يحدث هذا في القطاع

معتصم حمادة
2010 / 5 / 29

ما يعانيه القطاع هو نتاج للانقسام والحصار والحل بإعادة الأمور إلى طبيعتها طبقا للقانون وإنهاء الحصار وفتح الأبواب ليتمتع القطاع بالهواء النظيف ويعالج جراحه بما في ذلك إعمار ما تهدم من منازل ودور ومؤسسات وقيم ومفاهيم.
نبأ دخول مجموعة من المسلحين الملثمين إلى مخيم صيفي لوكالة الغوث في قطاع غزة، وإحراقه، أثار انتباه المراقبين وردود فعلهم المختلفة.
مثل هذا العمل ليس ابن ساعته. فقد تطلب من فاعلية أن يلتقوا، وأن يتباحثوا، وأن يقرروا، على خلفية فكرية وسياسية ومجتمعية، كشفت عنها تصريحات، تجنت على «الوكالة» حين اتهمتها زورا وبهتانا بأنها أقامت هذا المعسكر لممارسة الخلاعة والسلوكيات المنافية للحشمة.
هو اعتداء ليس على وكالة الغوث وحدها، وهو تجنب، ليس على وكالة الغوث وحدها، بل هو اعتداء على المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، وتجن عليه، وعلى كل لمن سمح لابنه، أو ابنته بالمشاركة في هذا المعسكر، أي، بتعبير أخر، نحن نقف، في ظل هذا الاعتداء، ليس أمام مسألة أمنية فحسب، بل أمام مسألة سياسية، فكرية، مجتمعية، تحمل في طياتها مؤشرات شديدة الخطورة، تنبئ، إن لم تتم معالجتها سياسيا وفكريا، بما هو أسوأ. ما جرى في معسكر الوكالة شبيه بما يجري في الكثير من المجتمعات المنغلقة، حيث تحاول بعض القوى أن تفرض رؤيتها المجتمعية على الآخرين، بالدعوة أولا، وبالتهديد ثانيا، وبالقوة ثالثا، وهي تبرر لنفسها مثل هذه الأعمال، إذ تنصب نفسها وصيا على المجتمع، ترسم له سلوكه، وتحاسبه على التزامه بما رسمت له.
* * *
لا يمكن فصل ما جرى لمعسكر وكالة الغوث عن الجو العام الذي يعيشه قطاع غزة، وهناك محطات رئيسية، إذا رصدناها استطعنا أن نرسم صورة تقريبية لحقيقة ما يعيشه القطاع من أوضاع قلقة وغير مستقرة.
• هناك أولا قرار فرض الضرائب الجديدة على المواطنين، وما أحدثته من ردود فعل متوقعة من القوى السياسية ومجموع المتضررين من القرار، رد فعل حماس على الاعتراض والتململ كان عنيفا لم تصدر مثيلاته عنها في قضايا أكثر أهمية، كانتقاد موقفها من الانقسام أو الحوار الوطني أو غيره، وكان واضحا أن التعرض لسياسة حماس المجتمعية يشكل تعرضا لعصب حساس في سياستها. حتى أن ممثليها في الاجتماعات مع باقي القوى طالبوا بأن تتوقف هذه القوى عن ممارسة الانتقاد العلني لقرارات حماس المجتمعية، وأنها تفضل لو يتم تبليغها بهذه الانتقادات في لقاءات منغلقة.
• تلا ذلك تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة سجناء. بعضهم صدرت بحقهم أحكام الإعدام قبل الانقسام، ولم يتم التوقيع على التنفيذ من قبل رئيس السلطة آنذاك. كثيرون فوجئوا بتنفيذ الأحكام القضائية، ودارت تساؤلات عن السبب وراء هذا الاندفاع لتنفيذ الحكم.
• بعده قامت قوات أمنية تابعة لحماس بهدم حوالي 20 منزلا في جنوب القطاع، قبل إن أصحابها بنوها فوق أرض مملوكة للسلطة. وقبل أيضا إن بيوتا أخرى مرشحة لأن تهدم. أصحاب البيوت، كما أوضحت بعض المصادر ممن نسفت إسرائيل منازلهم ودمرتها في أكثر من عدوان، والبيوت شيدت على أنقاض تلك التي هدمتها إسرائيل. بات مؤكدا أن الأرض التي شيدت عليها هذه المنازل تقرر أن تكون مكانا لمسجد، وخلية، ومؤسسة اجتماعية تابعتين للمسجد. وهو مشروع يتم تمويله من قبل إحدى المؤسسات في الخارج.
