السينما الهندية الجديدة

محمد عبيدو
2010 / 4 / 28

رغم سيطرة السينما الهندية التجاريّة السائدة على شركات الانتاج والنجوم وراس المال السينمائي ، أيضًا هناك السّينما الهنديّة الّتي تطمح إلى الجدّيّة أو الفنّ . وهي ما يطلق عليها النّقّاد : السينما الهنديّة الجديدة أو أحيانًا "سينما المؤلف" الهندية ، او ما عرف أيضاً بـ"السينما الموازية"، لسينمائيين كبار يتقدمهم الأعظم بينهم ساتياجيت راي، فرغم ان الاستوديوات الكبرى أقفلت أبوابها أمام هؤلاء، إلا أنهم تمكنوا من شقّ درب ثالثة مستقلّة بين السينما التقليدية الجماهيرية والسينما المغايرة التي تساوم وتعمل ضمن نظام الاستوديوات نفسه وفي هامش تعبيري ضيّق الحرية والتصرّف. تتعامل افلام مخرجي السينما الجديدة مع تشكيلة عريضة من الموضوعات وفيها الكثير الاستكشافات العامّة لظروف و علاقات إنسانيّة معقّدة خلال الواقع الهنديّ .
من السّتينيّات الى الثّمانينيّات، دُعِمَتْ الأفلام الهادفة من قبل الحكومات الهنديّة : يمكن أن يحصل المخرجون الطّامحون على منح الحكومة الخاصّة بالولاية أو الفدراليّة لإنتاج أفلام ليست تجاريّة حول موضوعات هنديّة . درس عديد من هؤلاء المخرجين في معاهد الدولة للسينما والتلفزيون . وعرضت أفلامهم في المهرجانات السّينمائيّة الحكوميّة و على محطّة التليفزيون الحكوميّة. وعرضت ايضا في صالات السينما في الهند و خارج البلاد .
التأثيرات الاجنبية كانت حاضرة في اعمال مخرجي السينما الجديدة بتلك الفترة , مثل الواقعية الجديدة الايطالية و الموجة الجديدة الفرنسية .
ويذكر من هؤلاء سينمائيان يتمتعان بموهبة كبيرة، بيمال روي ذو الأصل البنغالي الذي قدم الى بومباي لانجاز فيلمه "هكتاران من الارض" [1953] وهو من النوع الواقعي وحاز في مهرجان كانّ جائزة والمخرج غورو دوتّ الذي نجح في تخطّي شروط السينما الهندية عبر أفلام قوية مثل "الظامئ" [1957] و"أزهار من ورق" [1959]. وفي الواقع، من البنغال أطلّ مستقبل السينما الهندية، فعام 1955 يبقى تاريخاً مفصلياً في تاريخ هذه السينما إذ وضع المخرج الشاب، آنذاك، ساتياجيت راي بلاده على خريطة السينما العالمية مع فيلمه الأول “باتر بانشالي” ( أي “أغنية الطريق” ) وحقق من خلاله شهرةعالمية إذ فاز بجائزة مهرجان كان السينمائي. ولد راي في كالكوتا / ولاية البنغال عام 1921 , وقد ثم تبع فيلمه الاول بفيلمين آخرين عرفا معه بالثلاثية أو “ثلاثية آبو” وقد وصل عدد الأفلام التي أخرجها حتى وفاته عام 1992 إلى ستة وثلاثين فيلماً.
اختار ساتياجيت لنفسه، منذ البداية ان يكون هامشياً، في مواضيعه (الانسانية والاجتماعية غالباً) وفي اسلوبه الفني (المتقشف والذي يترك مكاناً لبراعة الممثلين ولاستخدام الموسيقى)، وفي انتاجه (غالباً ينفق أمواله على أفلامه، او يلجأ الى اساليب تمويلية خارج السياق السائد).
