الإرهابيون يحاولون خلط الأوراق ومصادرة انتصار الشعب

جاسم الحلوائي
2010 / 4 / 7

الإرهابيون يحاولون خلط الأوراق ومصادرة انتصار الشعب
جاسم الحلوائي
لا توجد انتخابات بدون نواقص وأخطاء وتزوير خاصة في البلدان الحديثة العهد بهذه الممارسة. ويزداد الطين بلّه عندما تجري الانتخابات في ظل غياب إحصاء سكاني وبلا قانون أحزاب وفي ظروف أمنية غير مستقرة، إضافة إلى كونها تجري وفق قانون انتخابات فيه الكثير من الثغرات. لقد شاب الانتخابات البرلمانية العراقية في 7 آذار 2010 نواقص وأخطاء وخروقات ومحاولات تزوير، والأخيرة كانت محدودة وتحت السيطرة، ولم تكن مبرمجة على نطاق واسع، حيث عولجت من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي ألغت العديد من صناديق الاقتراع، بعد التأكد من عدم سلامتها. إن قانون الانتخابات بحد ذاته يحوي الكثير من الثغرات التي تؤثر سلباً على انسيابية الانتخابات، على سبيل المثال لا الحصر، تصويت المقيمين في الخارج لمحافظاتهم، عدم وجود ضوابط تحد من ظاهرة وجود آلاف المرشحين الذين لم يحصلوا إلا على أصوات قليلة وذلك بفرض غرامات مالية كبيرة على من لم يحصل على عدد محدد من الأصوات.
لابد للمرء أن يأخذ كل ذلك بنظر الاعتبار عند تقييم الانتخابات ودور المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فيها. لقد اتسمت الانتخابات بالشفافية والمصداقية وبالمعايير الدولية، ضمن الظروف الملموسة التي جرت فيها، حسب شهادات جميع مراقبي الهيئات والمحافل الدولية والإقليمية والمحلية. وسلّمت بالنتائج ثلاث قوائم من القوائم الكبيرة الأربع الفائزة وطعنت فيها قائمة ائتلاف دولة القانون وطالبت بإعادة الفرز والعد يدوياً.
ولقد أثبتت المفوضية بأنها شفافة ونزيهة ومستقلة، بشهادة المراقبين الدوليين والجامعة العربية ومنظمات المجتمع المدني العراقية، ولم تخضع للابتزاز والتهديد بما في ذلك تهديدات رئيس الوزراء المبطنة باستخدام القوة عندما ذكّر بأنه القائد العام للقوات المسلحة وإن الوضع قد ينزلق إلى العنف. ولم تستجب المفوضية لا لطلبه ولا لطلب رئيس الجمهورية بإعادة العد والفرز يدويا، لعدم قانونيته. وإذا كان هذا الموقف الشجاع والمشرف دليل بارز على استقلالية المفوضية، فان تسليم المفوضية أقراص مدمجة للكيانات السياسية تحوي صور بيانات محطات العد والفرز اليدوي، التي جرت بحضور ممثلي الكيانات ومختلف المراقبين، لمقارنتها مع النتائج النهائية، لهو دليل أكيد على شفافية المفوضية. وقد صرح السيد بيان جبر القيادي في قائمة الائتلاف الوطني العراقي على شاشة العراقية بأنهم وجدوا تطابقاً في مقارنتهم البيانات مع النتائج النهائية. وعندما قيل له"يقال بأن الأقراص لم تفتح" أجاب "لقد فتحت عندنا"؟!
ومع كل هذا وذاك فلا يعني هذا عدم وجود نواقص وأخطاء في عمل المفوضية ولكن هذا شيء واتهامها بأنها غير مستقلة أو الطعن بشفافيتها ومصداقيتها شيء آخر. ومن الملاحظات الفنية التي قرأتها لمختص، لا يحضرني اسمه الآن، وتستحق التأمل هي: كان بإمكان المفوضية أن تقسم إعلان النتائج إلى مرحلتين الأولى يمكن إعلانها بعد 24 ساعة من إغلاق صناديق الاقتراع، تعلن فيها عدد الأصوات التي حصلت عليها كل قائمة في العراق فقط ، وبذلك تطمئن نفوس المتنافسين والناخبين. وتعلن في المرحلة الثانية أسماء الفائزين وعدد المقاعد، وهي التي تحتاج إلى وقت طويل نسبياً.
لقد وجدت القوائم الخاسرة، أو التي لم ترق لها النتائج لعدم تطابقها مع تمنياتها وحساباتها غير الدقيقة، في المفوضية المستقلة للانتخابات (حايط نصيص) لتوّجه لها مختلف الاتهامات والطعون، لمداراة خسارتها وخيبة أمل ناخبيها، ولتطالبها بتأجيل الإعلان عن النتائج قبل تحقيق مطلبها في إعادة العد والفرز يدوياً. ومثل هذا الطلب وبدون أدلة دامغة تثبت وجود تزوير مبرمج على نطاق واسع، لا يجمعه جامع مع الحرص على مصلحة العملية السياسية والمصلحة الوطنية العليا التي تتطلب الإسراع في انجاز العملية الانتخابية والإسراع في تشكيل الحكومة لاسيما وأننا نعيش استقراراً أمنياً هشاً والبلد يمر في حالة فراغ دستوري.
