أوهام فياض

معتصم حمادة
2010 / 4 / 14

حديث سلام فياض، رئيس حكومة تسيير الأعمال، إلى هآرتس (2/ 4/ 2010) أثار جدلا وردود فعل في الأوساط السياسية.
* فهو يتخذ من المشروع الصهيوني موقفاً محايدا، وجهه الآخر الحقيقي تأييد غير مباشر لهذا المشروع. فهو مشروع لا يمكن إلا أن تكون إما معه، أو ضده، لأنه بالأساس دموي، عنصري، يقوم على حساب الشعب الفلسطيني وأنقاضه ووطنه وحقوقه وماضيه وحاضره ومستقبله. وبقاء هذا المشروع، واستمراره وتطوره رهن، أيضاً، بالقضاء على المشروع الوطني الفلسطيني بكل ما في ذلك من تداعيات.
* يعترف بإسرائيل دولة يهودية، متناسياً أن هذا لا يكون إلا على حساب مستقبل الوجود الفلسطيني داخل إسرائيل وخارجها، وأن هذا يعني، في السياق، الاعتراف بدولة عنصرية تستمد عنصريتها من درجة عدائها للوجود الفلسطيني كحالة سياسية وإنسانية ومادية.
* يدعو لوقف الاستيطان في القدس والضفة، وبالمقابل يدعو إلى مواصلة الاستيطان في المناطق «الشاغرة» في مناطق 48. أي استكمال تهويد الأرض الفلسطينية المغتصبة عام 1948، وعلى الأخص الجليل في خطوة تندرج في سياق المزيد من الخطوات لقطع الطريق على حق العودة.
* يصوّر «النزاع» في المنطقة على أنه بين «متطرفين ومعتدلين» يتواجدون على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ويكفي أن يتحالف المعتدلون الفلسطينيون (وهو في مقدمهم) مع المعتدلين الإسرائيليين (لم يذكر واحداً منهم) ضد المتطرفين من الجانبين حتى نصل إلى نهاية سعيدة لهذا النزاع.
* يتعهد بوقف «التحريض» الفلسطيني ضد إسرائيل تعبيرا عن حسن النوايا متجاهلا أن ما يسمى «تحريضاً» ليس سوى عمل إعلامي لكشف حقائق الاحتلال وجرائمه، وكأن «التحريض» ولد من العدم، وليس نتاجاً لسياسات قمعية دموية يمارسها الاحتلال والمستوطنون معاً.
* يتحدث عن انتماء الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى «قيم عالمية مشتركة» فيتبرع من جانبه لمنح الاحتلال والاستيطان صك براءة، كما سبق وأن منح قادة الاحتلال جائزة نوبل للسلام، رغم ما ارتكبوه ضد شعب فلسطين من جرائم حرب، قبل 1948 وبعدها.
* أخيراً، وليس أخراً، يعد بأنه يُعد البنية التحتية لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في الدولة الفلسطينية، وكأن قضية اللاجئين تتلخص في توفير مكان للإقامة، وليست قضية سياسية حلها يكون بعودة اللاجئ إلى دياره وممتلكاته التي هجر منها منذ العام 1948.
***
كلام فياض يأتي في سياق عرضه لمشروعه لإقامة الدولة الفلسطينية في آب (أغسطس) 2011. ويتلخص ببناء المؤسسات الضرورية لتأكيدها جاهزية الفلسطينيين لإقامة دولتهم.
دولة فياض يجب أن تقوم في عهد الرئيس أوباما باعتباره أحد المعنيين الكبار عن قيامها، جنباً إلى جنب مع أوروبا وباقي أطراف المجتمع الدولي، والذي سيكون هو المسؤول عن إزالة الاحتلال. أما الفلسطينيون فيكتفون بالنضال السلمي (لكن دون تحريض!) على غرار نضالات غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة. في تشبيه مغلوط بين فلسطين من جهة وبين الهند وين الولايات المتحدة من جهة أخرى.
دولة فياض تندرج في إطار «حل الدولتين». دولة للفلسطينيين بمن فيهم اللاجئون، وربما آخرون من داخل إسرائيل في إطار «تبادل الأراضي»، ودولة لليهود طبقاً للمشروع الصهيوني.
