المخرجات السينمائيات الجزائريات -1

محمد عبيدو
2010 / 5 / 12

كان فيلم " نوبة نساء جبل شنوة " 1977 الوثائقي للروائية والمخرجة أسيا جبار , الذي يشكل انفرادا متميزا في العلاقة بين الروائي والسينمائي في الجزائر , كون أن أسيا جبار هي في الأساس كاتبة وجامعية خاضت هذه التجربة الوثائقية والتسجيلية انطلاقا من المعايشة الشخصية للكاتبة – المخرجة والرصيد الشعري الكامن لدى نساء الجزائر وبالخصوص في جبل شنوة { قرب ولاية تيبازة مسقط رأس المخرجة } وهنا نشأت علاقة حميمة بين نساء جبل شنوة ورؤية مخرجة تحمل في داخلها حسا نسائيا متقدما أرادت ان تكثفه في عمل قريب وواقعي . الوثائقية والتسجيلية وسيلة لسرد البعد الشاعري لهؤلاء النسوة في محيطهم الطبيعي .
و أنجزت اسيا جبار عام 1982"زردة أو أغاني النسيان".ويتمحور الفيلم حول موضوع المرأة . والمرأة هنا تكشف عن قدرتها على التعبير عن نفسها بجرأة وعلى اجتراح ولادة جديدة.
عندما تريد آسيا جبار أن تختصر تجربتها الإبداعية تقول: "أحاول ككاتبة أن أصلح الاقتلاع الذي كنت ضحيته في طفولتي. ومجيئي إلى السينما جاء من باب الذهاب إلى العربية المحكية. تجربتي السينمائية جعلتني أعي كوني كاتبة بالفرنسية من دون عقد نقص، ولِم العقد طالما أني أكتب عن بلدي"؟.
تبدو التجربة الثقافية لآسيا جبار تأسيسية على أكثر من مستوى. فهي استكملت طريق الكتابة النسوية وجعلت منها محفلاً ثقافياً قائماً بذاته. وتكفي اليوم قراءة كتابات جزائريات، سواء في الداخل أو في المهجر، من قبيل: صفية قطو، ومريم بين وأحلام مستغانمي وفاطمة غالير ومالكة المقدم وسواهن للوقوف على المسار المنفتح الذي اختطته كتابات آسيار جبار، وعلى ذلك الوعي اليقظ بقضايا التاريخ وقوة الهوامش النسوية واستمرار الأسئلة القلقة التي تطرحها على عوالم المجتمع والثقافة. كما أنها فتحت أمام النساء الجزائريات باب السينما وطرقته في وقت كانت لا تزال الكلمة، أو بالأحرى الصورة، تستعصي على التناول النسائي. واليوم يمكن السينمائيات الجزائريات، من أمثال يمينة شويخ ويمينة بنغيغي ورشيدة كريم ومليكة طنفيش وفجرية دليبة أن يفتخرن بكون رائدتهن في هذا المجال كانت امرأة مثقفة وكاتبة وأديبة من طراز آسيا جبار، يتماشى لديها التعبير بالصورة والتعبير بالكلمة عن الهواجس التاريخية والشخصية الدفينة للمرأة العربية المعاصرة.
المخرجة حفصة زينات قوديل في فيلمها الشيطان امرأة 1993 ناقشت قضية انضمام الشباب للجماعات المتطرفة وقضية الجهل وعلاقة المرأة به من خلال الأب الذي يذهب للمشعوذين لأنه يعتقد أن رفض زوجته ارتداء الحجاب سببه أنها شيطانة، وترتبط المخرجة رشيدة كريم بذاكرة استقلال بلدها خلال مقاومته للاستعمار الفرنسي وهو ما جسده فيلمها تحت أقدام النساء 1996 من خلال زوجين آية وجسدت دورها الممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي ومنصف اللذين شاركا جنبا إلى جنب في حرب الاستقلال منذ عام 1958 ويعيشان في فرنسا ثم يعودان للجزائر ليريا التغييرات التي لحقت بمجتمعهما عقب استقلاله،
و يشكل فيلم "أنشالله الأحد" (عام 2001) للمخرجة الجزائرية يمينة بن غيغي محاولة في السينما المغاربية لمعالجة موضوع المرأة من حيث أزمة الهوية والبحث عن الدور المستقل والقرار الحر. وبن غيغي ولدت في باريس من أب وأم جزائريين.. ويعتبر فيلمها التسجيلي (ذاكرة المهاجرين) من علامات سينما المهاجرين وقد أخرجت مسلسلا تليفزيونيا (النساء في الإسلام)..