كلفت بتنفيذه إحدى الهيئات «الأهلية» المحسوبة على حماس. وحين يكون الأمر متعلقا بهيئة «أهلية»، وتمويل خارجي، يكون أكثر من سؤال، خاصة وأن المشروع سيتم بناؤه في ظل حصار، وافتقار لمواد البناء، والتمويل لن يصرف لأصحابه، كما هو معروف إلا عندما تتوفر الأرض والمخططات وغيرها. إذن ورغم أهمية المشروع المطروح للتنفيذ، بالنسبة لأصحابه، إلا أنه لا يخلو من مكاسب خاصة. وبحيث يطرح السؤال من موقع إنساني: هل يجوز تشريد أكثر من مئتي مواطن فلسطيني تحت الحصار لأجل هذا المشروع، وأما كان ممكنا حل الأمور بطريقة أخرى. حتى أن بعض المتضررين علق على ما جرى بالترحم (للأسف) على ماضي الاحتلال مؤكدا أنه لو صدر القرار من سلطات الاحتلال لأعطينا إنذار، ثم لأمكننا اللجوء إلى المحكمة العليا (الإسرائيلية) للتظلم. ويضيف: حتى ولو لم تنصفنا هذه المحكمة فإن لجوءنا إليها كان يشكل فرصة لإسماع صوتنا.
• لاحقا صدر قرار بمنع إقامة الاحتفالات الخاصة في الشوارع بذريعة أنها تعرقل حركة المرور. كما صدر قرار آخر يمنع إقامة هذه الاحتفالات في الصالات بعد العاشرة ليلا. القرار يتدخل في تنظيم المجتمع مثله مثل القرار الذي سبق وأن اتخذ بمنع المرأة من ركوب الدراجة النارية خلف الرجل، حتى ولو كان زوجها. وحين سئل عن السبب، قيل، للتبرير: حفاظا على سلامتها ليس إلا!.. كما كان قد صدر قرار (تم التراجع عنه) بالفصل بين المحامين والمحاميات، وإلزام المحاميات لبس الحجاب.
***
ما من عاقل إلا ويدرك أن الوضع في قطاع غزة ما هو إلا وضع مؤقت، وأن الانقسام لا بد أن ينتهي، وأن تعود الوحدة الداخلية إلى الوضع الفلسطيني، وأن يدخل القطاع مرة أخرى تحت ظل السلطة الفلسطينية الواحدة. هذا هو المنحى السياسي العام الذي تدعو له الحالة الفلسطينية بكل أطرافها، كما تدعو له الحالة العربية، بكل اتجاهاتها السياسية.
لذلك ينتاب الحالة في القطاع إحساس أن ما هو مؤقت لا يمكن أن يأخذ الطابع الرسمي، لا يمكن أن تنفي عنه الطابع الميليشياوي الذي نعرفه جيدا في تجارب الشعوب الأخرى. وكثير مما نلاحظ في القطاع يعود في أصوله إلى الطابع الميليشياوي للسلطة القائمة. وهو طابع غير شرعي، لا يستند إلى قانون فيحاول أن يسد الثغرة القانونية في وجوده باللجوء إلى العنف والقوة في مناسبات لا تحتاج إلى هذا النوع من العلاج. هذا الأمر صادفناه في العديد من المناسبات، حتى أن رئيس حكومة حماس انتقد مثل هذه السلوكيات في بعض المرات وشكل ـ كما أعلن ـ لجان تحقيق في ملابسات هذه السلوكيات، وتحديد المسؤولية عن وقوعها.
وبالتالي لا يمكن النظر إلى بعض الإجراءات والقرارات إلا في إطار محاولة حماس أن تفرض هيبتها السلطوية على القطاع، بعد أن تلمست أن هذه الهيبة بدأت تتعرض لتحديات. إن في رد الفعل على قرارات الضرائب، أو في خروج بعض الجماعات عن سلطة حماس، والتصرف إزاء المجتمع وكأنها هي السلطة الفعلية، في إدانة غير مباشرة لسلطة حماس.
أي بتعبير آخر، تأتي إجراءات حماس وقراراتها كرسائل في اتجاهين:
• الاتجاه الأول: إلى القوى السياسية والحالة المجتمعية في القطاع، تحذرها من مغبة انتقاد الأداء السلطوي للحركة، خاصة وأن هذا الأداء يمس علاقة الحركة بالحالة الشعبية.
• الاتجاه الثاني: إلى القوى السياسية ذات الخلفية الفكرية القريبة من حماس (على يمينها أو على يسارها) تؤكد لها أنها حريصة على منهجها الفكري، ومؤتمنة عليه، وأن التباينات في الرؤى لا تعنى خروجا من الحركة عن هذا المنهج. لذلك تسارع حماس إلى لجم هذه القوى كلما حاولت أن تمارس سلوكا سلطويا (حادثة عبد اللطيف موسى في رفح) وتسارع في الوقت نفسه إلى تجريع المجتمع جرعة من القرارات ذات الخلفية الفكرية في رد التحدي الذي تشكله باقي القوى المماثلة لحماس الواقفة خارج هيمنتها وسيطرتها.
مثل هذا الواقع هو نتاج للانقسام وللحصار، ومعالجته لا يمكن أن تتم بمعزل عن إنهاء الانقسام، وإعادة الأمور إلى طبيعتها، طبقا للقانون، وإنهاء الحصار، وفتح الأبواب ليتمتع القطاع بالهواء النظيف، سياسيا، وفكريا، واجتماعيا، ويعالج جراحه، بما في ذلك إعادة إعمار ما تهدم من منازل ودور ومؤسسات... وقيم ومفاهيم.