدا من العديد من العوامل التي ذكرناها آنفا. لكننا، اشترطنا، كما هو ملاحظ، لدخول هذه المعركة على مصراعيها الإرادة السياسية.
وكما هو ملاحظ أيضا، فإن الفريق الفلسطيني المفاوض، يفتقر، في مقدمة ما يفتقر، إلى الإرادة السياسية. لذا تراه مهزوزا في تحركاته وفي مفاوضاته، مدعوا في كل ساعة، وكل لحظة، إلى إبداء حسن نواياه نحو طرف لا يحمل إزاء الحالة الفلسطينية الحد الأدنى من حسن النوايا. وأن يبدي، في كل ساعة، وكل لحظة، استعداده للوصول إلى توافقات تفاوضية مع الجانب الإسرائيلي، في الوقت الذي يرفض فيه هذا الجانب أية توافقات تفاوضية وصولا إلى وصف المفاوضات، على لسان وزير خارجية تل أبيب، على أنها «مفاوضات عبثية»، ووصولا إلى حد إنكار وجود مفاوض فلسطيني، فليبرمان لا يكف عن التصريح بانعدام وجود شريك فلسطيني في العملية التفاوضية.
وهكذا يتضح لنا، أن الفريق الفلسطيني، الذي يعيش هو أزمته الخاصة، عاجز عن استغلال الأزمة الإسرائيلية فالمفاوض الفلسطيني يعيش أزمته عبر ظواهرها التالية:
• يقف على رأس حركة سياسية (فتح) تعاني وضعا فاقدا للقدرة على النزول إلى الشارع، والتوحد خلف اتجاه سياسي واضح المعالم (تجربة خوض الانتخابات البلدية مثال فاقع على ذلك).
• ينفرد بقرار المفاوضات، مستخفا بالمؤسسات الرسمية، وبآليات اتخاذ القرار، ليجد نفسه، بعد ذلك، وحيدا في مستنقع المفاوضات، عاجزا حتى عن تحمل مسؤولية قراره المنفرد.
• يبحث لنفسه عن غطاء عربي ودولي، بديلا للغطاء الفلسطيني، ليكشف أن الغطاء الوحيد، القادر على أن يشق له الطريق هو الغطاء الفلسطيني، الذي هزأ به، واستخف به، وتجاوزه بدلا من أن يعزز له مكانته.
• أخيرا، وليس آخرا، يستخف بالحركة الشعبية، وينعتها في بعض لأحيان بنعوت غير لائقة، في رهان عنيد على العامل الأميركي، ليكتشف نفسه في لحظة ما، أنه خسر الحركة الشعبية الفلسطينية ولم يربح بالمقابل الدعم الأميركي الذي كان يحلم به موهوما.
***
المؤشرات المتوفرة تؤكد أن الحالة الإسرائيلية ـ المأزومة ـ لن تبقى على حالها، وأن هناك تحركات، وتحضيرات لإخراج إسرائيل من أزمتها.
• وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، بصدد التحضير لخطة تحرك سياسي على المستوى العالمي، تشكل هجمة إسرائيلية مرتدة ضد الضغوط التي تمارس على تل أبيب. تتلخص خطته في إعلان خطة إسرائيلية تفاوضية جديدة، يدعو لها الفلسطينيين (الذين سيرفضونها حتما لأنها دون خط الصفر) والأميركيين (لإرباكهم وإرغامهم على تعديل خطتهم)، وينطلق بعد ذلك ليقدم إسرائيل في صورة المستعد والجاهز للدخول في «عملية السلام»، محملا الجانب الفلسطيني مسؤولية تعطيل هذه العملية بدعوى أنه «ضعيف»، «لا يسيطر على الوضع» (في إشارة إلى غزة) وبالتالي الإعلان عن «انعدام الشريك الفلسطيني في المفاوضات».
• مركز الليكود، في اجتماعه الأخير، (غاب عنه نتنياهو دون أن يغيب تأثيره وتغيب توجيهاته) اتخذ قرارا بالعودة إلى الاستيطان، في أيلول (سبتمبر) القادم، أي بعد انتهاء فترة الأشهر العشرة التي أعلن عنها نتنياهو «لتخفيف» الاستيطان قرار مركز الليكود يريد منا أن نصدق أن هناك تخفيفا حقيقيا في الاستيطان، ويريد بالتالي أن يحضر الأجواء لهجمة استيطانية واسعة، تعجل في تهويد القدس وعزلها، وتبتلع المزيد من الأرض، وتبني آلاف المستوطنات، لاستجلاب آلاف جديدة من المستوطنين.
الإسرائيليون يحضرون لهجمة سياسية ودبلوماسية واستيطانية (وكذلك أمنية) جديدة. والفريق الفلسطيني ما زال ينتظر أن يأتي له الوسيط الأميركي بردود إسرائيلية على أسئلة فلسطينية.
ترى، أليس المشهد الإسرائيلي واضحا، بما فيه الكفاية، وبحيث لا يحتاج الأمر إلى ساعي بريد، أميركي، اسمه، جورج ميتشل؟
وأليس المشهد الإسرائيلي واضحا بما فيه الكفاية، بحيث يستعيد الفريق الفلسطيني بعضا من وعيه، بعد أن أصابته غيبوبة الاعتماد على الوسيط الأميركي؟