أكبر من علبة سجائر

معتصم حمادة
2010 / 5 / 9

رد فعل حماس على مواقف الجبهتين الديمقراطية والشعبية، فرض ضرائب جديدة على المواطنين في قطاع غزة، كان صاخبا.
• بعض الردود برر القرار بحاجة خزينة حكومة هنية إلى إيرادات جديدة، في خطوة تجاهلت واقع الحال في القطاع في ظل الحصار المديد المفروض عليه، وما خلفه من آثار اقتصادية واجتماعية مؤلمة.
• بعضها الأخر لجأ إلى «الشرع» ليبرر الضرائب الجديدة، في سطو جديد على الدين واستغلاله في قضايا سياسية - اقتصادية، وفي محاولة لاحتكار الدين، ونزع شرعيته عن الآخرين، وتقديم الذات ناطقا وحيدا باسم الدين والشريعة.
• بعضها الثالث قارن بين الضرائب في القطاع وتلك المفروضة في الضفة، متجاهلا الفارق الكبير بين الواقع الاقتصادي للقطاع (والمعروف جيدا للقاصي والداني) وبين الواقع الاقتصادي في الضفة. فسقطت المقارنة في الامتحان لأنها لم تستند إلى معايير موحدة.
• بعضها الرابع نزع عن الجبهتين حقهما في الحديث باسم الشعب، محتكرا هذا الحق، حصريا، لصالح حماس، مستندا إلى نتائج الانتخابات التشريعية 25/ 1/ 2006، في عودة جديدة إلى مسخ التاريخ، بحيث يبدأ تاريخ النضال الفلسطيني مع ولادة حركة حماس، (وكل ما قبل ذلك جاهلية سياسية) وينتهي مع فوزها في الانتخابات التشريعية (وكل ما بعد ذلك خارج التاريخ). وتصبح الحكومة (ومعها الحركة) الخصم والحكم والراعي، في الوقت نفسه، ويتحول المجتمع إلى رعية ما عليها سوى أن تنصاع إلى راعيها الذي اختارته في صندوق الاقتراع مرة، واقفل الصندوق بعدها إلى الأبد، وصارت العودة إليه، في مرة قادمة، لونا من ألوان الكفر السياسي.
• وأخيرا وليس أخرا، حاول البعض الخامس أن يقزم القضية ويحولها إلى قضية «علبة سجائر» ليس إلا، متجاهلا باقي الضرائب، في سلخ تعسفي للقرار عن سياقه السياسي والاجتماعي. وفي خطوة هروب إلى الخلف تارة، وإلى الأمام تارة أخرى، وهي حركة إن دلت على شيء، فتدل على تخبط في إدارة القطاع، وتخبط في استصدار القرارات ورعاية شؤون البشر.
* * * * * *
ليست هي المرة الأولى التي تقف فيها حكومة هنية (ومعها حركة حماس) في قفص الاتهام بسبب فشلها في إدارة الشأن الاقتصادي.
فحكومة هنية الأولى فشلت فشلا ذريعا في إدارة هذا الشأن وحملت الحصار الإسرائيلي والأميركي المسؤولية كاملة عن هذا الفشل.
ومع التأكيد أن الحصار هذا لعب الدور الأكبر في إرباك حكومة هنية وشل قدرتها على تنفيذ خطتها الاقتصادية، إلا أن هذا لا يعفي الحكومة (آنذاك) من مسؤولياتها، خاصة وأنها اكتفت بالمواقف اللفظية في إدانة الحصار، دون أن تبحث عن مخرج للأزمة التي عانتها مناطق السلطة, وارتكبت في هذا السياق أخطاء زادت من حجم مسؤولياتها؛ حين أثقلت مالية السلطة بتوظيف أكثر من 18 ألفا من محازبيها، في الإدارات والوزارات والمؤسسات الأمنية، وبررت ذلك بأنها لم تأخذ في السابق فرصتها في التوظيف في مؤسسات السلطة، في منطق عكس عقلية المحاصصة بشكل واضح. كما من الأخطاء التي ارتكبتها أنها لجأت إلى جمع التبرعات في الخارج باسم الشعب الفلسطيني، وتحت شعار «فك الحصار عنه»، لكنها حولت الأموال المجباة إلى صندوق حماس وليس إلى صندوق السلطة وخزينتها، وما زالت هذه القضية عالقة أمام القضاء.
كذلك رفضت حكومة هنية (ومعها رئاسة المجلس التشريعي ـ من حماس) الاقتراحات بتخفيض رواتب كبار الموظفين، وكبار المسؤولين من نواب ووزراء وغيرهم، خاصة وأنها رواتب خيالية إذا ما قورنت برواتب نظرائهم في الدول العربية الشقيقة علما أنها دول مستقلة وذات اقتصاد وطني بينما السلطة تعتاش على المساعدات والمنح والقروض والضرائب. وقد بررت قيادة حماس رفضها تخفيض الرواتب العليا بذريعة تأمين مستوى معيشي يتناسب وأصحاب هذه المناصب؛ في خطوة معاكسة تماما لكل الوعود بضرورة ترشيد موازنات السلطة ومصروفاتها؛ كما أطلقها قادة حماس غداة الانتخابات وعشية تشكيل حكومة هنية الأولى.
