المخرج التونسي ناصر خمير

محمد عبيدو
2010 / 5 / 3

تربى ناصر خمير منذ طفولته، الذي ولد بتونس عام 1948، على الحكاية وثقافتها الخارجة من ألف ليلة وليلة. ليهيم بعدها بالتصوف الذي كان مادة لأفلامه التي أثارت انتباه النقاد إليه. تعلم كيف يسرد الحكاية وكيف يطورها من خياله الخاص بطريقة ساحرة جعلت "أنطوان فيتز" يدعوه عام 1982 ليروي قصص "ألف ليلة وليلة" على خشبة مسرح شايلو الوطني، حيث كان يحكي أمام النظارة المشدودين إليه طوال ساعة ونصف من ذاكرته وخياله.

اخرج أول فيلم للسينما في تونس عام 1975 "حكاية بلاد ملك ربي" عن هجرة الشباب العربي او ما يسموا " الحراقة " الذين لا يجدون لهم مستقبل . ثم اخرج بعده بعام فيلم "الغولة" عن مجمعة خرافات في قريته ، وهما تسجيليان. وفي السنوات الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي، أخرج ناصر خمير فيلمه الأول هو "الهائمون" الذي ظهر عام 1984 وهو لوحة تشكيلية فائقة الجمال والتناسق والحرفية في الرغبة بالطلوع خارج قيد المكان , بحثا عن ماض مفقود . "الهائمون" الذي يحكي عن قرية صغيرة معزولة في الصحراء غادرها رجالها فلم يعودوا وضاعت اثارهم ، بل تحولوا إلى أشباح هائمة في الصحراء تمر مرة في العام في القرية لتأخذ معها من بقي في القرية. وفيلم "الهائمون" مبني كله على الخيال ومصنوع كأسطورة يراد من ورائها طرح تأملات فلسفية حول الإنسان والحياة والقدر. ضمن سلسلة أفلام توالت في الانجاز، حصل الفيلم على تقدير عالمي وجوائز كثيرة (جائزة أفضل مخرج في قرطاج عام 1984، الجائزة الذهبية في مهرجان فالنسيا بأسبانيا عام 1985).. ومازال يعرض في المحافل السينمائية العالمية.. وسيمضي الناصر خمير خطوات أبعد باتجاه الفانتازيا في فيلمه الثاني "طوق الحمامة المفقود" عام 1990الذي يتضمن شخصيات خيالية تجسد تراث وأساطير الماضي.

وقام ناصر خمير باستكشاف جديد لثراء تقاليد الرواية الشفهية في "طوق الحمامة المفقود" . ، هو ملحمة بصرية وسمعية مدهشة تتكامل فيها عناصر التكوين في الصورة مع براعة النص المحكم إضافة إلى حالة من السرد الناعم للمشهد الأندلسي بكل ثرائه و روعته . ويلجأ المخرج في هذا الفيلم إلى تصوير مشاهد حديثة أسطورية، تستند إلى التصميم الفني والجماليات البصرية والتشكيلات الغرائبية المبهرة.. ولكن بدون اللجوء إلى الخدع والمؤثرات البصرية التي تحتاج إلى تقنيات معقدة.

الفيلم يطرح نموذجاً للمعادلة الصعبة التي يقول الكثيرون من المبدعين بأنها مستحيلة ، فهو يطرح قضية في غاية الجرأة ، وهي (( ماهية الحب )) منطلقاً من سطور في كتاب (( طوق الحمامة )) الفقيه الأندلسي الشهير " ابن حزم " ، وهو - أي الفيلم - يضعك وسط أزقة الأندلس ، ويدخل بك مساجدها دون أن ينفق جهداً كبيراً في تحديد العصر أو المدينة التي تجري بها الأحداث .

في الحقيقة أن المخرج تألق في استخدام أدواته الفنية ، ومعارفه المتنوعة من العمارة و الفلسفة و الفن التشكيلي ليرسم لك الصور مشهداً مشهداً ، ويضع المعاني متوالية تنفذ إلى العقل والقلب ، وهو يناقش مسألة الحب من منظور هذا العصر المجيد حين كانت المساجد هي مجالس العلم الذي يشمل كل معارف الدين و الدنيا …

فتجد نفسك داخل درس للشيخ الذي يشرح الأسماء المختلفة للحب ، ومعانيها ولا يكتفي الفيلم بذلك ، بل يتضمن نقداً سياسياً لاذعاً للاستبداد و الفوضى في الصراع بين الطغاة و المستضعفين الذي يتكرر عبر مراحل التاريخ المختلفة . ورغم أن الخيال يتداخل مع الواقع طوال حكايات الأحداث ، والشعر ينساب جنباً لجنب مع رواية الأحاديث الشريفة ، وتشكيلات الخط العربي تخطف بصرك و الموسيقى المصاحبة تشد أذنيك ، ورغم الاحتشاد المتلاحق للكلمات والمعاني ، والمفردات والأدوات الفنية فإنك لا يمكن أن تشعر بالتشويش أو التناقض أو التداخل ، بل ستشعر بتضافر كل هذه المفردات لتعيش الحالة الساحرة التي يصنعها هذا العمل المدهش . آخرها فيلمه الحالي «بابا عزيز، الأمير السابح في روحه». ، وتشي عناوين الأفلام ومضامينها، بانشغال عميق وهجس مستمر لدى خمير بإبراز أبعاد وأدوار حضارية سابقة لإنسان المنطقة العربية وتبيان حصة أو دور حضارة الإسلام والمسلمين كنصوص وتجليات عملية في بعض الحِقب، في رسم صورة مشرقة، والمشاركة في تقديم انجازات حضارية انسانية تخالف جوانب من الصورة الحالية الموصومة بعلل كثيرة.

وفيلمه الأخير هذا يتناول من خلال مجموعة متداخلة من القصص والحكايات بأسلوب ألف ليلة وليلة،قصة تنشا من داخل قصة اخرى حتى يتشكل النص السردي . فكرة الماضي وعلاقته بالحاضر، كما يناقش مغزى الوجود من خلال الدين بالمعنى الفلسفي الروحي حتى التصوف، والمعاصرة بمعنى عدم إنكار الحياة.