وخسرت بعض القوائم لعدم عدالة قانون الانتخابات الذي منح المقاعد التعويضية، بعد أن قلصها، للكيانات الفائزة الكبيرة بدلاً من توزيعها على الكيانات التي حازت القاسم الانتخابي الوطني ولم تفز في المحافظات، وهي أكثر من كيان سياسي غير طائفي وغير قومي أو مناطقي وعشائري من بينها قائمة اتحاد الشعب. إن هذه الكيانات هي نموذج للأحزاب السياسية المطلوبة لعراق متحضر مدني وعصري والمستقبل لهذه الكيانات مع انحسار النزعات الطائفية وضيق الأفق القومي وفي ظل قانون ديمقراطي وعصري للأحزاب.
وفي كل الأحوال، فقد كانت الانتخابات نصراً للشعب العراقي الذي خرج بكثافة ليمارس حقه رغم تهديدات الإرهابيين وتفجيراتهم وقصفهم في يوم الانتخابات، ليؤكد خياره في التداول السلمي للسلطة وليضع لبنة أخرى في صرح البناء الديمقراطي في العراق. وإذا ما صرفنا النظر عن خسارة بعض القوائم غير الكبيرة والعابرة للطوائف والإثنيات، وهي خسارة مهمة، رغم أنها مؤقتة، فإن نتائج الانتخابات ستكون في صالح تطوير العملية السياسية لتقدم القائمة العراقية على القوائم الأخرى، بما في ذلك قائمة الحكومة، وهي قائمة عابرة للطوائف والاثنيات، نسبياً وبالمقارنة مع القوائم الكبيرة الأخرى، ويدعو زعيمها إلى فصل الدين عن الدولة. ولا يقلل من أهمية ذلك الدعم الكثيف من مكون معين للقائمة، آخذين بنظر الاعتبار حصول القائمة على 12 مقعداً في المحافظات الجنوبية ونصف المقاعد في كركوك، في حين لم تخرج القوائم الكبيرة الأخرى عن نطاق مكوناتها الطائفية والإثنية.
لقد أسفرت نتيجة الانتخابات البرلمانية الأولية، كما هو معروف، عن فوز أربع قوائم كبيرة وهي: العراقية 91 مقعداً وائتلاف دولة الفانون 89 مقعداً والائتلاف الوطني العراقي 70 مقعداً والتحالف الكردستاني 57 مقعداً وهناك 18 مقعدا موزعة على التوافق ووحدة العراق 6 و4 مقاعد على التوالي و 8 مقاعد للأقليات خمسة منها للمسيحيين.
وكانت النتيجة صدمة قوية لقائمة ائتلاف دولة القانون، أفقدتها صوابها لأن حساب البيدر جاء بعيداً جداً عن حساب الحقل. فالقائمة كانت تدعو لحكومة أغلبية سياسية، أكثر من نصف مقاعد مجلس النواب، تتصور بأنها مضمونة لقائمتها، وإذا بها تتأخر عن أشد منافسيها. ولأنها لم تستوعب الواقع الجديد وتأخذ المبادرة السياسية بيدها بانفتاحها على القائمة الأولى، العراقية، تبارك لها الفوز وتطلب تعاونها كي لا ترتهن للقائمتين الثالثة والرابعة، فإنها واصلت خطأها. فبعد فشل تهديد رئيس قائمتها للمفوضية، كما مر بنا، ظلت قيادة القائمة تترنح جراء الصدمة وسعت لعزل القائمة العراقية من منطلق رغبوي وإرادوي وبعيد جداً عن القراءة الموضوعية للخارطة السياسية الجديدة ومتطلبات تطوير العملية السياسية. وقد فشلت قائمة دولة القانون في ذلك، فوقعت رهينة ليس بيد القائمة الثالثة فحسب ، بل في يد أحد مكوناتها وهو التيار الصدري. وكان لزيارة السيد نوري المالكي لمقر التيار في يوم 6 نيسان ولأول مرة مغزاها الواضح في هذا السياق.
إن جميع القوائم الفائزة، بما في ذلك دولة القانون، تدعو في الوقت الحاضر إلى حكومة تشمل جميع القوائم الفائزة، وفي ذلك عين الحكمة، إن كانت الدعوة جدية وليس من باب المناورات السياسية. فالعراق لا يحتمل الآن معارضة قوية، حيث لم يكتمل بعد بناء الدولة وتعوزه العديد من المؤسسات والتشريعات الأساسية، فضلا عن وجود خلافات حول أسس النظام في الدستور، فمن الممكن أن تتحول المعارضة القوية إلى قوة معطلة لعملية سياسية لم تكتمل بعدُ. وقبل هذا وذاك، إن الوضع الأمني هش للغاية كما تؤكد ذلك الأحداث الإجرامية الدامية التي وقعت في الأيام الأخيرة والتي تستهدف خلط الأوراق ومصادرة انتصار الشعب بمعاقبته لممارسته الانتخابات رغم تهديدات الإرهابيين. إن كل ذلك يتطلب تضافر جهود كل القوى التي تنشد الأمن والاستقرار والحريصة على إقامة نظام ديمقراطي تعددي اتحادي، بما في ذلك جهود القوى السياسية غير الفائزة بمقاعد في الانتخابات.
7 نيسان 2010







.