إن (راي) هو كلاسيكي وريث المفهوم الهندي التقليدي للفن ، إذ يكون فيه الجمال غير منفصل عن القيم الأخرى كالحقيقة والخير وعلى البرغم من أن راي كان فهمه عميقاً للثقافة الغربية الواسعة غير أن هنديته هي التي تعطيه قيمته. إن ربع قرن من عمله الإخراجي يعد تاريخاً للتغيير الاجتماعي في الهند على مدى أكثر من قرن. ففي فيلم “لاعبو الشطرنج” يجسد الانهيار الأخير لمجد المغول وفي فيلم “حجرة الموسيقى” إشارة إلى انهيار النظام الاقطاعي ويجسد في “ثلاثية آبو “ حركة البراهمة المتعبة بين الهند التقليدية والهند الحديثة ويشير إلى يقظة النخبة الهندية للأفكار المتطورة في فيلمي “ الإلهة “ و “شارولاتا” وبداية تحرر المرأة في فيلم “ المدينة الكبيرة” ومعاناة العاطلين عن العمل بعد عقود من الاستقلال في فيلم “الخصم“ والموت الحتمي للضمير في مجتمع فاسد في فيلم الوسيط. أن أعمال (راي) تقتفي ما هو جوهري في التطور الاجتماعي للطبقة الوسطى في الهند الحديثة.
وتبرز في السينما الهندية الجديدة اسماء : مرينال سين , شيام بينغال , ريتويك غاتيك ,غيريش كازارافالي، غوفيند نيهالاني، سعيد ميرزا، رابيندرا دهارماجي، غوتام غوز , ميرا نائير وآخرون.
مرينال سين من اهم مبدعي السينما البارعين والمعروفين في عالم السّينما البنغاليّة . وخلال عمله الممتد لخمسة عقود، اخرج 27 فيلمًا طويلا، 14 فيلم قصير و 4 أفلام وثائقيّة متنوعة من ناحية جمال التّصوير السّينمائيّ و المحتوًى لكنّ دائمًا عرض فكر تحليليّ عميق و أيديولوجيّة إنسانيّة بالتزام عميق نحو " زمني , فانا ببساطة لا استطيع ان اقفز عنه , وما دام الفقر والجفاف والمجاعة والظلم الاجتماعي هي حقائق سائدة في زمني , فان عملي كمنتج افلام هو ان افهم هذه الحقائق . وربما كان مرينال سين مثلا فريدا عن مخرج هندي ينمو من اخراج افلام غامضة التوجه ورمزية في البداية الى اخراج افلام تصور الواقع الهندي القاسي على نحو دقيق . ان التزاماته الاجتماعية وروحه الخلاقة واستخدامه للسينما كأداة للتغيير , كل هذه الامور جرى الاعتراف بها . ومع اهتمامه الجديد في الشرط الانساني والشخصيات الحقيقية ( من لحم ودم) اصبح لديه اهتمام بالحكايات المصقولة واصبحت افلامه تحمل مواضيعه المعتادة : القمع والظلم والحرمان التي يعاني منها افراد الطبقة الوسطى والدنيا .
وتعتبر افلام شايام بينغال مركزية في تاريخ السينما الجديدة في الهند , وهو الذي عمل في السينما منذ عام 1960 قدم خلالها اكثر من 21 فيلما امتازت بملامستها الحارة للواقع الهندي مثل " البذرة " فيلمه الاول الذي يعتبر علامة فارقة في تاريخ السينما الهندية , و " شاراندا اللص " و " حصان الشمس السابع " وغيرهم
وحازت المخرجة ميرا نايير عن فيلمها الروائي الطويل الأول «سلام بومباي» جائزة الكاميرا الذهبية بمهرجان كان عام 1988. و رشح الفيلم لأوسكار أحسن فيلم أجنبي، بالإضافة إلى 25 جائزة دولية أخرى.. ثم يأتي فيلمها المهم زفاف مونسون أو «زواج في موسم عاصف» إشارة إلى رياح المنسون العاصفة في الهند وقد حصل على الاسد الذهبي لمهرجان فينيسيا السينمائي و رُشِّحَ أيضًا لجائزة أفضل فيلم أجنبيّ في الكرات الذّهبيّة واختارته مجلة «تايم» كأحد أحسن خمسة أفلام عرضت عام 2002،. الفيلم يقدم تغييرا في المنظور الثابت لبنية الفيلم الهندي السائد، ويمثّل استكشاف سينمائي لبيئة الطّبقة الوسطى في نيو دلهي الّتي مخرجة الفيلم نفسها هي منها. و تضيف ميرا نائير بفيلمها " تشابه أسماء " إطلالة سينمائية عميقة جميلة على ثقافة الصدام والاختلاف وعلى مآزق الفرد وصراعاته اليومية في عالم متغيّر.