ليس خافياً أن مشروع فياض يتطابق مع مشروع توني بلير ممثل اللجنة الرباعية، ورئيس الوزراء البريطاني السابق، ويشكل نسخة عنه. وكان قد دعا الفلسطينيين إلى الانشغال ببناء مؤسساتهم الرسمية، على أن يكون المجتمع الدولي مسؤولاً عن قيام الدولة الفلسطينية.
مشروع فياض، في سياقه العام، قد يبدو في ظاهره ترجمة أخرى للمشروع الوطني الفلسطيني، أي الاستقلال الوطني وجلاء الاحتلال. لكن قليلاً من التدقيق يبين لنا أنه مختلف في مضمونه، وفي سياقه، وفي رؤيته السياسية عن المشروع الوطني.
* فمشروع فياض يقوم على مبدأ «النضال السلمي» لكن الوجه الآخر لهذا النضال السلمي هو قمع كل تحرك شعبي يحاول أن يخترق سقف هذا النضال. هذا ما قراناه جيداً في تحركات الضفة إبان العدوان الإسرائيلي على غزة (2008) وفي الهبة الجماهيرية دفاعاً عن القدس والخليل وبيت لحم. وفي التحركات الشعبية في الأسبوع الأول في الشهر الجاري، حين تعرض فلسطينيون إلى القمع والاعتقال على يد الأجهزة الفلسطينية، وهم يتظاهرون ضد الاحتلال والاستيطان.
* ومشروع فياض (وهو يقصي الحركة الجماهيرية وينحيها جانباً إلا إذا كانت تحت سقف قراره السياسي) يراهن على الولايات المتحدة وأوروبا واللجنة الرباعية لإنجاح مشروع قيام الدولة الفلسطينية. ويقوم كذلك على مبدأ «إقناع» العدو الصهيوني بصوابية الموقف الفلسطيني وحسن نواياه، وكأن القضية سوء تفاهم، وتباين في وجهات النظر وليست صراعاً مصيرياً بين مشروعين، أحدهما، وهو المشروع الصهيوني، يعتمد المعادلة الصفرية، حين يشطب من حساباته حق الفلسطينيين في الدولة المستقلة، كما حقهم في العودة.
* ومشروع فياض يقوم وفق معادلة بائسة «الدولة مقابل إسقاط حق العودة». ومع أنه يحاول على الدوام أن يقدم نفسه رجلا سياسيا من طراز آخر، إلا أنه وقع في الفخ إياه. فأسقط حق العودة مسبقا، قبل الوصول إلى محطة استحقاق قيام الدولة الفلسطينية الأمر الذي يهدد بضياع حق العودة وضياع الاستقلال والدولة معا.
وفياض، أخيرا، وليس آخرا، ينصب نفسه في غير موقعه الذي يحتله، فيتناول المشروع الوطني بأجزائه وعناصره كافة. ويشطب منه حق العودة دون أن يوضح من الذي فوضه وأعطاه الحق في ذلك. ومن الذي فوضه للتخلي عن حقوق اللاجئين. وكيف ينظر إلى نفسه وهو يدلي بهذه المواقف، في الوقت الذي تأتيه الاحتجاجات الصاخبة من كل صوب، تدين موقفه، وتدعوه للتراجع عنه، والكف عن العبث بحق العودة وباقي الحقوق الوطنية. مؤكدة في الوقت نفسه أن لا تراجع عن حق العودة ولا تردد في التمسك الثابت به.
***
ليست هي المرة الأولى التي يتجاوز فيها فياض حدوده كرئيس حكومة تسيير الأعمال. وليست هي المرة الأولى التي يدلي فيها بتصريحات سياسية تتجاوز صلاحياته، تشكل خرقا للموقف الوطني الفلسطيني أو تحاول أن تنشر الأوهام السياسية في فضاء الحالة الفلسطينية.
نذكر من تلك المرات إلقاءه لكلمته في مؤتمر هرتسيليا الأخير، في وقت كان فيه الفلسطينيون يشددون على مقاطعة إسرائيل، ويرهنون ذلك بوقف الاستيطان وقفا تاما في القدس والضفة الفلسطينية. وكانت الأجواء ساخنة، فشكلت مشاركة فياض في هرتسيليا خديعة سياسية، وخرقا خطيرا لموقف الاجماع. الخطير أيضا في ما جرى أن فياض جند فيما بعد عددا من الأقلام للدفاع عن سلوكه بما يوضح أنه يعمل على بناء «نخبة» سياسية تشكل حاملا لمشروعه السياسي، بديلا للمشروع الوطني، تبرر له أخطاءه وخروقاته، وتجاوزاته السياسية.
