الإيشارب الإرهابي

حبيب فارس
2010 / 4 / 17


نجَتْ من حادث سير مروع لكنها اختنقت بطرف الحجاب!


ليس العداء الغربي المتنامي للحجاب في السنوات القليلة الماضية إلاّ عنواناً من عناوين العداء للإسلام وبشكل خاص للعروبة والعرب، وبالأخص مقاومة المشاريع الإمبريالية – الصهيونية. عبثاً يحاول المرء مقاربة هذا التقليد لدى"محاربي" الحجاب من زاوية ارتداء الراهبات لمثله أو من زاوية ارتداء مثله وأكثر من قبل النساء الهنديات أو اليونانيات أوغيرهنّ من نساء بعض بلدان جنوب وشرق أوروبا وجنوب آسيا.

في بعض ضواحي المدن الأسترالية الكبرى وبعض الأرياف مثلاً، حيث تعيش الجاليات اليونانية، كنت تشعر قبل نيف وعشرة أعوام وأنت تشاهد أغطية الرأس النسائية من شراشف وايشاربات بتلك النسمة الحميمية التي تلفحك كما لو كنت في إحدى البلدان العربية، طبعاً لا لأسباب دينيّة بل لتشابه التقليد، لم تتخلّ تيك النسوة عن عادة ارتداء غطاء الرأس إنما الذي تغيّر هو زيادة ارتدائه من قبل النساء المسلمات، وبالأخصّ العربيات.

قبل "الحجاب العربي" في الغرب، لم يوضع غطاء الرأس تحت عنوان حقوق الإنسان أو حقوق المرأة، كما لم ينظر إليه كأحد عناوين الإرهاب. الأنكى أن أحداً من القيمين على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الصحيّة ومراكز أبحاثها، ذات الميزانيات الخيالية، لم يكلّف نفسه مثلاً، إجراء دراسة حول ما قد يوفره "الحجاب" على ميزانية الدولة وجيوب دافعي الضرائب، في بلد يعتبر سكانه من أكثر سكان بلدان العالم إصابة بسرطان الجلد. هذا المرض الذي وبحسب الإحصائيات الرسمية هو أكثر أنواع السرطانات شيوعا لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15-44 عاما، يصاب فيه اثنين من كل ثلاثة (نساء ورجال بالتساوي) لدى بلوغ سن سبعين عاماً، يتلقى الأطباء أكثر من مليون استشارة طبية حوله في العام الواحد، يعالج أكثر من ألف مريض به في اليوم الواحد ويموت جراءه 1700 شخص في العام. وإذا كانت الأبحاث العلمية تؤكد أن السبب الرئيسيّ لسرطان الجلد هو التعرض للإشعة فوق البنفسجية من إشعاع الشمس والمصادر الصناعيّة الأخرى، فالمفارقة أنّ ملايين الدولارات تنفق على الإرشاد والدعاية من أجل الوقاية بما فيها ارتداء أغطية الرأس خاصة في الأيام المشمسة وشديدة الحرارة. ومن المفارقات الأخرى أنّ العديد من المؤسسات الصناعية المولّدة لهذه الإشعاعات ترفض بشكل مباشر وغير مباشر تشغيل النساء المحجّبات، ناهيك عن أماكن عمل القطاعات الغذائية التي من أهم شروط العمل فيها ارتداء غطاء الرأس (طبعاً ما عدا الحجاب!).

كان يمكن تجنب الكلام عن فوائد الحجاب الصحيّة، لو لم تتصدّر علاقة الحجاب بالصحة والسلامة منذ بضعة أيام نشرات الأخبار والصفحات الأولى لصحافة مردوخ ومثيلاتها، في "سبق" صحفيّ رخيص وتافه غطى على غيره من الأخبار المحليّة والعالميّة. مفاد الخبر أن امرأة نجت بأعجوبة من حادث سير مروع ولم تصب بأية جراح أو رضوض لكنها نقلت الى المستشفى للعلاج من اختناق جزئي سببه ابتلاعها طرف الحجاب أثناء الحادث. وهكذا لم يكن مضمون الخبر سلامة المرأة ونجاتها بأعجوبة ولا تفاصيل الحادث التي غابت كلياً من الخبر، بل "الإختناق" بطرف الحجاب. وكان يمكن التفكير بالدوافع الإنسانيّة التي أدت الى إبراز هذا الخبر، لو كانت حوادث السير تعطى عادة هذا الحيّز من الإهتمام، حيث قتل جرّاءها على طرقات أستراليا 1447 شخصاً في عام 2008 و 1515 شخصاً في عام 2009 دون أن تستحوذ بمجملها على التغطية التي استحوذها خبر "الإختناق" بالحجاب! بل كان يمكن التغاضي عن عمل الحجاب "الإرهابي" وما سببه لمرتديته وبالتالي "هلع" ملايين المشاهدين والقرّاء، لو لم يعط الخبر حجماً ومساحة يفوقا ما يعطى عادة لأكثر من 250 جريمة قتل في العام الواحد!

ليس كاتب هذه السطور من المتحمّسين لارتداء الحجاب، ولا من المتشدقين بأمجاد العرب، ولا من ناكري المنجزات الإنسانية العظمى للحضارة الغربية، بما فيها احترام حقوق الفرد الغربيّ- مع التشديد على احترام الغرب لحقوق فرده لا غيره - لأنه لو طلبتَ من امرأة غربيّة أن ترتدي الزيّ الذي تقترحه عليها، مثلاً الحجاب - مقابل طلب نزعه عن رأس غيرها - ولم يعجبها طلبك تستطيع مقاضاتك وربما تجريمك، لأنك تعديت على حقها الشخصيّ في الإختيار، أما أن ترتديه المرأة المسلمة والعربية، فهذا اعتداء من الرّجل المسلم والعربي على حقوق المرأة، وإذا ما دافعت مرتدية الحجاب عن قرارها في ارتدائه، ستكون بنظر هؤلاء المدافعين جداً عن حقوق الإنسان، جاهلة ومتخلفة، حتى ولو كانت المعنيّة دولة الرئيسة المرحومة بينظير بوتو بالذات!

يكون الكلام ناقصاً إذا لم تطرح بعض الأسئلة التي لا تخص دوائر القرار الغربي وإعلامه، بل الدوائر العربيّة التي تطرح على نفسها سؤال الأميركيين لأنفسهم: "لماذا يكرهنا العالم؟". وإذ يضيق المجال للإجابة، ينبغي وضعها في رسم معسكر "الإعتدال" العربي، بملياراته و"حيات(ه)" و"شرق أوسط(ه)" و"مستقبل(ه)"، وشركاء مردوخ في "نيوز كورب(ه)" و"سكاي(ه)"، من "روتانا(هم)" الى "إل.بي.سي.(هم)" إلى آخر فضائياتهم، وصولاً للأمير طلال(هم) وباقي أخوته وعمومه وأبناء عمومه وأبناء عموم عمومه من جلالات وسموّات وفخامات؟!