* * * * * *
بعد لجوء حماس إلى الحسم العسكري دخل القطاع مرحلة جديدة ، استقرت في الفترة الأخيرة على مظاهر اجتماعية شديدة الخطورة، فهناك حوالي مئة ألف فلسطيني مشردون بلا مأوى بفعل العدوان الإسرائيلي. والبطالة إلى ارتفاع، وقاعدة الفقراء إلى اتساع، وازدهرت تجارة الأنفاق، في ظل الحصار المفروض على القطاع، ومع هذه التجارة ازدهرت قيم وتقاليد ومفاهيم مماثلة، أدت فيما أدت إليه، إلى المزيد من الأفقار لعموم الناس من جهة، وإلى المزيد من الغنى والثراء لفئة قليلة ذات نفوذ سياسي ومالي واقتصادي... وأمني؛ في الوقت نفسه. أما «الحكومة» فانشغلت بالسجالات الإعلامية، واكتفت اجتماعاتها الدورية بإصدار البيانات السياسية من استنكار وشجب وغيره، مكتفية بقرارات تتعلق بمظاهر الحياة ( على خلفية مذهبية) دون الدخول في معالجة القضايا المعيشية للبشر، ودون تحمل أية مسؤوليات إزاء الأوضاع المتردية التي يعيشها المواطن. وبذلك أصبح القطاع فئتين: الأولى تعيش حالة مزدهرة، ومنتعشة اقتصاديا، هي الفئة المنخرطة في أجهزة سلطة حماس وإدارتها، أو المقربة منها. والثانية تعيش معاناة بلا حدود، هي الفئة التي عاشت على هامش اهتمامات «الحكومة» وأجهزتها.
ويلاحظ التردي الخطير في أوضاع البنية التحتية للقطاع، وغياب مشاريع التنمية والترميم وصون ما هو قائم. بل يمكن القول إن الأوضاع العامة، اقتصاديا، وتنمويا، تسير في القطاع خطوات خطيرة إلى الخلف ترصدها تقارير وكالة الغوث (الاونروا) والمؤسسات الدولية ذات الصلة.
في ظل هذا الأوضاع جاءت قرارات حكومة هنية بفرض ضرائب جديدة طالت جوانب عديدة من حياة البشر، ولم تقتصر على علبة السجائر. وإذا كانت الشريعة تتيح للحكومة فرض هذه الضرائب، فإن تاريخ الإسلام، وخاصة الخلفاء الراشدين حافل بأمثلة فاقعة. توضح كيف تعاملت الشريعة مع أوضاع اقتصادية شبيهة بأوضاع القطاع. فالشريعة في الأساس، في خدمة الإنسانية، وليست في خدمة الحاكم والحاكمية.
وإن أية محاولة لتطويع الشريعة في خدمة الحاكم والحاكمية، هي تسخير للشريعة في غير محلها، وتفسيرها في غير مسارها الإنساني. وإذا كانت المسألة تتعلق بضعف واردات الحكومة، فليس الحل في اثقال كاهل المواطن العاطل عن العمل، أو صاحب الإيرادات الشحيح بل يكون الحل في ترشيد المصروفات وإعادة النظر في مظاهر البذخ منها، وهي كثيرة. إلى ذلك تكون الضرائب أولا على عاتق أصحاب الدخل العالي، والمنطق الإنساني التنموي يفترض إعفاء أصحاب الدخل الشحيحة من الضرائب، بل مد يد العون إليهم. وإذا كانت المسألة مقارنة بين أداء الحكومة في رام الله وما تفرضه من ضرائب وبين ضرائب حكومة هنية، فإنها مقارنة ليست في خدمة ما تروجه حكومة هنية عن نفسها. إذ ما الذي يميز «حكومة» هنية عن حكومة فياض إذا كانت تريد أن تتبع خطاها في السياسات الاقتصادية والضريبية، خاصة وأن حماس لا تكف عن توصيف فياض بأنه ممثل اللجنة الرباعية ومندوب صندوق النقد الدولي ويتبع تعليمات دايتون.
أما مسألة «من يحق له التحدث باسم الشعب» فهذه لا علاقة لها بالانتخابات ونتائجها. خاصة وأن نواب حماس خرجوا عن البرنامج الذي على أساسه تم انتخابهم وأخلوا به وأخلوا بالعقد الذي بينهم وبين الناخب. وهم بذلك وإن بقوا أعضاء في «التشريعي» إلا أنهم فقدوا تمثيلهم العملي والفعلي للمواطن. والدليل على ذلك أن الناس اعترضت على الضرائب واعتبرتها ظالمة ومحجفة، وتلحق الضرر بمصالحهم.
أما نواب حماس فقد أيدوا هذه الضرائب في موقف مناقض تماما لموقف الناس. وان يكون للجبهة الديمقراطية أو لغيرها عدد محدود في التشريعي، فهذه المسألة لا علاقة لها بقضية من يتبنى قضايا البشر، وتبني قضايا البشر، مسألة لا علاقة لها بمسألة الأغلبية والأكثرية. والحق في المعارضة مسألة هي الأخرى لا علاقة لها بمسألة الأغلبية والأكثرية. فضلا عن ذلك فإن تجارب الشعوب تقول إن الأكثرية لا تبقى على الدوام، وكذلك الأقلية.
والقضية في نهاية الأمر، ليست قضية علبة سجائر، بل هي قضية مصداقية سياسية في تبني هموم الناس ومشاكلهم والدفاع عنها. والحكم، في نهاية المطاف هم هؤلاء الناس. وعندما يتاح لهؤلاء أن يقولوا رأيهم بصراحة، وعندما يتاح لهذا الرأي أن يتحول إلى قوة تقريرية، في نظام انتخابي يعكس حقيقة الانحيازات... عندها تبدأ العدالة الاجتماعية تشق طريقها .