المرة الثانية كانت حديثه إلى هآرتس (2/4/2010) وقد عرضنا لبعض عناصره ومخاطرها.
ويلاحظ، من جهة أخرى، أن فياض يشكل رئيس حكومة «نشيطا» لا يكف عن وضع حجر الأساس لعشرات المشاريع في أنحاء الضفة. وافتتاح مشاريع تم إنجازها. وقد أعلن مؤخرا عن إنجاز المرحلة الأولى من خطته (ألف مشروع) والبدء بالمرحلة الثانية (الألف الثاني) في إطار بناء مؤسسات الدولة المتوقع ولادتها (كما قال) في آب (أغسطس) 2011.
غير أن اللافت للنظر أن فياض، وهو ينشط ويحاول أن يستقطب تأييدا شعبيا لنشاطه ومواقفه وسياساته، يحاول في الوقت نفسه أن يحول هذا الإنجاز إلى قيد يقيد الحركة الشعبية ويشلها، كالإدعاء أن اللجوء إلى الانتفاضة (أي إلى مقاومة الاحتلال والاستيطان) من شأنه أن يعرض المشاريع التي أقامها إلى الدمار، بحيث تصبح المقاومة الشعبية ذريعة يستغلها الاحتلال لتدمير المؤسسات الفلسطينية، فيعطل قيام الدولة الفلسطينية في آب من العام القادم. واضح تماما أن فياض (وحوله آخرون) بإدعائه هذا، يضع المقاومة الشعبية في موقع التناقض مع المصلحة الوطنية، وفي موقع من يعطل قيام الدولة المستقلة وينشر أوهاما أن قيام الدولة يتطلب هدوءا و«مقاومة سلمية» لا تصل إلى حد الاصطدام بالاحتلال، ولا تتيح له التذرع بها لتدمير ما يبنيه فياض وتبنيه حكومته.
مثل هذا الوهم، بتقديرنا ليس موجوداً إلا في أذهان فياض، ومن يشايع مشروعه. فطبيعة المقاومة الشعبية الفلسطينية تبقى رهنا بسلوك الاحتلال الإسرائيلي، وتصرفاته مع المواطنين. ورد الفعل الجماهيري يكون، بالضرورة، على مستوى السلوك العدواني الإسرائيلي. ترى كيف تستطيع «المقاومة السلمية» أن تزيل جدار الفصل العنصري. وأن تتصدى لمشاريع الاستيطان، وأن تتصدى لمشاريع مصادرة المنازل أو هدمها؟!.
يتغنى فياض بغاندي ومارتن لوتر كينغ. ويدعي أنه بمشروعه يسير على خطى هذين العظيمين.
لعل فياض نسي، أو تناسى، أن فلسطين ليست الهند. وليست الولايات المتحدة. ولعل حفيد غاندي، وهو يزور الأراضي الفلسطينية المحتلة في 5/4/2010، كان شديد الفصاحة، والبلاغة، حين خلص من خلال مراقبته لما يجري في فلسطين، أن إسرائيل «غير راغبة بالسلام» و«لا تعمل لأجله». كان حفيد غاندي لا يشير فقط إلى وجود الاحتلال، بل وكان يشير في الأساس إلى غول الاستيطان. ولعل هذا يشكل شهادة يصعب الطعن بها أو الشك في صمتها؛ في أن مشروع فياض سائر إلى الطريق المسدود، مثله مثل اتفاق أوسلو من قبل، ومفاوضات أنابوليس. وبالتالي هو يحاول أن يزرع الأوهام وأن يبدد الوقت والطاقات. ليقف بعد ذلك كما وقف أصحاب أوسلو وأصحاب أنابوليس ليقروا أن طريقهم انتهى إلى الفشل.
فكفى الشعب الفلسطيني تجارب فاشلة. فالحل يقع خارج الدعوات البائسة لطرح مشاريع بديلة للمشروع الوطني الفلسطيني.