مَن الذي يجب أن يدفع تعويضات خسائر حرب العراقية الإيرانية؟

جاسم الحلوائي
2010 / 5 / 18

نقلت وكالة مهر الإيرانية مؤخراً تصريحاً لعضو لجنة السياسة الخارجية بمجلس الشورى الإسلامي الإيراني عوض حيدر بور، دعا فيها وزارة خارجية بلاده بمتابعة الحصول على تعويضات جراء حربها مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، التي قال أنها تبلغ ألف مليار دولار. كما طالب هذا المسؤول الإيراني تفعيل هذا الملف مع الأمم المتحدة باعتباره حقاً مشروعا للشعب الإيراني. وتتزامن هذه المطالبة مع قيام الحرس الثوري الإيراني بأسر ضابط عراقي في الشريط الحدودي في منطقة دربندي خان، وبطلعات جوية على منطقة لولان في إقليم كردستان. إن التحرك الإيراني ينطوي على رسالة واضحة وهي: إذا لم تجر أمور تشكيل الحكومة بما ينسجم مع رغبتنا، فلدينا أوراق كثيرة يمكن أن نلعبها.
لم يصدر أي رد فعل من الحكومة العراقية على تصريحات عوض حيدر بور الخطيرة ، في حين تصدى لها بعض السياسيين بتصريحات أما مقتضبة أو غير دقيقة. وكان تصريح الخبير القانوني طارق حرب في 13 أيار 2010 خطيراً جداً، ففي الوقت الذي ينفي حق إيران بالتعويضات من الناحية القانونية، فإنه لا ينفي حق إيران الواقعي بها، فهو يقول:"حتى الآن لم يصدر قرار من مجلس الأمن بتحديد مقدار التعويضات التي على العراق دفعها إلى إيران أو حتى آلية استقطاع هذه التعويضات، لأن قرار المجلس رقم (589) الذي انهي الحرب العراقية الإيرانية قد اعترف ببدء العراق بالحرب لكنه لم يحدد آية تعويضات على العراق دفعها. قد يكون هناك أساس واقعي للتعويضات، ولكن من الناحية القانونية لا يمكن تطبيق ذلك إلا بقرار من مجلس الأمن". ويضيف حرب دون إدراك مدى مسؤولية وخطورة ما يقوله " إن المبلغ المطلوب من الجانب الإيراني قد يكون محلا للنقصان أو أن يكون اقرب إلى الواقع". (نص تصريحات السيد طارق حرب مرفق بالمقال).
أعتقد أن المسؤولين الإيرانيين لم يتوقعوا أفضل من هذا التصريح من خبير قانوني عراقي بارز يدافع، شاء أم أبى، عن "حقوق"هم. فهم يعرفون بأنهم يجب أن يذهبوا إلى مجلس الأمن ولا يحتاجون إلى من يدلهم على ذلك. وقد صرحوا بأنهم لم يذهبوا حرصاً على عدم الدخول في خصومة مع العراق، لذلك فهم يقبلون بمنحهم عدداً من آبار النفط!.
لا شك بأن نظام صدام حسين الدكتاتوري يتحمل مسؤولية شن الحرب على الجارة إيران، ولكنه لا يتحمل مسؤولية استمرارها ثماني سنوات. لقد مرت الحرب بمرحلتين رئيسيتين مختلفتين جوهريا، ومسؤوليات النظامين العراقي والإيراني تختلفان تبعاً لكل مرحلةً.
بعد هزيمة الجيش العراقي في خرمشهر (المحمرة) في حزيران 1982، سحب صدام حسين آخر جندي عراقي من الأراضي الإيرانية، وطلب إيقاف القتال وإجراء مفاوضات لعقد صلح بين الطرفين المتحاربين. ثم لجأ النظام العراقي إلى مجلس الأمن مطالباً بإيقاف القتال. وصدر قرار من المجلس في تموز 1982 يقضي بذلك. إلا أن إيران رفضته وطلبت، ضمن ما طالبت به، إدانة النظام العراقي ومحاكمته لعدوانه على إيران. وكان هذا طلباً تعجيزياً وستاراً تخفي وراءه إيران أهدافها التوسعية و حلمها في إقامة نظام إسلامي في العراق تابع لإيران، تحت شعار "الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء"، وهو شعار مشابه من حيث ديماغوغيته لشعار الدكتاتور صدام "الطريق إلى فلسطين يمر عبر عبادان". رفضت إيران قرار مجلس الأمن وواصلت الحرب وقامت بتعرض عسكري خطير استهدف اقتطاع البصرة.
