استحقاق الانتخابات البلدية يكشف عري فتح السياسي

معتصم حمادة
2010 / 7 / 2

قرار حكومة سلام فياض تأجيل الانتخابات البلدية والمحلية في الضفة الفلسطينية، بذريعة منح وساطات استعادة الوحدة الداخلية فرصة جديدة، أثار لدى عموم القوى والفعاليات الفلسطينية ردود فعل احتجاجية، خاصة بعد ما تبين أن السبب الحقيقي للتأجيل، هو مراعاة أوضاع فتح التي فشلت في تشكيل قوائمها الموحدة في أنحاء الضفة، وأن بعض المدن الرئيسية، كنابلس على سبيل المثال، مرشحة لأن تشهد معركة انتخابية بين لائحتين لفتح لن ينتج عنها سوى فوز لائحة ثالثة تدعمها، من خلف الأبواب، حركة حماس.
ولتبرير قرار فياض ذهبت بعض الأقلام الفتحاوية في مديح التأجيل بل وفي الدعوة إلى إسقاط خيار الانتخابات بشكل نهائي لصالح خيار تشكيل المجالس البلدية بالتعيين، بذريعة أن الانتخابات وفي ظل صفقات و تواطؤات ما، قد تأتي بحالات غير كفؤة، أو معادية لمنظمة التحرير (كالمجالس التي فازت فيها حماس). بينما يقوم التعيين على الدوام على اختيار أفضل الحالات، وأكثرها كفاءة وقدرة على إدارة شؤون البلديات والمجالس المحلية(!).
في كل الأحوال، إن قرار التأجيل، وعلى خلفية الضغوط الفتحاوية، يحمل في طياته أكثر من خلاصة كبرى، من بينها:
• أن المؤتمر السادس لحركة فتح فشل في تحقيق هدفه الأكبر، أي إعادة تنظيم أوضاع الحركة وإخراجها من حالة الفوضى التي كانت تعيشها، إلى حالة نظامية، تقوم، ككل حركة سياسية حزبية، على التراتبية، وعلى مبادئ تنظيمة، يفترض أن يحترمها الجميع، وأن تقوم المحاسبة على من يخالفها. لقد أوضحت تجربة فشل تشكيل لوائح موحدة لفتح أن الحركة ما زالت تعيش حالة من الفوضى الداخلية، وأن الهيئات القيادية للحركة ما زالت عاجزة عن كبح جماح هذه الفوضى وفرض النظام وتوحيد الحركة. التجربة أكدت أن الحركة مازالت تعيش وضعا، ما زالت فيه العلاقات الداخلية لم تقم بعد على أسس متوازنة، وأن بإمكان قيادات مناطقية على مستوى المحافظة، أو المدينة، أن تتحدى أعلى الهيئات متلطية خلف أوضاع عائلية أو عشائرية، تتمتع بعلاقات داخلية، أكثر تماسكا، وبما لا يقارن مع الحالة المشتتة التي تعيشها أوضاع فتح الداخلية. من هنا كان الهروب إلى قرار الحكومة بتأجيل الانتخابات البلدية، لعدم القدرة على معالجة الوضع الداخلي للحركة بما يتطلبه مبدأ العلاقات التنظيمية المتعارف عليه.
• استتباعا، يمكن القول إن فتح ما زالت غير مؤهلة لمواجهة أي استحقاق ديمقراطي قد تتعرض له في تتابع الحياة السياسية، في الضفة أو في القطاع، وإن أوضاعها الداخلية ترشحها لأن تخوض أي استحقاق ديمقراطي بذات الأسلوب الفوضوي الذي ساد أوضاعها في الانتخابات التشريعية عام 2006، وفازت فيها حماس بأغلبية المقاعد البرلمانية. إن هذا يؤكد أن تطمينات قيادات فتح بأنها أعادت تنظيم صفوفها لمواجهة الاستحقاقات القادمة، ما هي إلا من باب الإدعاء ليس إلا. وبناء عليه يمكن القول إن إصرار محمود عباس على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، كمدخل لإنهاء الانقسام، في ظل تأكيد فتحاوي أن حماس ستكون هي الخاسر الأكبر، ليس إلا شكلا من أشكال المزايدات السياسية، وما هو إلا مناورة يتبعها عباس لإحراج حركة حماس. فإذا كانت حماس غير مؤهلة لأن تخوض الانتخابات الآن، وهذا هو السبب الحقيقي لرفضها اقتراح عباس، فإن فتح هي الأخرى غير مؤهلة لخوض هذه الانتخابات موحدة وبما يضمن لها الفوز. ولعل المناكفة والمزايدة السياسية هي العنوان الحقيقي لطبيعة السجال الدائر بين الحركتين في وسائل الإعلام .