بطلة الفيلم(زوينة) تهاجر من موطنها الجزائر بأطفالها الثلاثة تصحبها حماتها عائشة أم أحمد لتلحق بزوجها أحمد الذي يعمل في فرنسا منذ عشر سنوات في أعمال بسيطة لم تره طوال هذه السنين.. وفي باريس تجد نفسها تعيش في عمارة سكنية محاطة بجيران فرنسيين لا يتقبلونها ولا يتقبلون ضجيج أطفالها، محاصرة برقابة وهيمنة حماتها وهي امرأة متسلطة.. تتحكم فيها وتوجه لها اللوم دائما وتهددها بأن تزوج ابنها بامرأة غيرها ، لا يسمح لها بالخروج من المنزل إلا للتسوق من متجر قريب، في حين أن زوجها الصارم المحافظ لا يعود إلى المنزل إلا متعباً من العمل. غير أن الزوجة سرعان ما تبدأ بالتمرد وإقامة العلاقات مع جيرانها بعد مصادمات عديدة ومنها علاقة صداقة بريئة مع سائق حافلة فرنسي ومع جارة فرنسية شابة تشجعها على أخذ زمام المبادرة بيدها، والهروب من المنزل مع أطفالها للتنزه وإلخ. وتمنحها كتابا عن الحب والجنس كما تهديها بعض أدوات الماكياج لكي تتجمل كالمرأة الفرنسية.. أيضا زوجة الضابط الفرنسي.. وعاملة محل السوبر ماركت، وفي النهاية تفرض حقها في الحياة الطبيعية وسط المجتمع الجديد على زوجها.
وتجسد المخرجة حال المرأة الفقيرة التي لم تأخذ أي قسط من الثقافة في مجتمع أوربي كما تجسد حالة الغربة التي تعيشها بين عائلتها.. والغربة الداخلية.. والراديو هو الوسيلة الوحيدة لاتصالها بالعالم الخارجي.. ليفتح ذهنها إلي مشاكل الحب والجنس.. تتعاطف معها بعض الشخصيات الفرنسية..
وتركز المخرجة علي الحالة النفسية للشخصيات الجزائرية الثلاثة في الأسرة الواحدة الحماة الجزائرية التي تركت وطنها وخلعت من جذورها في هذه السن المتأخرة حيث العادات والتقاليد المتأصلة فيها والتي لا يمكن أن تتخلي عنها هي تفرغ كل همومها وطاقتها في التوبيخ المستمر للزوجة.. والزوج وهو شخصية مهزومة غير الواثق من نفسه يعاني من الفقر والحاجة.. وزوجة تحس بالغربة في بيتها وخارج بيتها وصمودها ونضالها في صمت تحاول أن تعتاد علي حياة المنفي اليومية.. وأن تصادق أناسا آخرين.. وأن يكون لها دور وتنجح في ذلك..
وتجسد المخرجة حياة المهاجرين الجزائريين الذين ينشأون نشأة جزائرية ويدينون بعادات
أحرز فيلم (( رشيدة )) للمخرجة الجزائرية (( يمينة شويخ )) ست عشرة جائزة عبر مهرجانات السينما العالمية ، وتم انتقاؤه رسمياً لمهرجان (( كان )) فضلاً عن إمكانية ترشيحه لنيل جائزة الأوسكار عن سنة 2002 .
لم تكن / يمينة شويخ / بشك وهي تترك منضدتها جانباً كخبيرة بمونتاج الأفلام ، في أن المغامرة ستفضي إلى مثل هذا النجاح ، ولكن الأمور لم تجرِ على ما يرام ، عندما أنجزت سيناريو فيلمها ، فأخذت تدق كل الأبواب بحثاً عن التمويلات اللازمة لإخراج فيلمها الأول .
وإزاء رفض الهيئات الجزائرية ، لم تجد بداً من الالتفات إلى مصادر التمويل الأوربية ، عقب إنشائها مؤسساتها الإنتاجية ، وكانت النتيجة باهرةً .. إذ ما إن تم إخراج الفيلم حتى راح يحصد ويجني جائزة تلو الأخرى . اتخذت يمينة شويخ من عنف الإرهاب في بلادها موضوعاً ، يتناوله فيلم / رشيدة / حيث تقدم شهادة متميزة على طريقتها الخاصة عن المأساة التي عرفتها الجزائر لأكثر من عشرية من الزمن .
