أين الدولة المدنية ؟

أمجد المصرى
2010 / 6 / 10

تـوالت التداعيات و ردود الأفعال المتباينـة بـعـد صدور حكـم المحكمة الإدارية العليا مـؤخـرا بإلزام الكنيسة القبطية بإصدار تصاريح الزواج الثانـى للمسـيحيين ، و مـا أعـقـبه مـن رفــض البابا البطريرك لـهذا الحكم النهائى غـير القابل للنقض طبقا للنظام القضائـى المصرى
إستند القاضـى ( بحسب حيثيات الحكم ) إلى الـحـق الدستورى للمواطن المصرى فى تكوين أسـرة ، ثـم أصدر فى اليوم التـالى مباشرة و مـن على نفـس المنصــــة حكـما بإسـقاط الجنسية المصرية عـن المصــريين المتـزوجيـن من إسـرائيليات ، بـمـا يفضى إلــى تدميــــر أسـر تكونت بالفــعـل ، و لــم يفت القاضى أن يوضح فى منطـوق حكــمه أن المقصوديــن بالحـرمان من الجنسية المصرية هــــم مـن تزوجــوا باسرائيليات ( يهـوديات ) أمــــــــا الذين تزوجـوا بفتيات مـن عــرب 1948 ، فلا خـوف عـليـهم و لا هم يحـزنون
إستند القاضـى ( بحسب حيثيات الحكم ) إلى الـحـق الدستورى للمواطن المصرى فى تكوين أسـرة ، بيـنـما لم يلفته و لـم يؤرق ضمـيره حـرمان نفس المواطـن المصرى مـن حـقه الدسـتورى فـى حيـاة آمنـــــة كريـمة دون تعـرض للسب و القذف و التكفيـر عـبر ميكروفونات المساجد و شاشات الفضائيات الإظلامـية السلفية بـما يفضى إلـى إهدار دم و استباحـة روح و مال و عـرض ذلك المواطن ذى الحق الدستورى المصون فى تكوين أسرة
أصـدر القاضـى حكـمـه النـهائـى دون الـرجـوع إلـى جهـة الاختصاص ( بحسب القانون ) بينما تحيل المحاكم ملفاتها إلـى مكاتب الخبراء لاستفتائـها و لو كان النـزاع حول تثمين شــقة سكنية أو تحديد نطــاق قطعة أرض أو تحديد مدى قدرة مدين على الوفاء بديــن ، و تحيل المحاكم أيضا الكتب و الأفلام و غيـرها إلى الأزهـر دون النظـر إلى حـق المواطـن دسـتوريا فى المــــعرفة و حـق المبدع أو المفـكر دسـتوريا فـى حريـة التعبيـر
أصـدر القاضـى حكـمـه النـهائـى بـإلـزام الكنيسـة بالتصـــريح لـ ( المواطن ) بالزواج الثانى ، و كأن المواطـن عـاجـز عـن إتـمام الزواج بعيدا عـن الكنيسـة ، و هـو الذى أقدم علـى جـرجـرة الكنيســة إلـى ساحات المحاكم ، فـهل يحتـاج ذلك المـواطن إلــى مبـاركـة الكنيســـــة لزيجته ؟