• لجوء فياض إلى اتخاذ قرار التأجيل، بناء على تعليمات من الرئيس عباس خطوة تؤكد أن فتح لا تقيم وزنا للتحالفات والتوافقات الوطنية، وأن تعاملها مع هذه التحالفات والتوافقات يتم في سياق منطق استخدامي ضيق ومبتذل. ففي الوقت الذي استشعر فيه عباس وطأة ما تعرضت له السلطة الفلسطينية في قطاع غزة قي 14/6/2007 على يد حركة حماس، وما تعرضت له في السياق حركة فتح، لجأ إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد طول إهمال، وتجاهل، كأحد العناوين الرئيسية للائتلاف الوطني الفلسطيني، يعيد له اعتباره ويعيد له وظيفته، في اجتماعات متتالية استقوى بها على حركة حماس. وفي الوقت الذي استشعر به الرئيس عباس وطأة الأوضاع داخل فتح، قفز عن مبادئ الائتلاف الوطني ومتطلباته واستحقاقاته، السياسية والأخلاقية، ولجأ إلى القرار الفردي بتأجيل الانتخابات.
• فضلا عن هذا كله، فقد أكد القرار المذكور أن فتح لا تتردد في تغليب المصلحة الحركية الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية العامة، إذ فضلت إبقاء أوضاع المجالس البلدية والمحلية على ما هي عليه، من تسيب وانفلاش أو شلل، بعد انتهاء ولايتها القانونية، على أن تخوض انتخابات تخسرها، ضاربة عرض الحائط ما لهذه المجالس من دور في تنظيم حياة الناس، وتوفير الخدمات الضرورية لها، وتعزيز صمودها في وجه الاحتلال والاستيطان. فتح تغلب مصلحتها الفئوية على مصالح الناس خلافا لإدعاءاتها وإعلاناتها السياسية المزعومة.
• وما جاء في تصريحات بعض قيادات فتح، وكتاباتهم، هنا وهناك، أوضح إلى أي مدى تحتقر فتح العملية الديمقراطية وتستخف بها، بل وتسخفها إذا ما تبين لها أن هذه العملية الديمقراطية لا تضمن لها مصالحها الحركية. كما أوضح إلى أي مدى تقدس فتح نظام الصفقات الفوقية، بعيداُ عن إرادة الناخب ورغبته! إذا ما وفرت لها هذه الصفقات مصالحها الفئوية، خاصة في ظل سياسة تذهب إلى حد الاستئثار بالكعكة كاملة بعد ما كانت تعتمد كرشوة للآخرين، مبدأ (النصف +1).
• أخيرا، وليس آخرا، وفضلا عما ذكرناه سابقا، فإن القرار أوضح مدى بؤس الحالة التي تعيشها المؤسسة الفلسطينية وانسداد آفاق إصلاحها. وان باقي القوى الفلسطينية في ظل العلاقات السائدة، ستبقى عاجزة عن لجم استخفاف فتح بالمؤسسة وتجاوزها وإخضاعها لسياسة استعمالية، استخدامية، ذات منحى فئوي ضيق. تستحق هذه الملاحظة وقفة من نوع آخر،خاصة إذا ما علمنا أن فياض عرض قرار تأجيل الانتخابات على مجلس الوزراء، وأن ثلثي الأعضاء رفض القرار ودعا إلى الالتزام بموعد الانتخابات، وان ثلث المجلس فقط وافق على القرار. ومع ذلك استخف فياض بوزرائه، وانصاع لتعليمات رئيس السلطة وأصدر القرار بتأجيل الانتخابات. وما قام به فياض، نسخة طبق الأصل عما يفعله عباس في رئاسته للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وما يفعله في مدى التزامه بقرارات المجلس المركزي للمنظمة.
مع عباس وفياض، نستنتج أن المؤسسة الفلسطينية حاضرة كعنوان، ومغيبة كدور وفعل. وأن فتح خرجت من جلدها القديم كحركة تحرر، وأنها فشلت في ارتداء جلد بديل، وإنها ما زالت ضائعة تبحث عن نفسها، كحركة وكقيادة، وكفعل سياسي يتماشى مع البرنامج الوطني ومتطلباته واستحقاقاته السياسية.