يستمد الفيلم قوته من تناوله صراع المرأة الجزائرية ومقاومتها الإرهاب خلال العشرية السوداء التي شهدت انتشار العنف والعمليات الإرهابية بشكل مخيف في الجزائر .. يتطرق الفيلم إلى ما يجري لمدرسة شابة تُدعى / رشيدة / تمثيل ( ابتسام جوادي ) ورفضها الرضوخ لمطالب جماعة إرهابية ، أرادتها مجندة في صفوفها بوضع قنبلة في مدرستها وهو ما كاد يكلفها حياتها ، حيث نجت بأعجوبة من محاولة اغتيال بشعة من الجماعة الإرهابية وبعد نجاتها وخروجها من المشفى ، تقرر مغادرة الجزائر العاصمة للاستقرار بمدينة داخلية بعيدة ، وهناك تتسلل كاميرا المخرجة إلى أعماق المجتمع الجزائري وظروف عيش السكان في تلك الفترة العصيبة .. لتختتم الدراما بمجزرة دموية أخرى تحصد رجالاً ونساءً وأطفالاً غداة عرس في تلك البلدة النائية . وفي الصباح تخرج / رشيدة / ومحفظتها بيدها لاستقبال من نجا من تلاميذها ، أما درس الحصة فيحمل عنوان (( النهاية )) . وعن الذي دفعها إلى إخراج فيلمها تقول يمينة شويخ :
(( إن ما دفعني إلى ذلك هو مشاعر الألم والغضب التي عشتها طوال تلك السنوات ، لقد أردت أن أعطي وجوهاً واضحة لألئك الآلاف من المجهولين ، الذين ماتوا خلال تلك العشرية الأليمة ، وقد كرهت أن أستمع إلى الناس وهم يتحدثون عنا كما لو كنّا كماً مهملاً من الأرقام المستخلصة من إحصائيات ... وكل واحد منهم يروي مأساة الجزائر حسب هواه ... وكنت أشعر بالحاجة إلى الحديث عن وطني الجزائر ، وأن أذكر على الخصوص تلك الحياة اليومية الشاقة التي يحياها أولئك الجزائريون والجزائريات الذين تحدوا الوحشية والظلامية .
ولا ترغب يمينة أن تعتبر فيلمها يتحدث عن النساء بل (( أنا أحكي عن مجتمع بكل شرائحه .. الفتى العاشق الذي يريد أن يبوح بعشقه والرجال أيضاً .. لم أتطرق ، ولكنها في المقدمة لأن المجتمع لدينا يدور حول المرأة .. حاولت أن أضيء في فيلمي / رشيدة / جزءاً من واقع الجزائر .. المواطنة الجزائرية التي شملتها زوبعة العنف ، ولا تنشد سوى العيش كأي امرأة عادية وهذا الذي يجعل منها امرأة خارقة للعادة ، وهي تحاول البقاء وصون حياتها وسط دوامة العنف .
يحكي فيلمي عن المجتمع والعلاقات بين الأشخاص والعنف ، وأثره بنقص الاتصال بين الناس في المجتمع الذي يلحق بعنفه الخاص ويغلبه على الحب .. وطبعاً الأطفال كيف تربوا حتى يصبحوا عنيفين؟ .. الفيلم يحكي عن الإرهاب وعن الإشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت بالبلاد إلى ما وصلت إليه من خلال حكاية بسيطة ))
وفي الفيلم الجزائري الروائي القصير (الباب) للمخرجة ياسمين شويخ‏ ، تبحث المخرجة عن خلاص وحرية لكل نساء الجزائر الذين يتعرضون لكثير من أشكال العنف نتيجة للحالة والمفاهيم السائدة في المجتمع الجزائري حاليا‏..‏ وتقدم ياسمين من خلال الفيلم شخصية الفتاة سامية التي تتفرغ لأعمال البيت اليومية ولكن يأتيها ضوء من بعيد يسحرها ويجعلها ترفض هذه الحياة‏،‏ وهذا الاستسلام‏،‏ ولكنها كلما اتجهت نحو هذا الضوء يوقفها فرد من أفراد العائلة ويطلب منها العناية والاهتمام به
- يتبع
فصل من كتاب المخرجات السينمائيات العربيات - قيد النشر