لم يهدف شعار "الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء" وغيرها من الشعارات المشابهة التي نادت بها الحكومة الإيرانية إلى رفع المعنويات. ولم يكن هدف تعرضات القوات المسلحة الإيرانية، التي بلغت أكثر من 25 تعرضا كبيرا، تعزيز المواقع الحدودية كما كانت تتظاهر به الحكومة الإيرانية وبعد تحرير الأرض الإيرانية. فهذه التعرضات استهدفت بغالبيتها احتلال البصرة من اجل إقامة حكومة إسلامية عراقية. إن مذكرات رفسنجاني شاهد على ذلك، حيث يذكر بأن بعض المتسرعين طالب بإقامة مثل هذه الحكومة في محافظة ميسان عند احتلال جزر مجنون وذلك في تشرين الثاني عام 1982. (هاشمي رفسنجاني. مذّكرات وخواطر، كتاب "بعد الأزمة"، ص 302، 2001). ومن اللافت للنظر هنا اعتراض رفسنجاني على الزمان والمكان فقط، وهو الذي كان آنذاك بمثابة القائد العام للقوات المسلحة.
لقد رفضت إيران إيقاف الحرب في بادئ الأمر، إلا أنها عادت وأذعنت للقرار بعد توالي انتصارات الجيش العراقي في شبه جزيرة الفاو والمعارك التالية لتحرير الأراضي المحيطة بميناء البصرة وحقل مجنون في الأهواز شرقي القرنة، والمناطق الواقعة شرقي علي الغربي وشيخ سعد، ومن ثم التقدم من جديد داخل الأراضي الإيرانية، وضرب إيران بصواريخ سكود. وكان رد العراق على الهجمات الإيرانية في الجبهة بصواريخ أرض ـ أرض مؤثرا جداً. فقد تعرضت الكثير من المدن الإيرانية القريبة من الحدود إلى قصف صاروخي مستمر كمسجد سليمان و بهبهان و دزفول و مهران و انديمشك و خرم آباد و باختران وايلام. وكانت خسائر الإيرانيين جسيمة بالأرواح والممتلكات. وأحرجت الحكومة نداءات السكان المطالبة بالحماية من الصواريخ السلطات الإيرانية. وضاعفت هجرة سكان تلك المدن إلى أماكن أخرى من مشاكل البلاد. كل هذه العوامل أرغمت الخميني على إصدار الآمر بوقف إطلاق النار و "تجرع السم" على حد قوله بعد ستة أعوام من قرار مجلس الأمن في تموز عام 1982 وبعد عام من صدور قرار مجلس الأمن رقم (589).
وفي النهاية لم تؤد طموحات حكام إيران التوسعية سوى إلى أن يتراجع الخميني عن عناده. ولم تحصل إيران في عام 1988 على أكثر مما كانت ستحصل عليه في عام 1982. إن إيران تتحمل المسؤولية في استمرار الحرب طيلة السنوات الست الأخيرة منها. فإذا كان صدام مسؤولا عن إشعال فتيل الحرب وإلحاق الخسائر بإيران خلال السنتين الأوليين من الحرب، فإن النظام الإيراني هو الآخر مسؤول عن الخسائر التي لحقت بالعراق خلال السنوات الست الأخيرة منها، عندما رفض خلالها حكام إيران قرار مجلس الأمن في تموز 1982، ورفضوا أيضاً جميع الوساطات والمقترحات لإيقاف الحرب.
لقد سقط النظام الدكتاتوري المسؤول عن شن الحرب. وليس من العدل والإنصاف تحميل الشعب العراقي وزر جرائم النظام المقبور. ولقد ذهب الخميني بعناده الذي لم ينفع معه غير السم، على حد تعبيره، ولم يتحمل الشعب الإيراني وزر عناده. ومن مصلحة الشعبين العراقي والإيراني عدم إثارة موضوع خسائر الحرب. أما إذا ما أثار حكام إيران الموضوع بشكل رسمي فليس من حق أي مسؤول عراقي التنازل عن خسائر العراق خلال السنوات الست الأخيرة من الحرب. وإذا كانت خسائر إيران خلال سنتين من الحرب 250 مليار دولار، فإن خسائر العراق خلال ست سنوات لا تقل عن 750 مليار دولار، يتحمل مسؤوليتها النظام الإيراني.
18 أيار 2010
http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=548