هــل يملك القــاضـى إصدار حكـــم يلـزم الأزهـــــــر بالتصريـح بتقليل عــدد ركعـات الصلاة حــــــرصا عـلى سلامـة ركـب المـواطن المصرى المسلم خـــــاصة إذا تـقدم به الـعـمـر ؟
هــل يملك القــاضـى إصدار حكـــم يلـزم الأزهـــــــر بالتصريـح بتقليل عــدد أشواط السـعى فى الحج و العـمرة حــــــرصا عـلى سلامـة المـواطن المصرى المسلم خـــــاصة و أن عشرات المصريين يموتون فى كل مـرة جـراء تلك الفـــروض ؟
تـوالت التداعيات و ردود الأفعال المتباينـة بـين مؤيد للكنيسة ( من أتباعها ) و بين مـعارض لـها ( من المنشقين عليها ) ، إلـى هـنـا و الأمــر طبيعى و متوقـع ، أمـا اللافت للنظـــر فهــو الــمداخلات الأخـرى التى استدعاها الحكم ، فـدعـاة الإســلام السياســــى هـللـوا لذلك الصدام بين الدولة و الكنيسـة و اعــتبروه حشرا للأقباط فى ركـــن بين خيارين { إمــا التخلـى عـن كنيستهـم ، و إمـا القــــبول بالدولـة الدينية } فى نـوبة دجـل و خلــــط شديدة الصخـب تـهـدف إلــى حصــد المزيـد من الغنـائم عـلـى حسـاب مدنيـة الدولـة التـى توارت كثيرا و عـم السـواد بجهودهـم منذ سـنوات ......... و كثيــــر مـن دعـــاة العلمــانية و التنــوير اصطفوا فى الخندق الآخــر يشيدون بحكم المحكمــــة و ينددون بـموقف البابا و يحذرون من مغـبة الانسياق وراء رجـال الدين
بجريدة " المصرى اليوم " عـدد 7/6/2010 - تحت عنوان " السـبت مـن أجـل الإنسان " كتب د . خـالـد منتصـر {{ القبطى الذى يصفق للبابا شنودة فى معركته مع القضاء المصرى حول حكم الطلاق هو لا يدرى أنه يصفق لتكريس الدولة الدينية، وللأسف سينتهى تصفيقه بلطم على الخدود لأنه يستدعى الدولة الدينية المسيحية ويستدعى معها فى الوقت نفسه على الشاطئ الآخر الدولة الدينية الإسلامية التى سيكون من حقها أن تفرض مفاهيمها وتفسيراتها الخاصة عن غير المسلمين وأيضاً المسلمين غير المتفقين مع تفسيراتها وهنا ستأكل نار الطائفية الأخضر واليابس ........ يا أقباط مصر حافظوا على الدولة المدنية ، عضوا بالنواجذ على ليبرالية وعلمانية الوطن، فهذا فقط هو الذى سيحل مشاكلكم المزمنة }} ، لا يـساورنـى الشـك فى حســن مقصد الدكتور خالد منتصر ذى التوجهات الليبرالية العلمانية الرافضة للسلفية و التحجـر و دعاوى الدولـة الدينية ، و لكـن :
أيـن هـى الدولة المدنيـة يا دكتور خالد حتـــــى يحافظ عليها الأقباط ؟ و أيـــن يجـد الأقـباط ليبرلية و علمانية الوطـن كــى يعـضوا عليـهما بالنواجـذ ؟
أيــــن الدولـة المدنية و المادة الثانية من الدستور تطـل منـه برأسهـا الأفعـــــــوى فتلغـى باقـى المـواد بالكامـل ؟
أيــــن الدولـة المدنية و السـباب لا ينقـطع من ميكروفونات المساجـد و لا مـن فضائيـات التكفـير و الكراهـــــية ، و كلـهـا ( المساجـد و الفضائيـات ) تـعـمل بتراخيص مـن الدولـة المصريـة التـى تعتبرهـا مدنية ؟
أيـــن الدولة المدنية و صحف الحكومـة تـفرد صفحاتها لمحمد عمارة و زغلـول النجار و باقى التكفيريين ليمارسوا السباب و التحريض و يتقاضوا أجـورا من خزانة الدولة التى يمولـها الأقباط بضرائبهم ؟
أين مدنية الدولـة و قد اعتقل مواطنـون فى رمضان الماضى بتهمـة ( الجـهر بالإفطـار ) ؟
أيـن مدنيـة الدولـة و فيهـا كليات للشريعــة الإسلامية و الدعـوة الإسلامية تحرض على تكفير الآخـر و هـى الممولة قسـرا من مالـــه ؟
أيــــن مدنيـة الدولـة التى تحرق فيها بيوت البهائيين و يطردون من قراهـم و يحرمـون حتـى من بطاقات الهـوية ؟
أيــــن مدنيـة الدولـة التى تلـعـن منابرها المخالفين فى العقيدة و تصف اليهـود بالضالين و المـغـضوب عليهم و القردة و الخنازير و الأنـعـام و غــير ذلك مـن القباحات ، و تصدر حكما قضائيـا يصف البهائيين بأن ( عقيدتهم فاسدة ) فى إهانة متعمدة لا تليق بدولـة خـاصة أن القاعـدة القانونية تنص علـى : لا يضار الشاكـى من شكواه ، فكيف تلجأ للقضاء فيوجـه لك السباب ؟
كيــف تـنفق أمـــوال ( المجمــــــوع ) على ( البـعـض ) و يكون على الآخريـن أن يقبلوا عـن يد و هـم صاغرون ، ثم نتـحدث عن دولة مدنية مفترضة و عن ليبرالية و علمانية مطلوب الحفاظ عليها و العض بالنواجذ ؟
يختتم الكاتب مقالة بعبارة {{ الدولة المدنية الواضحة فى قوانينها والتى لا تفرق بين مواطن وآخر بسبب الجنس أو الدين هى الحل والملجأ للأقباط وللمسلمين أيضاً لأن البديل مؤلم ومرعب، والأقباط يعرفون جيداً من هو أول من ستعلق له المشنقة عندما تحكم الدولة الدينية }} .. نـــعـم بالتأكيد الدولــة المدنيــة هـى الحــل و العـلـمانيـة و الليـبراليـة هـمـا الـملاذ الآمـــن ، و لـكـن يبـقى السـؤال : هـل الأقـباط و كنيسـتهم يملــــكون الحــل ؟ .. فـى المـقـال القادم أعـرض الإجــــــابـة بحســــــب رؤيتـى